أيام لا تنسى على خط النار

لم أتردد في تلبية نداء الواجب الإعلامي

مراسل «الشرق الأوسط» محمد العايض على الخطوط الأمامية للحدود السعودية اليمنية («الشرق الأوسط»)
مراسل «الشرق الأوسط» محمد العايض على الخطوط الأمامية للحدود السعودية اليمنية («الشرق الأوسط»)
TT

أيام لا تنسى على خط النار

مراسل «الشرق الأوسط» محمد العايض على الخطوط الأمامية للحدود السعودية اليمنية («الشرق الأوسط»)
مراسل «الشرق الأوسط» محمد العايض على الخطوط الأمامية للحدود السعودية اليمنية («الشرق الأوسط»)

لولا أنها حرب؛ لقلت الله! ما أجملها من تجربة يا ليتها تعود مرة أخرى؛ لأستمتع بمغامراتها الصحافية وجولاتها الحربية. عملية «عاصفة الحزم»، التي شاركت في تغطيتها إعلاميا لصالح صحيفة «الشرق الأوسط»، مندوبا لها في الخطوط الأمامية وعلى خط النار فيما بين الحدود السعودية اليمنية، هي تجربة فريدة لا يمكن نسيانها، بما فيها من لحظات عصيبة متضاربة. فمشاعر التوجس والقلق من أصوات المدافع وأزير الطائرات، اختلطت مع عاطفة الحزن والألم على قتلى أبرياء من اليمنيين على يد المتمردين الحوثيين في اليمن ومن يدعهم من قوات المخلوع صالح.
العملية الحربية التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تجاوبا مع استغاثة الشعب اليمني وحكومته، لم تكن فرصة سانحة لي كإعلامي سعودي للوقوف في جبهات القتال وميادين الحرب فحسب، بل كانت أيضا فرصة لا تقدر بثمن للإعلام الدولي بمختلف جنسياته وميوله، وخصوصا الغربي منه. يأتي ذلك الانطباع في ظل أن الحروب ليست كرنفالات سنوية، وليست احتفالات متكررة، يستطيع الإعلامي تعويض غيابه عن دورة منها بحضور أخرى، وإنما أحداث انفجارية فجائية دون سابق إنذار في أحيان كثيرة.
الحروب التي ندعو ألا تتكرر، مناسبات استثنائية ووجود الإعلامي بها حدث فريد بالغ الأهمية بالنسبة له؛ لذلك يضع (جنود) الإعلام على مستوى العالم أرواحهم فداء للمشاركة بها، ولنا في الصحافية الأميركية ماري كولفين التي كانت تعمل لحساب صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية على مدى عقدين من الزمن، وضحت بعينها اليمنى خلال تغطيتها لأحداث في سيرلانكا عام 2001، ولم يزدها ذلك إلا إصرارًا على المشاركة في تغطيات مواقع الصراعات والنزاعات، قبل أن تضحي بجسدها كله في فبراير (شباط) عام 2012 خلال قصف الجيش السوري على مدينة حمص. وغير ماري الكثير، رأيت منهم عدة أثناء جولتي على الشريط الحدودي السعودي اليمني بداية من منطقة جازان ومرورا بمنطقة عسير وانتهاء بمنطقة نجران.
تكليفي بالمهمة على خط النار أتاني بغتة باتصال من مدير التحرير، كما باغتت في ليل عملية (عاصفة الحزم)، وقوات التحالف بقيادة السعودية ميلشيات الحوثية وصالح، بغارات جوية مدمرة. لم تزد إجابتي لتلبية نداء الواجب الإعلامي. وتحتم علي إثر ذلك أن أصنع في مخيلتي خريطة ذهنية رئيسية على أساسها أتحرك في مهمتي، فوضعت نصب عيني نقل صورة الأحداث الحالية على الحدود فيما يتعلق بالجانب العسكري فحسب، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وتقنين الجوانب الأخرى المتعلقة بالاستعدادات الأمنية أو المدنية الأخرى داخل المناطق كونها جوانب تقليدية. وفي الجانب الكتابي أو التحريري، كنت أميل كثيرا لكتابة التقارير؛ لإيماني أنها قصة الخبر، معتمدا على السؤال ماذا حدث؟ لتأتي إجاباته وصف وتفصيل الأحداث من على خط النار على شكل تقارير يومية.
وجود وسائل إعلام أخرى أسرع في النقل كالتلفاز والإذاعة والصحف الإلكترونية، لم يقلل ثقتي في قدرة «الشرق الأوسط» على المنافسة وربما التميز؛ ليقيني أن الصحافة الورقية ستظل تحتفظ بميزة التفاصيل، تميزها عن غيرها، وأعني بذلك مهمة (تفسير) الأحداث التي تجيدها الصحف الورقية أكثر من غيرها، وما يؤكد ذلك أن المتلقي رغم معرفته بالأخبار سلفا من وسائل الإعلام الأخرى إلا أنه يحرص كثيرا على العودة مجددا للصحيفة الورقية للبحث عن إجابات تفسيرية للأسئلة التي تدور في ذهنه، وغالبا ما تنجح الصحف الورقية في تحقيق مبتغى قرائها. بعد وضع هذه اللبنة من الأفكار والخرائط الذهنية كتوطئة ومدخل لي، بدأ عملي الميداني من على خط النار.
