جون راي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم الكلاسيكية العصرية

مصمم دار «دانهيل» البريطاني يتوجه بتصاميمه إلى «جنتلمان» مثله ويحرص على {الذكورية}

الجديد الذي أدخله جون راي أنه نعم الأكتاف وحدد الخصر من دون أن يشده حتى يبقى التفصيل بريطانيًا... قد تختلف التفاصيل لكن الأساسيات الكلاسيكية لا تتغير
الجديد الذي أدخله جون راي أنه نعم الأكتاف وحدد الخصر من دون أن يشده حتى يبقى التفصيل بريطانيًا... قد تختلف التفاصيل لكن الأساسيات الكلاسيكية لا تتغير
TT

جون راي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم الكلاسيكية العصرية

الجديد الذي أدخله جون راي أنه نعم الأكتاف وحدد الخصر من دون أن يشده حتى يبقى التفصيل بريطانيًا... قد تختلف التفاصيل لكن الأساسيات الكلاسيكية لا تتغير
الجديد الذي أدخله جون راي أنه نعم الأكتاف وحدد الخصر من دون أن يشده حتى يبقى التفصيل بريطانيًا... قد تختلف التفاصيل لكن الأساسيات الكلاسيكية لا تتغير

على بعد خطوات من فندق «كلاريدجز» من جهة «ديفيز ستريت» وسط لندن، يوجد رقم 2. يقف أمامه بواب بزي مزركش وقبعة عالية تجسد كل الأناقة والتقاليد الإنجليزية، يستقبلني بابتسامة وبعد أن يتأكد من الاسم وأنني لست مجرد سائحة ضلت الطريق، يفتح الباب الخشبي الأسود الثقيل ويسلمني إلى موظف آخر يلبس بدلة سوداء وقميصا أبيض، يفتح لي المصعد ويصحبني إلى الطابق الثاني من المبنى المتاخم لـ«بوردن هاوس» مبنى «دانهيل» الرئيسي. نمر بغرفة صغيرة بها كنبة وسرير، أستغرب وأسأل أين نحن، هل نحن في فندق؟ فيأتي الرد «هذه الغرفة مصممة للأعضاء فقط، يمكنهم الاستراحة فيها أو الإقامة فيها في بعض الأحيان»، ثم يفتح بابا آخر يؤدي إلى غرفة تطل على الشارع بها كنبتان أنيقتان وطاولة رُصت عليها قناني ماء طبيعي. كان هذا هو المكان الذي اختاره جون راي، مصمم دار «دانهيل» لإجراء مقابلتي معه قبل أسبوع من افتتاح الدار محلا جديدا لها بجدة.
كان جون راي متحمسا لهذا الافتتاح ذاكرا لي أن مبيعات الدار من الإكسسوارات، لا سيما أزرار الأكمام والأقلام، مرتفعة في المنطقة وتثير انتباهه كثيرا. ولا يخفي بصراحته أن منطقة الشرق الأوسط سوق مهمة الآن أكثر من أي وقت مضى بالنسبة للكثير من بيوت الأزياء العالمية. فتأثر السوق الصينية وتباطؤ نموها حتم البحث عن أسواق جديدة، كما لا يخفي أنه لا يعرف الشيء الكثير عن المنطقة، لهذا تشكل له تحديا مثيرا: «أصدقك القول بأني لا أعرف الكثير عن المنطقة وجد متحمس لها في الوقت ذاته، وأكثر ما يثيرني فيها ثقافتها المختلفة واحتفاظها بتميزها رغم العولمة التي جعلت الكثير من الثقافات تتشابه وتفقد نكهتها وخصوصيتها».
