الجيش الليبي يخشى فراغا في السلطة.. ويدعو إلى استحداث سلطة موازية

ترتكز على إيجاد كيان يحمي الدولة وقادر على البقاء في حال انهيارها

مقاتلون من {فجر ليبيا} خلال مواجهة مع القوات الموالية للحكومة جنوب غربي مدينة صبراتة (أ.ف.ب)
مقاتلون من {فجر ليبيا} خلال مواجهة مع القوات الموالية للحكومة جنوب غربي مدينة صبراتة (أ.ف.ب)
TT

الجيش الليبي يخشى فراغا في السلطة.. ويدعو إلى استحداث سلطة موازية

مقاتلون من {فجر ليبيا} خلال مواجهة مع القوات الموالية للحكومة جنوب غربي مدينة صبراتة (أ.ف.ب)
مقاتلون من {فجر ليبيا} خلال مواجهة مع القوات الموالية للحكومة جنوب غربي مدينة صبراتة (أ.ف.ب)

استحدث قادة ليبيون سلطة تفوق البرلمان والحكومة، يدعمها الجيش والقبائل بهدف «الحفاظ على الدولة»، التي لا يوجد لها رئيس منذ 2011 حتى الآن، والإشراف على إدارة شؤون البلاد في حال تعرض مجلس النواب المنتخب، أو السلطة التنفيذية المنبثقة عنه، لأي ظروف طارئة قد تحول دون ممارسة أعمالهما، خصوصا في ظل تزايد خطر الإرهابيين والميليشيات المسلحة. ودعا عدد من هؤلاء القادة الليبيين لتجاوز كل من مبادئ {ثورة القذافي} و{ثورة فبراير}، والتفرغ لبناء «ليبيا جديدة».
وكشف الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، المستشار في الجيش الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، أنه دعا البرلمان لـ«الموافقة على تشكيل مجلس عسكري أعلى يملأ الفراغ الأمني والعسكري والسياسي في حال وجود أي كارثة تُوجَّه ناحية البرلمان»، وإلى اتخاذ تشريعات أخرى عاجلة تخص حماية أفراد الجيش، وأموال الدولة، وعلى رأسها فرض حالة الطوارئ وحظر التجول، وإعلان أن البلاد في حالة حرب.
ووفقا للمعلومات المتوفرة، تتضمن الخطة بنودا تتحدث عن ضمانات بعدم المساءلة القانونية لقادة وجنود القوات المسلحة مستقبلا، بشأن العمليات التي تنفذها ضد الجماعات المتطرفة، وتتناول الخطة أيضا تحذيرا من مخاطر رفع نحو 17 ألف شركة عالمية كانت تعمل في ليبيا لقضايا أمام المحاكم الدولية، بسبب تضررها من الفوضى التي أعقبت سقوط نظام القذافي، ومطالبتها بتعويضات تصل قيمتها لمليارات الدولارات، والتي ستستنزف الاقتصاد الليبي لعقود مقبلة. وأبدت أطراف عسكرية وقبلية، على هامش مشاركتها في مؤتمر القبائل الليبية المنعقد في العاصمة المصرية القاهرة، شكوكا بشأن المستقبل، ومخاوف من تعرض البلاد لفراغ في السلطة، وتحدثت عن تواضع قدرات البرلمان والحكومة، وعدم قدرة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة برناردينيو ليون على التوصل إلى حل سياسي، أو تشكيل حكومة توافق ترضى عنها الأطراف الليبية الرئيسية، خصوصا الجيش الذي يشن حملة صعبة على المتطرفين في عموم البلاد.
وبخصوص جلسات الحوار التي يرعاها ليون، أوضح الشيخ محمد الشحومي، رئيس اللجنة الإعلامية وأمين سر اللجنة التحضيرية لملتقى القبائل الليبية في مصر، أنه إذا كانت اللقاءات التي يشرف عليها ليون لمجرد الإصرار على تنفيذ برنامج الفوضى الخلاقة، فإن الشعب الليبي سيقاومه «حتى آخر طفل فيه».
وبينما أفادت مصادر قبلية أخرى أن الخطة الجديدة لـ«استحداث سلطة دائمة مثل سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة» ترتكز على إيجاد كيان يحمي الدولة، وقادر على البقاء في حال انهيار السلطة الهشة والمتنازع عليها، قالت مصادر عسكرية وقبلية إنه أصبح يوجد ما يشبه التوافق العام على تأسيس «مجلس أعلى للقوات المسلحة، يتولى إدارة الدولة في حال سقوط السلطات الشرعية»، مشيرة إلى أن قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر يتأنى في طرح هذا الخيار لإقراره من البرلمان حتى لا يعتقد خصومه أنه يسعى لحكم ليبيا.
