وزير الخارجية اللبناني لـ {الشرق الأوسط}: على الدول العربية ألّا تسمح بالتمدد الإيراني

باسيل يؤكد حرص بيروت على «أطيب العلاقات» مع السعودية «بغض النظر عن مواقف من هنا وهناك»

جبران باسيل
جبران باسيل
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ {الشرق الأوسط}: على الدول العربية ألّا تسمح بالتمدد الإيراني

جبران باسيل
جبران باسيل

أكد وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، أن اللبنانيين حريصون على «تقديم الخير للمملكة في احتضانهم للسعوديين»، معتبرًا في إشارة غير مباشرة إلى مواقف أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، أن «تجاوز القيادة السعودية بعض المواقف التي صدرت في لبنان دليل محبة سعودية للبنان»، مشددًا على أن «الموقف اللبناني الرسمي تعبر عنه الحكومة اللبنانية فقط».
ورأى باسيل أن مسؤولية المملكة تكبر كلما اشتدت الأزمات، مشددًا في حوار موسع مع «الشرق الأوسط» على «دور المملكة في كبح جماح الصراع المذهبي في المنطقة». واستغرب باسيل محاولة تصوير الأمور وكأن طائفة ما وحدها تقاتل الإرهاب، رافضًا أن يُقال: «ليس هناك من يستطيع مواجهة (داعش) غير الحشد الشعبي، ويشرع هذا الأمر من قبل الولايات المتحدة وغيرها، وكأنه إقرار أن السنة في العراق يعجزون عن مقاومة الإرهاب». وشدّد باسيل على أنه على الدول العربية ألا تسمح بالتمدد الإيراني، وأن تأخذ هي المبادرة. وقال: «إذا كانت إيران تستفيد من أي تقصير أو خلل أو خلاف عربي - عربي، فهو مسؤوليتنا بالدرجة الأولى. أنا لا أحب أن أرى أي أحد من خارج المنطقة يتدخل في شؤون المنطقة، وما أكثرهم. فأول منع هو ألا نترك فراغات؛ نحن العرب».وفيما يأتي نص الحوار:
* ما هو تقييمك لنتائج زيارة الوفد اللبناني إلى المملكة العربية السعودية؟
- هي مناسبة جديدة لكي يؤكد لبنان الدولة على رغبته بالعلاقات الطيبة مع الدول العربية، خاصة المملكة العربية السعودية، وأن يحاول أن يستفيد من موقع المملكة في العالم العربي ليؤكد أكثر على موضوع استقرار لبنان ومساهمة المملكة بهذا الاستقرار، وتشجيعها للمحافظة على إبعاد لبنان قدر الإمكان عما يحصل حوله. وطبعًا بعدما تسلم الملك سلمان مقاليد الحكم وولي العهد، وولي ولي العهد، كانت هذه الزيارة لازمة للتأكيد على علاقات طيبة، خصوصا أننا بما يعنينا تكلمنا عن كيفية مأسسة هذه العلاقات على مستوى اتفاقيات وتعاون بين وزارة الخارجية اللبنانية ووزارة الخارجية السعودية، والتعاون في الموضوع الاقتصادي والتبادل التجاري، والتعاون القضائي. علمًا بأن ثمة اتفاقية رسمية في الموضوع القضائي. واقترحنا موضوع فتح مدرسة لبنانية على غرار كثير من الجاليات في المملكة، وطبعًا تشجيع السعوديين للمجيء دائمًا إلى لبنان، لأن هذا البلد يريد مجيئهم ويستقبلهم للاصطياف في عطلهم. واللبنانيون حريصون هنا في تقديم الخير للمملكة في احتضانهم للسعوديين. وحرصنا أكيد على أن نكون بأطيب العلاقات، بغض النظر عن مواقف من هنا أو هناك في ظل مساحة الحرية الكبيرة في لبنان التي يعبر عنها هذا الفريق أو ذاك.
* كيف يمكن أن نتجاوز تأثيرات «مساحة الحرية» التي نتكلم عنها عن العلاقات اللبنانية السعودية، بعد أن شنت الحملات على المملكة؟
- أنا لمست في السعودية كِبَرًا من هذه الناحية ولم نسمع من أي من المسؤولين، بدءًا من جلالة الملك، وولي العهد، وكل الوزراء الذين التقيناهم في عدة مناسبات، أي عتب. وهناك تفهم أن موقف لبنان الرسمي تعبر عنه الحكومة، ولم نسمع أي تحميل مسؤولية للدولة اللبنانية. إسرائيل أو العدو، أو غير المحب للبنان، هم من يلجأون لهذه الطريقة في تحميل وتعميم الضرر، لكن في السعودية لم يحصل هذا الأمر؛ وهذا دليل على محبة للبنان وتفهم الوضع القائم في البلد وليس تحميلنا الأعباء. وهذا أيضًا ناتج عن أن موقف الحكومة اللبنانية واضح، وهذا تأكيد المؤكد الذي لم نكن بحاجة إلى أن نكرره في السعودية، لأننا عبرنا عن هذا الأمر سابقًا. حقيقةً، هذا الموضوع لم يكن مطروحًا ولم يكن إشكالية.