التحق المصمم بالدار منذ موسمين تقريبا، وأكثر ما لفت النظر في تصاميمه إلى حد الآن، أنه لا يحاول ركوب موجة الابتكار التي يركبها الكثير من المصممين في لندن تحديدا. بل يمكن القول إنه يقف موقفا وسطا بين رغبتهم الجامحة لتكسير المتعارف عليه ولفت الأنظار، وبين كلاسيكية خياطي «سافيل رو» الذين دخلوا مجال الأزياء الجاهزة في السنوات الأخيرة خوفا من أن يفوتهم قطار التجديد ويغطيهم غبار النسيان. أزياء رصينة تخاطب الرجل «الجنتلمان» لكن بأسلوب عصري يركز على التفاصيل ويوليها حقها. يفسر لي جون راي هذا التوجه قائلا: «مهمتي أن أطور جينات الدار بشكل يجعل الناس تتعرف عليها من النظرة الأولى ويقبلون عليها لنفس السبب. فهي تمثل الرجل الأنيق و(الجنتلمان) لهذا لا أريد أن أطورها لتصبح جزءا من الموضة السائدة، بقدر ما أريد أن أطور جيناتها بحرفية تحترم الزبون. ليس مطلوبا مني مثلا أن أصمم سترة بأربعة أكمام أو بنطلون بثلاث أرجل، لكن هذا لا يعني أن أقدم تصاميم مملة». ورغم أنه يعترف بأنه يريد أن يرى اسم الدار قويا يتكلم لغة بريطانية رصينة وعصرية لكنه لا يريدها أن تصرخ، حتى لا يؤثر هذا الصراخ على سمعتها. فالتغيير الجذري قد تكون له سلبيات كثيرة على المدى البعيد حسب رأيه «تصوري مثلا أني أحب مطعما معينا واقصده لسنوات، وفي يوم ما أدخله فأجد أن كل ما فيه من ديكور وألوان وأطباق تغيرت، فحتما سيكون شعوري كمن فقد شيئا غاليا كان يجذبني إليه. نفس الشيء بالنسبة لدار (دانهيل)».
بعد خمس دقائق من الحديث معه، تتأكد أنه لا يؤمن بإحداث تغييرات ثورية لمجرد التغيير وفرض الذات، فقد تعدى هذه المرحلة بكثير بحكم سنواته الطويلة في مجال الأزياء الرجالية، عدا أنه هو نفسه تعدى الخمسين بسنوات، ما يجعله مصمما ناضجا عركته الحياة وعلمته خبرات كثيرة.
فقد عمل لعشر سنوات في دار «غوتشي» في عهد توم فورد، وعندما غادرها عائدا إلى مسقط رأسه باسكوتلندا، كان مصمما أنه سيطلق مجال التصميم ولن يعود إليه مركزا على ترميم بيته والاستمتاع بحياته مع عائلته، لهذا عندما اتصلت به «دانهيل» منذ سنوات رفض عرضها. ثم مرت بضع سنوات، وعاودت الدار عرضها، فقبل. قد يكون شعوره بالملل من الراحة هو سبب قبوله، لكن المؤكد أنه اشتاق إلى العمل من جهة، وإلى لندن، من جهة ثانية كما يقول: «أحب لندن رغم أني اسكوتلندي، ولم أكن أتوقع أني سأشتاق إليها عندما عدت إلى مسقط رأسي، لكن هذا ما حصل. فهي تتمتع بإيقاع خاص ونبض مختلف يتجسد حتى في مستوى الناس الذين يعيشون فيها. ربما يكون هذا القول مثيرا للجدل، لكن هذه حقيقة مشاعري. فهي تقدم طبقا دسما من التأثيرات التي يمكن أن تلهم أي مصمم، ومجرد المشي في شوارعها يلهمني، بالإضافة إلى أسلوب رجالها وطريقتهم في تنسيق أزيائهم وألوانها.. إنهم حقيقيون».
يتبرع هنا بعقد مقارنة بين الإنجليز والإيطاليين، مستشهدا بمعرض «بيتي أومو» للأزياء الرجالية الذي ولدت فيه ظاهرة «موضة الشارع» كما نعرفها الآن: أشخاص يلبسون أحسن ما عندهم ويصورون أنفسهم أو يصورهم آخرون. «هناك نرى طواويس أكثر مما نرى أزياء واقعية، وأنا بريطاني الشخصية والثقافة، وأكثر ما شجعني للعودة إلى تصميم الأزياء أن (دانهيل) بريطانية»
أذكره بسنوات عمله في إيطاليا، وتحديدا بدار «غوتشي» فيأتيني الرد قاطعا، بأنه لا ينوي بأي شكل من الأشكال أن يعيد صياغة ما اختبره في «غوتشي» هنا، بل يريد أن يبدأ صفحة جديدة تماما معتمدا فيها على إرث الدار وعلى نظرته للموضة كزي رسمي يرتاح فيه الرجل ويمنحه الثقة والأناقة في الوقت ذاته، بأسلوب غير متكلف أو مبهرج.