وكشفت المصادر ذاتها أن ولاية البرلمان ستنتهي بعد نحو أربعة أشهر من الآن، وربما لن تتمكن البلاد من إجراء انتخابات نيابية جديدة، أو الاستفتاء على الدستور الجديد في هذا التوقيت، بسبب الوضع الأمني المتدهور و«المؤامرات الداخلية والخارجية»، إضافة إلى عدم رضا بعض النواب والعسكريين عن عمل كثير من وزراء الحكومة الحالية برئاسة عبد الله الثني، الذي تعرض لمحاولة اغتيال أول من أمس.
وأفاد مسؤول في البرلمان الليبي، ردا على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن أطرافا مقربة من الفريق أول حفتر، تحدثت بشكل غير رسمي مع مجلس النواب عن ضرورة اتخاذ عدد من الإجراءات يقرها البرلمان لحماية الدولة مستقبلا، خصوصا في حال حدوث أي تطورات تحول دون عمل المجلس النيابي والحكومة، وذلك من خلال إيجاد جسم قابل للبقاء مثل «المجلس الأعلى للقوات المسلحة»، الموجود في مصر، وقال إن دولا عربية وأجنبية من المعروف عنها موالاتها لما يسمى بـ«تيار الإسلام السياسي» في ليبيا، زادت من وتيرة نقل الأسلحة والمقاتلين وتقديم الدعم المالي للجماعات المتطرفة، مع اقتراب انتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان، ومع استمرار رفض المجتمع الدولي رفع الحظر عن توريد السلاح للجيش.
وترى كثير من القبائل أنه لا يمكن الوصول إلى حل، والقضاء على الإرهاب، والحفاظ على وحدة ليبيا إلا بمساندة القبائل نفسها للجيش الوطني وللسلطة الشرعية.
ويرى الشيخ الشحومي أن سبب الأزمة في ليبيا ناتج عن أمرين. الأول هو الصراع على السلطة من طرف مجموعة تريد السيطرة على الإدارة وعلى المال. وفي الجانب الآخر هناك مجموعات تنفذ أجندات خارجية، حتى وإن كانت ذات واجهة ليبية.
وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» يقول مستشار الجيش الليبي، الدكتور عبد الكريم: «الآن لا بد أن نشكل مجلسا عسكريا أعلى يتعامل مع القضية العسكرية والأمنية في البلاد في ظل هذه الظروف المعقدة والصعبة التي تمر بها ليبيا»، مشيرًا إلى أن المطلوب أيضا «إعلان حالة الطوارئ.. ولا بد من إعلان حالة الحرب.. ولا بد من إعلان حظر التجول. هذه الإجراءات نحن في أمس الحاجة إليها، لكن لم يتم الأخذ بها حتى الآن من جانب السلطات المختصة، وأقصد بها سلطة البرلمان، رغم أننا في حالة حرب ولسنا في حالة سلم».
وحول ما إذا كانت المقترحات والخطط الخاصة بتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة وإعلان حالة الحرب والطوارئ ما زالت قيد التفكير، أم أنها أصبحت من المطالب الحقيقية المقدمة من جانب القادة العسكريين للبرلمان، قال الدكتور عبد الكريم إنه تحدث مع البرلمان عدة مرات من أجل اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتسهيل مهمة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية جميعا في الحرب على الإرهاب، إضافة إلى مقترح بـ«تأسيس مجلس أعلى للقوات المسلحة».
وتابع موضحا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المقترح سيكون قادرا على قيادة العمل العسكري على المدى البعيد. وشدد أيضا على ضرورة إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول في البلاد، مضيفا أن الكثير من رجال العسكر يخشون التعرض للعقاب القانوني مستقبلا، بسبب الحملة التي يقومون بها لملاحقة الإرهابيين، على اعتبار أن قانون الإجراءات الجنائية يحول دون مداهمة المنازل، بما فيها تلك التي يتخذها المتطرفون أوكارا لهم، أو توقيف الإرهابي ما لم يكن هناك إذن بالاعتقال والتفتيش من النيابة وفي حضور ممثل عنها، وهي إجراءات لا يمكن الالتزام بها في ظل حالة الحرب على الإرهاب.