بدأت مهمتي الأولى بزيارة ميدانية إلى جبل دخان بمنطقة جازان الذي يبلغ ارتفاعه 500 متر ويطل على القرى اليمنية. قبل وصولنا حرصت القوات السعودية على أخذ بعض الإجراءات الاحترازية، لكن هذه الاحتياطات دبت الرعب في قلوب أعضاء البعثة الإعلامية التي شملتني ومراسلين أميركيين يعملان لصالح قناة الـ«بي بي سي» البريطانية. في البداية أشار الضابط المرافق إلى أننا سنصعد عربات مصفحة تحسبا لأي طلق ناري من الجوار اليمني الذي لا يفصلنا عنه سوى مئات الأمتار، في الوقت الذي ألزمنا فيها بلبس خوذة لوقاية الرأس، وواقي جسم يزن قرابة 5 كلم، كل تلك الاحترازات، أعطت إيحاءات بأن الوضع محفوف بالمخاطر، خصوصا وأننا كنا نشاهد بالمناظير تحركات عدد من أفراد المتمردين الحوثيين في قرية صعدة اليمنية التي ينتمون لها.
ممثلو وسائل الإعلام الغربي رغم الحذر المخيم عليهم - كونها، أولا وأخيرا، حربًا - كان الحماس يكسوهم وهم يتنقلون في الأماكن الوعرة في المناطق الحدودية في جنوب السعودية، كما هو الحال مع جبال فيفا في منطقة جازان. أتذكر الصحافية الفرنسية كلارونس رودريغيز مراسلة قناة «فرانس 24» التي كانت لافتة بمنظرها وهي تتنقل بخفة بين المواقع، بل عندما اضطررنا للسير قرابة 30 دقيقة وسط مناطق رملية قريبة من صحراء الربع الخالي في قطاع خباش الحدودي بمنطقة نجران، كانت من الأوائل الذين قبلوا بالتحرك سيرا على الأقدام، وفق احتياطات أمنية أشار لها أفراد القوات البرية لنا ونحن هناك. ورغم حماسها الكبير أسرّت كلارونس أن لحظات الرعب مرت عليها في أكثر من موقع أثناء الجولات الميدانية، كما هو الحال مع عدد من نظرائها الغربيين من مراسلي الصحف والقنوات الحاضرين للتغطية.
وبدا ذلك واضحا على الجميع أثناء وجودنا وقت إطلاق المدفعية السعودية لصواريخ على أهداف حوثية حاولت الاقتراب من الحدود السعودية، وعلى أثر قوة المدافع انفجر الكيس الهوائي في إحدى العربات المقلة للإعلاميين على أحد الموجودين بها ليتعرض على أثرها لبعض الإصابات، ليدب القلق في نفوس الجميع. في ذلك الموقف وغيره من رحلتي في الخطوط الأمامية على الحدود السعودية اليمنية شعرت أنها الوهلة الأولى التي تعلمت وسمعت فيها بعبارات تتحدث عن الصحافة على غرار (مهنة المتاعب، السلطة الرابعة وغيرها).
من المواقف والقصص المتفرقة التي ستظل عالقة في ذهني القصة المؤلمة التي نشرناها من على منفذ الطوال الحدودي لمواطن مصري، قتل الحوثيون شقيقه، وطلبه منه اتهام قوات التحالف بجريمة القتل، من خلال تسجيل تلفزيوني بعد أن أخذوا منه مبلغا من المال مقابل تسليم جثة شقيقه دون كفن أو نعش، وانتظرنا على الحدود مع شقيق الضحية قرابة 15 ساعة قبل دخوله المنفذ ومن ثم مستشفى الطوال. ولا أنسى أيضا رحلتي مع القوات البحرية لجزيرة العاشق السعودية وكيف يبقى الجنود السعوديون أمام مرمى النيران لأسابيع بعيدا عن أسرهم، في سبيل حماية أمن بلدهم، ومساعدة أشقائهم في اليمن. أما عن الحرب المتكاملة العدة والعتاد فقد سنحت الفرصة لـ«الشرق الأوسط» كصحيفة وحيدة بدخول تدريب «الصمصام 5» الذي يجمع الجيش السعودي بنظيره الباكستاني، وشاركت فيه أجهزة عسكرية متنوعة ومعدات متنوعة طائرات أباتشي ودبابات وعربات ورأيت القصف بأنواع مختلفة من الأسلحة، فتمثل أمامي المعنى المرعب للحرب، وهي مواقف سبق وأن تكررت كما حدث أثناء مشاهدتي لأرتال القوات البرية السعودية، وهي في اتجاهها للحد الجنوبي لإغاثة اليمنيين وتأمين المواقع على الحدود، كل تلك التجربة جعلتني أخرج بقناعة بأن الصحافيين جنود أكفانهم بين يديهم؛ كون الحرب ليست بالسلاح الحي، وإنما بسلاح القلم أيضا، ولذلك هناك ضرورة ملحة لتأهيل مزيد من المراسلين الحربيين، فلا أحد يعلم ما نحن مقبلون عليه في منطقة الشرق الأوسط الأكثر التهابا.