«ما يعجبني في الأناقة الإنجليزية أنها ليست استعراضية مقارنة بالإيطالية. فبينما هي هناك أكثر (نفشا للريش) وقصاتها محددة على الجسم أكثر، تميل في بريطانيا إلى الرزانة الممزوجة ببعض الشقاوة والمرح. فهذا هو الذوق البريطاني، لا يميل إلى التنسيق المفرط للأزياء والإكسسوارات، وهو ما يثير إعجابي. عندما أرى بعض الرجال الرافضين الخضوع لإملاءات الموضة ويصرون على إضفاء لمساتهم الخاصة عليها، ولو باستعمال ألوان جوارب متضاربة أو ربطات العنق بنقشات مرحة وغريبة، أشعر بالإعجاب نحوهم». يكرر جون راي أنه لا يحب الأسلوب «الداندي» المنمق، ويفضل عليه أسلوبا قويا ومقنعا، يتمثل في أزياء عصرية وكلاسيكية.
لكن هل بدأ يشعر بالانتماء إلى «دانهيل» وبأنها بيته أو مملكته بعد مرور موسمين فيها؟ يضحك ويرد بسرعة بأنه لا يشعر بذلك في الوقت الحاضر على الأقل «نعم أشعر بالراحة في الدار، والسعادة بعودتي إلى لندن، لأني بريطاني في ثقافتي وتفكيري كما ألبس مثل أي رجل بريطاني، وهذا لا يعني أني كنت تعيسا في إيطاليا، بل العكس، لأني عملت مع (غوتشي) التي منحتني تجربة ممتعة وغنية، وكل ما في الأمر أني أكثر سعادة هنا لأن رؤيتي الخاصة تتوافق مع أسلوب (دانهيل) البريطاني، لأنه أكثر وضوحا وواقعية» ويضيف بعد تفكير: «هناك حدود مرسومة فيه تمنعك من أن تشطح بخيالك بعيدا عنه».
مما لا شك فيه أن «دانهيل» أخذت وقتها في البحث عن مصمم مناسب يعوضها عن كيم جونز الذي تركها متوجها لدار «لويس فويتون»الفرنسية، ووجدته، إذ لا خوف على جيناتها وإرثها من أي شطحات جنونية تصدر منه فتهز كيانها وتغير شخصيتها. تصاميمه موجهة لحد الآن إلى رجل راق، منطلقا من نفسه وما يريده كرجل يفهم معنى الأناقة قبل أن يكون مصمما «فأنا لست مثل المصممين الفرنسيين الذي يحاولون قلب الموازين وتغيير كل شيء، مثل تقصير البنطلونات أو غيرها، بل أفضل أن احترم الكلاسيكية العصرية وأن أحافظ على ذكورية التصاميم» حسب قوله.
ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن وظيفته تفرض عليه أن يخطو، إن لم نقل يقفز، بإرث الدار إلى الأمام ولا يستكين إلى الأمجاد القديمة، وإلا فما الفائدة من الاستعانة به؟. هذا ما يدركه لكن يعود ويؤكد بأن الدار لا تحتاج إلى ثورة أو عملية تجميل جذرية، بقدر ما تحتاج إلى رتوشات وتطويرات تواكب متطلبات حياة رجل عصري يريد أن يجد في كل مرة يقصدها تصاميم جديدة تروق له. صحيح أن هذا الزبون وفي ولا يريد أن يغير أسلوبه تماما، إلا أنه في الوقت ذاته لا يريد أن يجد نفس التصاميم التي اشتراها في الموسم الماضي أو الذي قبله. «دوري أن أطورها ضمن حدود الأناقة والعصر، وليس بطريقة ضد المتعارف عليه مثل ما نراه في شوارع الموضة الأوروبية مثلا. علي أن آخذ بعين الاعتبار ثقافة (دانهيل) وجيناتها، سواء تعلق الأمر بتفصيل السترات أو اختيار الأقمشة وتوظيف تقنياتها الجديدة للحصول على إطلالة متجددة في كل مرة».