* هناك كلام عن الهبة السعودية للجيش والقوى الأمنية والكلام عن أنها تأثرت أو جمدت.. ماذا لمستم؟
- لم يتم طرح الموضوع. دولة الرئيس طرح أهمية هذا الموضوع للبنان، وكيف كان وقعه إيجابيًا في الجانبين؛ المعنوي والسياسي، وكم هي المساعدة الفعلية مهمة للجيش لكي يكافح. دولة الرئيس أكد على هذا الشيء ولم نسمع ما يعاكسه بشكل مباشر.
* كيف تنظرون إلى الدور السعودي في المنطقة في ظل الأزمات القائمة من سوريا إلى اليمن إلى العراق؟
- كلما اشتدت الأزمة تكبر مسؤوليات المملكة باستيعابها. وواضح أن هناك صراعًا في المنطقة سنيًا - شيعيًا يستفيد منه كثيرون، وعلى رأسهم إسرائيل. وهناك تسعير لهذا الصراع، والمسؤولية تقتضي بألا ينجر أحد إلى هذا الصراع؛ لأن فيه تدمير للمنطقة وللذات. وكلما كان الدور السعودي في اتجاه تنفيس هذا الاحتقان وعدم تحويله إلى مذهبي وإعادة الأمور إلى أعماق أعماقها، كان أفضل؛ حيث لا خلاف مثلاً على أن الإرهاب مشكلة ويجب معالجتها. يجب التركيز على الأمور غير الخلافية، وهذا لا يعني أن يتخلى أحد عن مواقفه إنما أن يتم التركيز على الموضوعات المتفق عليها. والصراع مع الإرهاب لا يكون مذهبيًا لأن جميع المذاهب تحارب الإرهاب، وأكثر ما نخشى أن يتكرَّس مع الوقت، هو أن يبدو وكأن هناك مذاهب تحارب الإرهاب أكثر من مذاهب أخرى، وإعطاء شرعية لهذا التوصيف.
في لبنان الجيش اللبناني يحارب الإرهاب، لأنه من سنة وشيعة ودروز وموارنة وأرثوذكس وكاثوليك وغيره؛ فيكون كل اللبنانيين يحاربونه عبر الجيش اللبناني، لأن جميع اللبنانيين متفقون على أن الإرهاب هو ضرر عليهم. وعندما لا يقوم الجيش بالمهمة ويفسح المجال، سواء عن عدم قدرة أو لعدم وجود قرار سياسي، فإن ذلك يفسح المجال أمام حزب الله مثلاً، للقيام بهذا الدور وينجح، يصبح بالمحصلة أن الجيش عجز عن القيام بهذا الدور وحزب الله الشيعي نجح به.
وفي العراق، الصحوات هي التي واجهت إرهاب القاعدة في مرحلة ما، وهكذا يجب أن يكون. لماذا يقال اليوم إن ليس هناك من يستطيع مواجهة «داعش» غير الحشد الشعبي؟ ويشرع هذا الأمر من قبل الولايات المتحدة وغيرها وكأنه إقرار بأن السنة في العراق يعجزون عن مقاومة الإرهاب. طبعًا، السنة في العراق أو غير العراق هم الأساس ومشاركتهم لا تحتاج إلى تأكيد. مثلاً في لبنان، لماذا تألفت الحكومة وأسندت فيها وزارة العدل والداخلية لتيار المستقبل؟ لأنه نعتقد أن عليهم مسؤولية، وقادرون على القيام بهذه المهمة. وأي تقصير، يعطي مجالاً لـ«داعش» في أن تستفيد من الوضع ويعطيها وتتمدد، وهذا يحصل في العراق وسوريا وفي لبنان.