«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.


ما هي تأثيرات إطلاق «ميتا» لـ«إنستانتس» على «سناب شات»؟

ما هي تأثيرات إطلاق «ميتا» لـ«إنستانتس» على «سناب شات»؟
TT

ما هي تأثيرات إطلاق «ميتا» لـ«إنستانتس» على «سناب شات»؟

ما هي تأثيرات إطلاق «ميتا» لـ«إنستانتس» على «سناب شات»؟

في خطوة جديدة لتعزيز نفوذها في سوق التواصل الاجتماعي، أعلنت شركة «ميتا» إطلاق تطبيقها الجديد «إنستانتس»، وهو تطبيق مستقل مشتق من منصة «إنستغرام»، ويهدف إلى «تمكين المستخدمين من مشاركة صور مؤقتة تختفي فور رؤيتها»، في محاولة مباشرة لاستقطاب فئة الشباب. في حين دفع إطلاق «إنستانتس» إلى تساؤلات حول تأثير ذلك على تطبيق «سناب شات».

كانت «ميتا» قد أعلنت نهاية أبريل (نيسان) الماضي أنها ستتيح للمستخدمين تجارب عفوية من خلال التطبيق الجديد الذي يحمل شعار «حياة واقعية، بسرعة واقعية»، وهو أسلوب يحاكي تماماً تجربة «سناب شات».

ويُعد «إنستانتس» في جوهره نسخة مُعاد تسميتها من ميزة «شوتس»، التي اختبرتها شركة «ميتا» داخل منصة «إنستغرام» العام الماضي، وفيها ركزت على «مشاركة المحتوى العفوي وغير المحرر». وتعتمد واجهة التطبيق على الكاميرا بشكل مباشر، ما يعزز فكرة «المشاركة الفورية» التي يفضّلها جيل الشباب، بعيداً عن الصور المرتّبة والمعدّلة التي تميّز الأسلوب الرئيس في «إنستغرام».

مهران الكيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، يرى أن توجه «ميتا» نحو التطبيقات المنسوخة يعود لعدة أسباب: الأول أن الشركة لا تريد أن تصبح في يوم من الأيام خلف السوق كما حدث تاريخياً مع شركات كبرى مثل «نوكيا». والثاني هو توفير تكلفة البحث والتطوير لمنتجات جديدة؛ لأن تكلفة نسخ فكرة جاهزة توفر أموالاً طائلة يُجرى صرفها في البحث والتطوير.

وأردف الكيالي لـ«الشرق الأوسط» أن «ميتا» تحاول توفير الحلول كافة لمستخدميها كي تمنع انتقالهم إلى منصات منافسة، وأكد أن «(ميتا) تشير بقرارها هذا إلى أن لديها قاعدة بيانات ضخمة، وهي على رأس هرم لأي مشروع ديجيتال، لكن إقناع هؤلاء المستخدمين بالحضور على المنصة الجديدة ليس بالأمر السهل أبداً». ودلل على هذا الرأي بتجربة «ثريدز»، قائلاً: «أطلقت (ميتا) تطبيق (ثريدز) عام 2023 لمنافسة (إكس)، لكن إلى الآن لم يثبت نجاحه».