وينفذ الجيش الليبي عمليات واسعة ضد الإرهابيين المتحصنين في مدينة بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، منذ منتصف العام الماضي، ويستعد في الوقت الراهن لتحرير العاصمة طرابلس ومدن أخرى من الميليشيات المسلحة، إلا أن عددًا من قادة القوات المسلحة والقبائل يرون أن غياب سلطة عليا «قوية ومتماسكة» تؤخر حسم الجيش في حربه ضد الإرهاب والجماعات المتطرفة، مع تزايد مخاطر تقسيم البلاد.
وخلال مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع قادة قبائل من عموم ليبيا أثناء مشاركتهم في ملتقى القاهرة للقبائل الليبية، لوحظ وجود شبه توافق عام فيما بينها على الالتفاف حول الجيش ومساندته لبسط الاستقرار والأمن في ليبيا، باعتباره آخر حصن يمكن التعويل عليه لمنع تقسيم الدولة، أو تحولها إلى دولة فاشلة. وشدد أحد قادة هذه القبائل على ضرورة دعم القوات المسلحة بكل ما تحتاج إليه من سلاح ومقاتلين وغطاء قانوني للعمل على محاربة الجماعات المتشددة دون تردد.
من جانبه، يقول الشيخ الشحومي عن رؤيته لإنهاء الاشتباك والفوضى في بلاده، إن الحل الوحيد هو أن يتم فك المبادرة من أيدي القوى السياسية، وهذا يعني أن يخرج جسم منظم يعكس وجهة نظر القبائل. وأضاف موضحا: «نحن لسنا مجرد مكون من مكونات الشعب الليبي، بل نحن كل مكونات الشعب الليبي. نحن كزعماء قبائل نشكل حاضنة اجتماعية حقيقية لكل عمل وطني، ولدينا من قوة الاستشعار ما نستطيع منه أن نتأكد إن كان هذا يعكس إرادتنا أو لا يعكسها».
وتابع الشحومي مؤكدًا أن القبائل لن تحل محل مجلس النواب أو محل الجيش، ولكن هذه القبائل حاضنة اجتماعية للبرلمان وللجيش، ولذلك «سيكون الاختيار في مجلس النواب القادم اختيارا صحيحا».
ويتزامن هذا مع حزمة من الإجراءات التي يقول الدكتور عبد الكريم إنه توجد مساع لتحقيقها من خلال الحديث مع البرلمان لتقوية مركز الجيش، مشيرًا إلى أن إحدى الإشكاليات الحالية هي القواعد المبني عليها القانون الجنائي الليبي، و«التي لا تمكن رجال الضبط القضائي من أن يرتكبوا جناية لوقف جناية أو لإثبات جناية أو للتحقيق في جناية..وبالتالي، فإنه لتعزيز وتشجيع جنود الجيش والضباط وضباط الصف، والقيادة التي تقوم بمحاربة الإرهاب، لا بد من حمايتهم قانونا. وهذا لن يتحقق إلا من خلال إعلان حالة الطوارئ والعمل بقانون الطوارئ، كما تفعل الدول التي في حالة حرب. لا بد من حماية عسكريينا قانونا على المديين القريب والبعيد».
وبحسب الدكتور عبد الكريم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالوضع الأمني، وضمان عدم انهيار السلطة في البلاد، ولكنه يدور أيضا حول إجراءات لحماية الأموال الليبية التي تقدر بمليارات الدولارات في الخارج.
وطرحت قيادات في الجيش، عبر وسطاء، على البرلمان قضية الحماية القانونية للأموال الليبية، خصوصا تلك الموجودة في الخارج.
وتتنوع الشركات الدولية التي كانت تعمل في ليبيا، وفقا للمستشار عبد الكريم، بين شركات بترول، وبناء مطارات وموانئ وطرق، قائلا إن عددها كان يتراوح بين 15 ألف إلى 20 ألف شركة عالمية تعمل داخل البلاد.
وتشير مصادر عسكرية أخرى إلى أن عدم اتخاذ السلطات الحالية (ممثلة في البرلمان والحكومة) الإجراءات الكفيلة بحماية الأموال من تعويضات الشركات الدولية، سيؤدي إلى عرقلة شراء الجيش للأسلحة من أرصدة الدولة المجمدة في الخارج. ويقول عبد الكريم إنه «إذا جرى الحكم لصالح تلك الشركات، فإنها يمكن أن تحصل على تعويضات تساوي كل أموال ليبيا لمدة خمسين سنة قادمة. وإذا لم تعلن حالة الطوارئ، فإن الدولة ستخسر الكثير جدا أمام هذه الشركات».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.