في هذا الموسم، استعمل جون راي قماش التويد بكثرة، ولأنه موجه للربيع والصيف، خلصه من ثقله وسمكه، مستعينا بطريقة جديدة للغزل مزجته بالكتان والحرير ما أكسبه خفة وانتعاشا من دون أن يُفقده مظهره الإنجليزي الكلاسيكي. القصات أيضا خضعت لبعض التطوير مثل الأكتاف الناعمة والقصات المحددة عند الخصر من دون أن تشده محاولة إبراز عضلاته المفتولة كما هو الحال بالنسبة لبعض البدلات الإيطالية. فـ«الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة والتقنيات هما سلاحي للتطوير» حسب قوله «ولنكن صريحين مع بعض، فرغم أن قطاع الأزياء الرجالية منتعش وينمو بسرعة، فإن خياراته محدودة لا تتعدى البنطلونات والقمصان والبدلات، ما يجعل التركيز الآن على التقنيات والتكنولوجيا».
أشير إلى عمره، وما إذا كان له دور في تبنيه هذا الموقف «العقلاني» من الموضة، مقارنة بغيره من الشباب الذين يعانقون الابتكار إلى حد الجنون أحيانا، فينتفض مدافعا وكأنه في قفص الاتهام: «نعم أنا ناضج لكني ليس ميتا. فإنا استمع إلى نبض الشارع ومتتبع لثقافة الشباب وما يجري من حولي من تغيرات، إضافة إلى أني كنت أنا نفسي، في يوم من الأيام شابا صغيرا، مهووسا بالموضة والأسماء العالمية، وبالتالي أفهم ما يشعر به بعض الشباب. الفرق أن السنوات علمتني أن أطور أسلوبي الخاص وأن ألبس ما أرتاح فيه ويمنحني الثقة». يتابع: «نعم أحب أن يبدو الرجل ناضجا وراقيا، وهذا لا علاقة له بالسن، فالكثير من العاملين معي في عز الشباب، بعضهم يرتدي نفس السترة والبنطلون والقميص الذي ألبسه، لكن طريقة تنسيقهم لها تختلف عن طريقتي، هذا كل ما في الأمر. أنا الآن في مرحلة أفضل فيها، مثل زبون (دانهيل)، تصاميم بجودة عالية ومفصلة على مقاسي، بما في ذلك أحذيتي وباقي إكسسواراتي، عوض (تي – شيرت) بسعر 300 جنيه إسترليني». ثم يعقب ضاحكا بأن المشكلة أنه عندما يتذوق الرجل الأسلوب الراقي ويجرب أزياء مفصلة على مقاسه، يكتشف جمالياتها فيصبح مدمنا عليها ولا يعود يقبل بغيرها.
كلما طال الحديث مع جون راي تشعر بعفويته وتلقائيته، وبأنه لا يلعب دورا حفظ نصه ويتلوه عليك حتى يعكس صورة المصمم الذي لا مثيل له في العالم أو سيحقق المعجزات. بالعكس، يشعرك بأنه عضو مهم في عالم الموضة، إلا أنه ليس ضحية أو عبدا لها فالخوف بالنسبة له «عندما نعمل في مجال الموضة أننا قد نعيش وندور فيما يشبه الفقاعة، وأنا لم تعد تهمني هذه الفقاعة». لكنه في الوقت ذاته، لا ينكر أهمية الأزياء ودورها الأساسي في أن تعكس صورة أنيقة وراقية تمنح صاحبها الثقة والاعتزاز بالنفس، وتبقى معه طويلا، وهنا تتلخص مهمته.
افتتحت «دانهيل» متجرها الجديد في المملكة العربية السعودية في بوليفارد بجدة ليكون السابع في الشرق الأوسط.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.