الرد الطبيعي، وجزء منه على مستوى المنطقة: هناك رهان، على أن السعودية لديها الوعي ويجب أن يكون لديها القدرة في عمليات المواجهة، لأن لديها قواتها هي وكل دول الخليج والمنطقة والجيش اللبناني والمصري والعراقي، كلنا علينا مهمة محاربة الإرهاب، وألا ندعو غيرنا للقيام بالمهمة، ومن قال إننا نريد التركي أو الإيراني أو الأميركي أن يأتي للمحاربة على الأرض العربية وكأن الأرض العربية ليس عندها من يحارب عنها! على العكس، عندها أموال ورجال وعندها قدرتها على الحرب، فلماذا إعطاء المجال للآخر للدخول على الخط؟ أنا أعتقد أن السعودية عندها الدور القيادي في هذا الموضوع.
* في الملف السوري، هناك مشكلة جوهرية في هذا الموضوع وهو النظام، لا أحد سيقاتل إلى جانب هذا النظام؟
- هناك مناطق محسوم أنها خارج سيطرة النظام منذ فترة. أنا لا أدعو أن تتوجه دول عربية إلى أراضٍ عربية للمحاربة من دون طلب الدولة العربية المعنية. لكنني أقول إنه يجب ألا توجد «داعش» بغض النظر عن النظام، أنا أفهم وجود معارضة سوريا معتدلة، (بغض النظر أن لبنان موقفه أنه لا يريد أن يتدخل في الشأن السوري الداخلي)، لكن ما أقوله إنه مهما كانت الصراعات، لا يجب أن نحسب أن هذا يفيد النظام أو يفيد حزب الله. «داعش» لا تشبه شيئًا في هذا العالم، الموضوع ليس في أنك تحارب «داعش» إفادةً لأحد، بغض النظر عن سوريا، فأرض المعركة ليست في سوريا فقط، هي في العراق والسعودية كما حصل في التفجيرين بالمنطقة الشرقية، فهل ثمة من ينكر أنه كان استهدافًا للمملكة؟
«داعش»، تسمية لفكر تكفيري، قاعدة، ومتغلغل. ماذا نريد أن نرى أكثر من هذا المشهد المتنقل من لبنان إلى الخليج مرورًا بسوريا والعراق وصولاً إلى تونس!
* كثيرون يحمّلون التمدد الإيراني في المنطقة جزءًا كبيرًا من المسؤولية في الغليان المذهبي!
- على الدول العربية ألا تسمح بالتمدد الإيراني، وأن تأخذ هي المبادرة.
* وكيف يتم ذلك؟
- بأن تقوم هي بالمهمة، فلا يأتي أحد ليقوم بها. إيران أتت إلى المنطقة لمحاربة إسرائيل، فإذا العرب حاربوا إسرائيل لن تستطيع إيران أن تفرض علينا أجندتها، وإن لم يحاربوها، سيأتي من يحمل لواء المحاربة مع إسرائيل وسيجد مناصرين له، وسيأخذ مكانه على الساحة.
نحن متفقون على أن «داعش» هي إرهاب، ولا نقوم بهذا التقييم إكرامًا لأحد، نحن - العرب - متفقون وصنفنا «داعش» بالإرهابية، فلماذا لا نقوم بالمهمة؟ أهي عدم قدرة؟
إذا استفادت إيران من أي تقصير أو خلل أو خلاف عربي - عربي، فهو مسؤوليتنا بالدرجة الأولى. أنا لا أحب أن أرى طرفًا من خارج المنطقة يتدخل في شؤون المنطقة، أيًا كان هذا الطرف، وما أكثرهم. فأول منع لهذا التدخل منا، نحن العرب، هو ألا نترك فراغات في المنطقة.
* لبنانيًا، ما هي الخطوة الثانية بعد اللقاء بين العماد عون ورئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وإعلان النيات التي صدرت عنهما؟
- العمل على تجسيد فكرة الرئيس القوي التي هي في مذكرات بكركي، والتي هي في إعلان النيات، وفي آخر ما قرأه البطريرك الماروني بشارة الراعي، حول كيفية حسم من يختار المسيحيون لرئاسة الجمهورية. لأن المسلمين يدعون المسيحيين للاتفاق، وكذلك المملكة تدعو المسيحيين للاتفاق، وكل دول العالم والفاتيكان يطالبنا بذلك أيضًا. فالعملية هي كيف نتفق نحن - المسيحيين - ليس على لحظة أو استحقاق، بل على شيء يثبت أن من يمثلنا هو من يتسلم رئاسة الجمهورية على القاعدة القائمة عند بقية الطوائف بالمواقع الأخرى.
