«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

بروفسور أميركي يقيس 150 من عناصر جسده يوميًا على مدى 15 سنة

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
TT

«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي

منذ اللحظة التي يصحو فيها من النوم صباحًا كل يوم، وعلى امتداد يومه حتى الليل، تدور حياة لاري سمار حول سلسلة من الأرقام: معدل قلب هادئ يبلغ 40 نبضة في الدقيقة، وضغط دم 130-70 (ملم زئبق)، ومستوى ضغط عصبي (أي توتر) يبلغ 2 في المائة، 191 رطلا، 8000 خطوة تم قطعها، 15 طابقًا قطعت صعودًا، و8 ساعات نوم.
وقد يجعل هذا من سمار، العالم المتخصص في الكومبيوتر، أكثر إنسان على وجه الأرض يجري قياسه. وعلى امتداد 15 عامًا، أبدى البروفسور الذي يعمل في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ولعه بما وصفه بأنه أكثر الموضوعات التي عايشها تعقيدًا: جسده!

* عناصر قياس
يحتفظ سمار بمقاييس لأكثر من 150 من العناصر، بعضها يتولى قياسه باستمرار فورًا، مثل نبضات القلب والحركة، وما إذا كان واقفًا أو جالسًا أو مستلقيًا على ظهره، باستخدام جهاز لا سلكي مرتبط بالحزام الذي يرتديه. بينما يتابع قياسات أخرى، مثل وزنه، بصورة يومية. وهناك عناصر لا يقيسها إلا مرة كل شهر، مثل ما يتعلق بالدم والبكتريا الموجودة في أمعائه.
ويقارن سمار بين الأسلوب الذي يتعامل به مع جسده بالأفراد الذين يتولون مراقبة سياراتهم وصيانتها. وعن ذلك، قال: «نحن نعلم على وجه التحديد حجم الوقود في السيارة، ودرجة حرارة المحرك، والسرعة التي نسير بها. وعليه، فإن ما أقوم به هو وضع رسم بياني لجسدي».
في وقت مضى، ذاع صيت سمار باعتباره رئيس مختبر بحثي تولى مارك أندريسين داخله تطوير متصفح الإنترنت للشبكة العنكبوتية مطلع تسعينات القرن الماضي. أما اليوم، فمن المحتمل أن يتحول سمار، 66 عامًا، لزعيم حركة عالمية بين الأشخاص العاديين لـ«قياس» أنفسهم باستخدام أجهزة تعنى باللياقة البدنية ومعدات طبية وكاميرات يمكن ارتداؤها، بجانب الاختبارات المختبرية التقليدية والأخرى التي تجري داخل المنزل - كل ذلك بهدف إيجاد سبل للحفاظ على أجسادهم وعقولهم لمعاونتها على العيش حياة أطول وأكثر صحة - وربما اكتشاف بعض الحقائق المهمة عن أنفسهم وهدفهم في الحياة.

* ثورة رقمية
ويأتي هذا الانتشار الواسع في القياس الدؤوب لمختلف وظائف الجسم كجزء من ثورة رقمية بمجال الرعاية الصحية بقيادة الخبراء التقنيين الذين ابتكروا نظما خاصة بشركات «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«صن».. وباستخدام رقائق وقاعدة بيانات ورياضيات خوارزمية نجحت في إجراء ثورة معلوماتية على امتداد العقود القليلة الماضية، يحاول هؤلاء حاليًا إعادة بناء وتحفيز وبرمجة الجسد البشري.
وفي خضم مجمل البيانات التي يجري جمعها من ملايين أجهزة التتبع الشخصية، تظهر أنماط قد تكشف النقاب عن العناصر الموجودة في الأنظمة الغذائية وأنظمة إنقاص الوزن والبيئة المحيطة بالإنسان، التي ربما تسهم في حدوث الأمراض.
والتساؤل القائم الآن: إن كان بالإمكان استخدام أنماط النشاط البدني في تتبع صحة القلب لدى الأفراد فحسب، فهل يمكن استخدامها أيضًا في توجيه القرارات المتعلقة بالمكان الأمثل لبناء متنزه عمومي وكيفية تحسين بيئة العمل؟ وهل يمكن للمعنيين بمسألة التتبع العثور على تجمعات سرطانية أو قنوات مائية ملوثة؟ وعلى سبيل المثال، يستخدم مشروع رائد في لويزيانا مشتقات مزودة بأجهزة استشعار لتحديد بؤر تمركز الربو داخل المدينة.
من جهته، قال فينود كوسلا، أحد مؤسسي «صن» والمستثمر في عدد من الشركات الناشئة المعنية بأجهزة متنقلة لمتابعة الحالة الصحية، خلال مقابلة أجريت معه، إنه: «لدينا المزيد والمزيد من الأجهزة المعقدة التي يمكن ارتداؤها والتي بمقدورها باستمرار قياس عناصر تتنوع بين نشاطاتك البدنية ومستويات التوتر والحالة الانفعالية، ويمكننا البدء في تفحص وتفهم كيف يؤثر كل جانب من حياتنا، بوعي منا أو غير وعي، على جانب آخر».