وحول ما يتعلق بتهديد «سناب شات»، قال الكيالي إن «الموضوع ليس بهذه السهولة، فمثل هذه الشركات الكبرى لا تسقطها المنافسة، بل تسقطها القضايا والانتهاكات أو القوانين». وللعلم، لا يمكن فصل إطلاق «إنستانتس» عن تاريخ الخصومة بين «ميتا» و«سناب شات»، وتعود الجذور إلى عام 2013 حين رفض الرئيس التنفيذي لـ«سناب شات»، إيفان شبيغل، عرض «ميتا» للاستحواذ بقيمة 3 مليارات دولار، كما ورد في صحيفة «الغارديان» البريطانية.

الكيالي قال إن المسار الذي تتبعه «ميتا» يمكن تفسيره في إطار المنافسة المنطقية لأي من الشركات التي تملك منصات تواصل اجتماعي، وأضاف أن «متوسط عدد المنصّات التي يتعامل معها الفرد عالمياً هي 7، ولكل منصة من هذه المنصات شيء مميّز، ومن ثم فالمنافسة ستظل محركاً دائماً للسوق».

من جهة ثانية، أفاد محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، بأن «ميتا» لا تربط، بالضرورة، النجاح مع الابتكار بقدر ما تربطه بالقدرة على الهيمنة وتطويع سلوك المستخدم.

وتابع عاطف أنه «على مدار السنوات الماضية أثبتت (ميتا) أن الابتكار ليس شرطاً للهيمنة؛ ذلك أنه عندما أضاف (إنستغرام) خاصية القصص، لم يكن الهدف مجرد تقليد، بل إعادة تقديم الفكرة داخل منظومة تضم مليارات المستخدمين».

وأضاف: «هذا النهج حقق نجاحاً واضحاً في بعض الحالات، لكنه في المقابل ليس ضماناً دائماً؛ لأن المستخدم أصبح أكثر وعياً... وتكرار التجارب يؤدي إلى حالة من التشبع، خاصة إذا لم يقدم التطبيق الجديد قيمة مضافة حقيقية».

وأوضح عاطف، من ثم، أن إطلاق «ثريدز» كان اختباراً حقيقياً لهذه الاستراتيجية، مضيفاً: «التطبيق حقق انطلاقة قوية بالفعل، وتمكن من الاستفادة من قاعدة مستخدمي (إنستغرام)، لكنه سرعان ما واجه تراجعاً ملحوظاً في معدلات الاستخدام بعد ذلك. وعلى الرغم من التحسينات المستمرة من قبل (ميتا) على المنصة الجديدة، لا يزال التحدي الأساسي أمام (ثريدز) هو بناء هوية مستقلة قادرة على منافسة (إكس)، وليس فقط الاعتماد على قوة التوزيع المعتمدة على (إنستغرام)».

حول أهداف «ميتا» البعيدة المدى، يعتقد محمد عاطف أن «(ميتا) لا تتنافس على مستوى التطبيقات بقدر ما تتنافس على زمن المستخدم، فكل تطبيق أو خاصية جديدة هي محاولة لاحتواء سلوك معين داخل منصاتها بدلاً من انتقاله إلى المنافسين».

وبالنسبة للمنافسة مع «سناب شات»، قال إنها لن تكون مضمونة؛ لأن «قوة (سناب شات) لا تكمن فقط في فكرة المحتوى المؤقت، بل أيضاً في ارتباطه العاطفي بالمستخدمين، خصوصاً من جيل الشباب، واعتياد المستخدمين عليه كمنصة تواصل يومي، والأهم طبيعته المختلفة عن بقية الشبكات الاجتماعية. وفي المقابل تمتلك (ميتا) أدوات قوية، أهمها قاعدة مستخدمين ضخمة، وقدرة عالية على الدمج بين التطبيقات، وخبرة في تحسين التجارب بناءً على البيانات».

مع ذلك يظل التحدي قائماً أمام «إنستانتس» لبناء هوية مستقلة. ولذا فهو يتوقع «نجاح التطبيق الجديد في اقتطاع جزء من وقت المستخدم، لكنه لن يكون كافياً لإزاحة (سناب شات) بسهولة، إلا إذا استطاع تقديم سبب حقيقي يدفع المستخدم لتغيير عاداته اليومية».


«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.