هذه متابعة للعماد عون، أعلن عنها يوم أمس، وكان قد قام بمبادرة قوامها ذلك، إما تعديل الدستور والتصويت مباشرة من الشعب، أو انتخابات نيابية وفق قانون جديد ونتيجتها تحسم من يأتي رئيسًا للجمهورية، أو اتفاق المسيحيين على حصر نزول المسيحيين إلى المجلس بأقوى اثنين منهم. هكذا يكون عندهم أقوى اثنين من دون أن يفرضوهما على المسلمين والمسيحيين. أما إذا رُفضت الاقتراحات الثلاثة، يقوم المسيحيون باستفتاء ويتفقوا بين بعضهم البعض، وتلتزم القوى السياسية بنتائجه من دون أن يتم تعديل الدستور، ومن يأخذ أكبر حصة بالتأييد يكون مرشحنا لرئاسة الجمهورية.
وما حصل يوم أمس، هو تأييد رئيس القوات اللبنانية لهذه النقطة، والآن يجب الانتقال إلى كيفية الترجمة الفعلية لهذا الاتفاق.
* لماذا إذن لا نذهب إلى مجلس النواب ونختار بين الاثنين، وهذا ما يطالب به 14 آذار منذ زمن طويل؟
- كلا، هناك فرق. أولاً، لم يسلم أحد بهذا الاقتراح. وقد كانت هناك مبادرة من قبلنا أن يذهب الاثنان (عون وجعجع) إلى البرلمان. فقيل لنا إنه لا يمكنكم إجبارنا على الخيار بين الاثنين، لأن لدينا ثالثًا ورابعًا. والنتيجة، هي إنك ترفض أكثر المسيحيين تمثيلاً وتذهب إلى الأقل تمثيلاً.
الاستفتاء أمر آخر، ومن يحصل على أكبر نسبة بهذا الاستفتاء يرشحونه للمجلس النيابي لانتخابه. ولا أرى أبدًا أن أحدًا من المسلمين سيرفض ذلك، لأنه يدعوننا لأن نتفق، ونحن اتفقنا.
* ألا ترون في ذلك مخالفة للدستور؟
- هذا لا يعطل ولا يمس بالدستور، بل هو عملية داخلية بين المسيحيين. وهل هناك ديمقراطية أكثر من ذلك؟ المهم أن نكرِّس المبدأ، وما حصل بالأمس أمر كبير جدًا، لأن هذا الموضوع بحث مع البطريرك مطولاً، وهو كان أول من أعلنه منذ سنة، وقام باستطلاع رأي فيه، ولم يعرضه كفكرة فقط، بل بادر فيه وقام بما يلزم. بالتالي اليوم أصبح هذا الاقتراح قاعدة قبول كبيرة جدًا. (النائب) سليمان فرنجية أيضًا عندما عرضت عليه المبادرة قال إنه موافق عليها وهو شريك أساسي في هذا القرار. هذا يعني أن هناك قاعدة مسيحية واسعة للقبول بهذا الاقتراح والسير فيه؛ أي اختيار موضوع الشخصية الأكثر تمثيلاً.
وهذه يجب أن تستكمل بآليات تعاون دائمًا، وليس فقط أن يأتي الأكثر تمثيلاً من دون منافس غيره، بل على العكس، في هذه القاعدة كيفية مشاركة لكل المعنيين بالأمر، كل واحد بالمعايير اللازمة وبحسب خياره، بذلك تكون قد أنجزت المشاركة الفاعلة بالسلطة للمسيحيين.
* مع اعتراضكم على قيام الحكومة بأي عمل قبل البت بأمر التعيينات الذي تطالبون به، هل دخلنا زمن تعطيل عمل الحكومة؟
- من يعطل عمل الحكومة هو من يمنعها من اتخاذ القرارات التي من مسؤوليتها اتخاذها، خاصة مع استحقاقات تعيينات أمنية التي هي المسؤولية الأولى للحكومة. وعندما تكون هناك مواقع أمنية شاغرة أو سوف تشغر، فعلى الحكومة أن تملأها، وإن لم تقم بهذا الواجب، فهذا دليل تقصير وهي تعطل نفسها عن القيام بهذا الأمر.
* هل نحن أمام معادلة شامل روكز لقيادة الجيش أو التعطيل؟ هل أنتم مستعدون لسيناريو الذهاب إلى جلسات مجلس وزراء ثم يقرر الوزراء اختيار شخص آخر؟
- هنا انتقلنا إلى موضوع آخر. هناك شقان للموضوع: الأول، مسؤوليات الحكومة لكي لا تعطل عملها. والشق الثاني، هو «من وكيف». فمن مسؤولية الحكومة احترام الميثاقية التي تقتضي أنه لا يمكن، في كل مرة، تجاهل، رأي المسيحيين، خاصة في موقع المسيحيين، أو الحكم عليهم بأن المراكز الأساسية عندهم لا تمثل بأفضل الناس لديهم.