* دراسات شخصية
ولا تعد فكرة أن البيانات تمثل سبيلاً لتفهم الذات بالأمر الجديد، فمنذ أكثر من 200 عام ماضية، عكف بنجامين فرانكلين على تتبع 13 فضيلة شخصية عبر مفكرة يومية بهدف تطوير الجانب الأخلاقي في شخصيته. ومن شأن توافر تقنيات رخيصة التكلفة وما يصاحبها من مجموعة كبيرة من التطبيقات، السماح لأعداد متزايدة من الأميركيين بتتبع تفاصيل حياتهم الدقيقة على نحو غير مسبوق.
من جهته، قضى جيمس نوريس، في الثلاثينات من عمره ويعمل مقاولا في أوكلاند بكاليفورنيا، السنوات الـ15 الأخيرة في تتبع وتحليل تجاربه الأولى - بداية من أول قبلة في حياته إلى أول مرة يرى فيها ألعابا نارية. أما لوري فريك، 59 عامًا، وهي فنانة، فقد حولت أنماط نومها وحركتها إلى مؤثرات بصرية ملونة مصنوعة من الورق والخشب.
كما حرص نيكولاس فلتون، 37 عامًا، العالم المتخصص في شؤون البيانات في بروكلين، على نشر تقرير سنوي بخصوص كل رسالة نصية أو عبر «تويتر» أو «فيسبوك» والبريد الإلكتروني يبعث بها. ويتابع أكثر من 30.300 شخص عبر «تويتر»، حياته.
أما أكثر الأشخاص تطرفًا في متابعتهم لحياتهم فهم فأولئك الذين يرتدون كاميرات لمدة 24 ساعة يوميًا وطيلة أيام الأسبوع، ويسجلون كل فكرة جديدة تطرأ على أذهانهم، علاوة على تسجيل نشاطاتهم اليومية بالتفصيل الدقيق. ويرمي هؤلاء لبناء مجموعة من المعلومات تمثل امتدادًا لذكرياتهم.
حتى الرئيس أوباما يرتدي سوار «فتبيت سيرج» Fitbit Surge حول معصمه الأيسر، الذي يراقب نبضات القلب وحالة الجسم أثناء النوم وموقع الشخص، مثلما كشفت صورة التقطت له في مارس (آذار) الماضي.

* أدوات رصد
من جهتها، تستجيب شركات التقنية بحماس للرغبة الإنسانية في الوصول للمثالية عبر اختراع مزيد من الأجهزة التي يمكنها جمع مزيد من البيانات والتي تعتبرها الشركات الكبرى العاملة بمجال التقنية بمثابة منجم ذهب حقيقي.
جدير بالذكر أنه خلال معرض الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية لعام 2015 الذي أقيم في يناير (كانون الثاني)، كان من بين المعروضات الجديدة زجاجة لطفل وليد تقيس قيمة المدخلات الغذائية لجسده، وشريط يقيس مدى ارتفاع القفزة التي قمت بها، وملابس «ذكية» مرتبطة بأجهزة رصد للأدخنة.
من جانبها، تعكف شركة «غوغل» على صناعة عدسات ذكية تقيس مستوى الغلوكوز في الدموع. أما «أبل ووتش» فأنتجت جهازا لمراقبة نبضات القلب أثناء الحركة والتدريبات الرياضية والوقوف. كما تقدمت الشركة بطلب الحصول على براءة اختراع لتحديث سماعات الأذن الدقيقة التي يتم ارتداؤها داخل الأذن التي اخترعتها بحيث تقيس مستوى الأكسجين في الدم ودرجة حرارة الجسم.
وتأمل الشركات أن تتمكن في المستقبل القريب من تقوية أجهزة التتبع تلك بإضافة أجهزة جديدة تقيس وظائف الجسم الحيوية من الداخل عبر رقائق يمكن بلعها، أو تسبح مع تيار الدم.

