نزوح 63 ألف عائلة من الفلوجة

«داعش» تسيطر على منطقة استراتيجية في شمال بغداد

دبابات تابعة للجيش العراقي تأخذ مواقعها لمحاصرة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار أول من أمس (رويترز)
دبابات تابعة للجيش العراقي تأخذ مواقعها لمحاصرة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار أول من أمس (رويترز)
TT

نزوح 63 ألف عائلة من الفلوجة

دبابات تابعة للجيش العراقي تأخذ مواقعها لمحاصرة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار أول من أمس (رويترز)
دبابات تابعة للجيش العراقي تأخذ مواقعها لمحاصرة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار أول من أمس (رويترز)

أعرب الممثل الخاص للأمين العام في العراق، نيكولاي ملادينوف أمس الخميس عن قلقه إزاء تدهور الأوضاع في مدينة الفلوجة، داعيا إلى الوحدة والمشاركة السياسية.
وقال ملادينوف، في بيان صادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، «منذ الأيام الأولى من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي تواصل الأمم المتحدة العمل مع الحكومة والسلطات المحلية لتقديم المساعدات للمتضررين من القتال في الأنبار، وعلى الرغم من أن الظروف لا تزال صعبة للغاية، وغالبا ما تكون طرق الوصول مقطوعة بسبب القتال، فسوف نستمر بالتعاون مع السكان الموجودين لتقديم المساعدة إلى المحتاجين».
وأوضح ملادينوف قائلا «أنا أشعر بالقلق بشكل خاص إزاء تدهور الأوضاع بسرعة في الفلوجة حيث حوصر الكثير من السكان بسبب القتال، وتواصل الأمم المتحدة مناشداتها لتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة، كما أن التقارير التي وردت اخيراً والتي تفيد بأن مستشفى الفلوجة العام قد استخدم كمقر للجماعات المسلحة وأضحى عرضة للقصف جراء ذلك أمر مقلق أيضا. ينبغي على الجميع حماية المستشفيات والمرافق الطبية». وأكد ملادينوف دعوته للتوصل إلى حل سياسي للأزمة والذي من شأنه أن يسمح لجميع العراقيين «بالتوحد ضد الإرهاب الذي يؤثر على جميع شرائح المجتمع».
وخلص إلى القول «إنني أدعو جميع الأطراف لمعالجة أسباب العنف من خلال الحوار والعملية السياسية والمساعدة في إعادة بناء الأنبار».
وحسب البيان الذي نقلته وكالة الأنباء الألمانية، فمنذ بدء القتال في محافظة الأنبار تم تسجيل أكثر من 63 ألف أسرة نازحة داخليا، وعلى الرغم من أن الكثير من هذه الأسر قد لجأت إلى أجزاء أخرى من البلاد، بما في ذلك إلى محافظات كربلاء وبغداد وأربيل، وآثر الآخرون البقاء في مجتمعات نائية حفاظا على سلامتهم في محافظة الأنبار أو أنهم أضحوا غير قادرين على الفرار من القتال. ولا تزال حالتهم غير مستقرة مع نفاد مخزون الغذاء والمياه الصالحة للشرب وسوء الصرف الصحي ومحدودية فرص الحصول على الرعاية الصحية.
وقال البيان إنه وفي عملية إغاثة مشتركة لمساعدة استجابة الحكومة للأزمة، وزعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى الآن ما يقرب من 453.‏2 سلة مواد إغاثة أساسية وقام صندوق الأمم المتحدة للطفولة بتوزيع نحو 500.‏11 من مستلزمات النظافة الصحية والإمدادات المتنوعة لتوفير المياه والصرف الصحي، وسلم برنامج الأغذية العالمي 650.‏4 سلة مواد غذائية ووزعت المنظمة الدولية للهجرة 415.‏1 سلة من المواد غير الغذائية، ووزعت منظمة الصحة العالمية مجموعتين من مستلزمات التدخل الجراحي تكفي لمعالجة 1000 مستفيد ومستلزمات طبية لنحو 10 آلاف مستفيد.