* هذه المرحلة مَن يحددها؟.. ومن يرسم مَن الأفضل؟
- يرسمها كما بقية الطوائف الأكثر تمثيلاً، كما حصل في كل المواقع، وكما حصل في هذه الحكومة بالذات بمدير عام قوى الأمن الداخلي. عندما استحق تعيين مدير عام قوى الأمن الداخلي في هذه الحكومة، أوقفت الجلسة وتعلقت. وقالوا إن الجلسة لا تمشي إلا عندما يتعين مدير عام لقوى الأمن الداخلي. والسنة هم من اختاروه وقاموا بتعيينه. فهل ناقشهم أحد؟
هناك تأخير سنة و9 أشهر في تعيين قائد جيش، وهذا أمر مستحق للجيش وقيادة الجيش. نحن نقدم أفضل من في الجيش، وإن كان عند أحدهم مشكلة في هذا الأمر، فليقل لنا ذلك. لكن، لا يبقى ممنوع علينا تقديم أفضل من في القضاء، وأفضل من في قوى الأمن، وأفضل من في الجيش، وأفضل من في الإدارة العامة. نحن لسنا محكومين بالعاطلين، بل لدينا أصناف جيدة.
* يعاب على التيار أنه يستعجل الأمور، وهناك وقت حتى سبتمبر (أيلول) لتعيين قائد للجيش؟
- هذا الموضوع تأخر سنة و9 أشهر، وأيلول هو أصلاً تاريخ غير شرعي، من أين أتى هذا التاريخ؟ إذا جاء وزير الدفاع نفسه وعمل قرارًا للتمديد لقائد الجيش إلى 2030، فهل نتعاطى مع الأمر على أنه يستحق تعيين قائد الجيش في 2030 فقط لأن وزيرًا خالف القانون وقام بهذا القرار؟ أين المسؤولية في هذا الكلام؟ هذا ليس فهمًا للقانون والمنطق العام.
* هناك نظرية تقول إن كل رئيس جمهورية جديد يختار قائد الجيش، فلماذا تريد أن تحكم على رئيس جمهورية مقبل بقائد جيش جديد؟
- وقائد قوى الأمن الداخلي لا يحكمه رئيس جمهورية جديد؟ عندما يأتي رئيس جمهورية جديد وحكومة جديدة فما يمنعهم من التغيير؟ ومن قال إن موظفًا في الدولة عندما يتم تعيينه تصبح لديه شرعية الاستمرار. إذا كان قائد الجيش الجديد لا يمكن أن يأتي إلا مع رئيس جمهورية جديد، فهذا الأمر ينطبق على كثير من المواقع في الدولة.
* نحن على مدخل شغور موقع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اليوم، ونحن أمام خيار من اثنين، إما التمديد بقرار من وزير الداخلية أو التعيين في مجلس الوزراء. وبما أنكم ترفضون البحث في أي موضوع آخر، هل ستقبلون تعيين قائد جديد لقوى الأمن الداخلي بدايةً، ولاحقًا قائد الجيش، أم بالتزامن؟
- هناك استحقاقات، ومن الطبيعي أن تعالج المواضيع المستحقة معًا. نحن لا نستعجل الوقت.
* ماذا لو اتخذ وزير الداخلية قرار التمديد؟
- يكون قد قام بمخالفة قانونية جديدة يرغب في وضعها على سجله.
* لكن لا خيار عنده إلا الفراغ أو..!!
- غير صحيح، في الأمن والمؤسسات الأمنية لا يوجد شيء اسمه فراغ، ويمكن أن تلاحظ هذا الأمر في قوانين قوى الأمن. في الجيش أيضًا لا يوجد شيء اسمه فراغ، بل أن يستلم الأعلى رتبة.
* كيف ترى مسار الأمور في الوضع الحالي بالداخل؟ رئيس جمهورية غير موجود، ومجلس نواب وحكومة شبه معطلين، هل نصل إلى دولة كلها معطلة؟
- قلنا إن الدولة لن تسير من دون أن تحترم مكوناتها الرئيسية. في لبنان، الميثاق هو أعلى من كل أمر آخر. وقيمة لبنان هي المشاركة الكاملة بين المسلمين والمسيحيين. دولة تسير من دون حرية واحترام لخصوصيتها الأساسية، معناه لن يبقى لبنان. هذا هو واقع الأمور بكل بساطة ونحن لن نقبل أن نكون أقل بنصف مليمتر من غيرنا.. فليتوقف كل شيء لأن لبنان بمعناه الحقيقي أهم من كل هذا.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.