* خرق الخصوصية
على الجانب الآخر، ينتقد بعض الأطباء والأكاديميين والمهتمين بالأخلاق مثل هذه الأجهزة باعتبارها دليلاً على نرجسية العصر التكنولوجي، وعنصرًا يثير تساؤلات خطيرة بخصوص دقة وخصوصية البيانات الصحية التي يجري تجميعها ومن يمتلكها وكيف ينبغي استغلالها. كما أن هناك قلقا بشأن انتشار مثل تلك الأجهزة وإمكانية استغلال الحكومة لها في مراقبة المواطنين، مثلما حدث بين شركات الأجهزة النقالة ووكالة الأمن الوطني.
ويشير النقاد للضجة الكبيرة التي حدثت عام 2011 عندما لاحظ بعض مستخدمي أجهزة «فتبيت» المزودة بأجهزة استشعار معنية بالتدريبات الرياضية، أن نشاطاتهم الجنسية يجري نشر البيانات المتعلقة بها علانية.
ويساور القلق البعض من أن مثل هذه الأجهزة الإلكترونية التي يجري ارتداؤها ستستخدم بمثابة «صندوق أسود» لجسم الإنسان في إطار قضايا قانونية. يذكر أنه منذ 3 سنوات، عندما صدم قائد دراجة في سان فرانسيسكو شخصًا من المشاة يبلغ عمره 71 عامًا وقتله، حصل المدعون على بياناته من «سترافا»، وهو جهاز تتبع لمستوى اللياقة يستخدم خاصية نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، لإظهار أنه كان يقود الدراجة بسرعة كبيرة واخترق الكثير من العلامات التي تطالب بالتوقف قبل أن يقع الحادث. وأخيرا، تحاول شركة محاماة استخدام بيانات من «فتبيت» كدليل على إصابات تعرض لها أحد العملاء في حادث تصادم سيارة.
ومن بين الأجهزة الأكثر تعقيدًا التي يجري تطويرها، تطبيق على الهاتف الذكي يحلل صوت الشخص للتنبؤ بدخوله حالة من الجنون، وأجهزة يمكن حقنها أو زرعها في الجسم لإجراء اختبارات للدم، ما يحمل فوائد طبية كبيرة، لكن في الوقت ذاته مخاطر أكبر.
في هذا الصدد، أوضح ديس سبنس، وهو طبيب إنجليزي، أن المراقبة غير الضرورية للوظائف الحيوية تثير قدرًا هائلاً من القلق بين المهووسين بمتابعة الحالة الصحية الذاتية ممن لا يتمتعون بأجسام صحية. وفي مقال له نشرته «بريتيش ميديكال جورنال» في أبريل (نيسان) الماضي، قال: إن الصحة واللياقة البدنية تحولا إلى بدعة اجتماعية جديدة، ما يخلق جيلاً مفرطا في القلق.
وأوضحت ديبورا إسترين، بروفسورة علوم الكومبيوتر والصحة العامة في جامعة كورنيل، أن: «الحصول على البيانات أيسر كثيرًا من الاستفادة منها».
وأضافت أن قياس معدل نبضات القلب باستمرار قد يكون مفيدًا لشخص يشارك بقوة في نشاط رياضي أو يواجه مخاطر التعرض لأزمة قلبية: «لكن من غير الواضح مدى أهمية ذلك ومعناه للشخص العادي».
وتشير إسترين وخبراء آخرون إلى أن الجنس البشري عاش قرابة 130 ألف عام من دون هذه التقنيات لأن الجسم البشري به بالفعل عدد من أنظمة الإنذار بداخله، فأي أم اعتادت الاستيقاظ في قلب الليل على صوت بكاء طفلها بمقدورها بلمسة من ظهر يديها على الجبهة، التعرف بسرعة ودقة على وجود حمى لديه مثلا!

* خدمة «واشنطن بوست»
ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