وفي نفس السياق، سيطر عشرات المسلحين المناهضين للحكومة العراقية، منذ فجر أمس، على أجزاء من ناحية سليمان بك التابعة لقضاء طوزخرماتو التي تتبع أيضا محافظة صلاح الدين الواقعة على بعد نحو 150 كم إلى الشمال من بغداد، حيث انتشروا في الكثير من الأحياء وثبتوا أنفسهم فيها.
وقال شلال عبدول قائمقام قضاء طوزخرماتو (175 كلم شمال بغداد) في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أمس «بأن عددا كبيرا من المسلحين سيطروا على بعض المناطق والأحياء والأزقة التابعة لناحية سليمان بك» نافيا «سقوط قتلى في صفوف الجيش العراقي».
وأضاف قائمقام طوزخرماتو قائلا: «نحن على اتصال مستمر مع مدير ناحية (سليمان بك) للوقوف على آخر الأخبار والتطورات التي تصاحب سيطرة المسلحين على بعض الأماكن من ناحية سليمان بك»، مشيرا إلى أن هناك بعض الجرحى في صفوف الجيش والشرطة العراقية «نتيجة لإطلاق قذيفة هاون على المناطق التي تتمركز فيها قوات الجيش والشرطة العراقية».
وأوضح عبدول قائلا لوكالة الصحافة الفرنسية قائلا: «انتشر عشرات المسلحين من تنظيم داعش في ثلاث قرى واقعة غرب الناحية وأحياء أخرى بجانبها الغربي». وذكر أن «قوات الجيش والشرطة تتمركز في الأبنية الحكومية الواقعة في شرق الناحية حيث تدور اشتباكات متقطعة من دون أن يكون هناك حسم للموقف»، لافتا إلى إصابة عنصرين من الشرطة بجروح.
وقال مدير ناحية (سليمان بك) طالب البياتي بأن «مسلحين من (القاعدة) وداعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) سيطروا فجر اليوم (أمس) على مركز الناحية» بعد مهاجمة نقاط سيطرة للقوات الأمنية العراقية. وأضاف أن بعض المسلحين الذين يحملون أسلحة خفيفة ومتوسطة «توجهوا إلى المساجد حيث بدأوا بالتكبير ودعوة الأهالي لترك منازلهم»، مشيرا إلى أن الجيش «يطوق الناحية والمروحيات تحوم فوقها».
وكانت ناحية سليمان بك الواقعة على الطريق الرئيسي الذي يربط بغداد بشمال البلاد، قد سقطت في أيدي مجموعات من المسلحين المناهضين للحكومة في أبريل (نيسان) الماضي لعدة أيام، قبل أن تستعيد القوات الحكومية السيطرة عليها. وفي 25 يوليو (تموز) الماضي، أعدمت مجموعة مسلحة 14 سائق آلية نقل من الشيعة قرب سليمان بك على خلفية طائفية.
وأوضح مسؤولون أمنيون ومحليون حينها لوكالة الصحافة الفرنسية أن المجموعة المسلحة المكونة من 40 شخصا أقامت حاجز تفتيش وهميا، حيث عمدت إلى القبض على سائقي الشاحنات التي كانت تعبر الطريق السريع بين بغداد وإقليم كردستان: «فأطلقت سراح السنة منهم وأعدمت الشيعة».
وتأتي سيطرة المسلحين مجددا على ناحية سليمان بك التي تحظى بموقع جغرافي استراتيجي في وقت لا تزال مدينة الفلوجة (60 كلم غرب بغداد) وبعض مناطق الرمادي (100 كلم غرب بغداد) تخضع لسيطرة مسلحين مناهضين للحكومة أيضا.
وقال شهود عيان في الفلوجة لوكالة الصحافة الفرنسية أمس بأن مسلحين هاجموا رتلا للجيش العراقي شمال المدينة كان يمر على الطريق السريع، فيما تواصل القصف العسكري على بعض الأحياء، بعد يوم تخلله قصف مماثل أسفر عن إصابة 19 شخصا بجروح بحسب مصادر طبية.
وتتسبب الاشتباكات في الرمادي والفلوجة والقصف العسكري بنزوح مئات الآلاف من محافظة الأنبار التي تسكنها غالبية سنية وتضم هاتين المدينتين.
وقد أعلنت الأمم المتحدة أمس أن 63 ألف عائلة نزحت حتى الآن نحو محافظات أخرى بسبب أعمال العنف هذه، ما يعني بأن العدد الإجمالي لهؤلاء النازحين بات أكثر من 370 ألف شخص، وسط حصار أمني مفروض على الفلوجة.
في موازاة ذلك، نشرت مواقع تعنى بأخبار الجماعات الجهادية بينها «حنين» خبر مقتل أبو عبد الرحمن الكويتي في معارك في الرمادي، مشيرة إلى أنه أمير أعزاز في سوريا وإلى أنه انتقل إلى العراق منذ شهر.
وأضافت أنه كان في ضيافة «القائد العسكري لعمليات الرمادي» في تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» شاكر وهيب.
وفي كركوك (240 كلم شمال بغداد)، أفاد مصدر أمني في قيادة الفرقة الثانية عشرة عن مقتل آمر فوج وأحد الضباط وإصابة ستة عسكريين آخرين بينهم ضباط ومنتسبون في انفجار عبوة ناسفة. كما قتل جندي وأصيب آخر باشتباكات مسلحة وعمليات أمنية غرب كركوك، وقتل أيضا جندي وأحد أفراد الصحوة في هجوم مسلح آخر في المحافظة.
وهاجم مسلحون سيارة في الموصل (350 كلم شمال بغداد) تقل شرطيا ومدنيا ما أدى إلى مقتلهما، بينما قتل مدني في هجوم مسلح في شرق المدينة، وفقا لمصادر أمنية وطبية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.