«العفو الدولية» تتهم طرفي النزاع في أوكرانيا بممارسة التعذيب الوحشي

عرضت تقريرًا صادمًا عن إعدامات تعسفية وحالات إيهام بالقتل

«العفو الدولية» تتهم طرفي النزاع في أوكرانيا بممارسة التعذيب الوحشي
TT

«العفو الدولية» تتهم طرفي النزاع في أوكرانيا بممارسة التعذيب الوحشي

«العفو الدولية» تتهم طرفي النزاع في أوكرانيا بممارسة التعذيب الوحشي

أظهر تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية ونشر أمس أن القوات الأوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا يمارسون التعذيب بحق السجناء والمدنيين من الضرب المبرح والصعق بالكهرباء إلى الإيهام بالقتل. وتحدثت المنظمة الحقوقية الشهيرة عن ثمانية «إعدامات تعسفية» نفذها الانفصاليون بحق سجناء أوكرانيين. ودان التقرير الابتزاز الذي تمارسه حركة «برافي سيكتور» التي تقاتل إلى جانب القوات الأوكرانية في شرق البلاد، واتهمها بتعذيب المدنيين وانتزاع الأموال منهم ومن عائلاتهم.
ونقل التقرير عن أسرى قدماء لدى الجيش أو الانفصاليين أنهم «تعرضوا للضرب حتى تكسرت عظامهم وتم تعذيبهم بالصدمات الكهربائية، وركلوا وطعنوا وعلقوا من السقف، ومنعوا من النوم لأيام، وهددوا بالقتل. ومنعت عنهم المعالجة الطبية الطارئة كما تعرضوا لعمليات إيهام بالقتل».
ومن أجل مصداقية التحقيق، استجوبت منظمة العفو الدولية 33 من السجناء القدامى، بينهم 17 لدى الانفصاليين و16 لدى القوات الأوكرانية وجهاز الأمن. ومن بين السجناء الـ33 والذين اعتقلوا بين يوليو (تموز) 2014 وأبريل (نيسان) 2015، «وصف 32 منهم الضرب المبرح الذي تعرضوا له فضلا عن انتهاكات أخرى». ووثقت المنظمة تلك الشهادات مع أدلة أخرى بينها «صور إشعاعية تظهر العظام المكسرة، وملفات طبية، وصور تبين آثار اللكمات وإصابات أخرى، فضلا عن ندوب وأسنان مكسرة». وبالإضافة إلى الشهادات المباشرة، اعتمدت العفو الدولية على «أدلة نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ومقالات نشرت في الإعلام».
وبحسب المنظمة، فإن الطرفين اعتمدا تلك الممارسات «الصادمة» التي تستهدف أيضا المدنيين. وكشفت «العفو الدولية» أن الطرفين يحتجزان بطريقة تعسفية مدنيين لم يرتكبوا أي جرم ولكنهم ببساطة يتعاطفون مع الطرف الآخر. وتحدث البعض عن احتجازهم وضربهم لأنهم كانوا يملكون صورا للحراك الموالي لأوروبا على هواتفهم الجوالة أو لأنهم كانوا يحتفظون بأرقام تعود لانفصاليين.
ويرى جون دالهويسن، مسؤول منظمة العفو في أوروبا وآسيا الوسطى، أنه في حال كان احتجاز المدنيين يهدف لاستخدامهم «كوسيلة تبادل» مع سجناء آخرين، فإنه من الممكن جدا أن يكون ذلك على علاقة بآرائهم الشخصية. ونقلت المنظمة شهادة وُصفت بـ«القاسية» لسجين قديم لدى حركة «برافي سيكتور». وجاء في التقرير أن «برافي سيكتور استخدمت مخيما مهجورا للشباب كمعتقل، وهي، وفق هذا الشاهد، احتجزت عشرات السجناء المدنيين كرهائن، وعذبتهم بطريقة وحشية، وانتزعت منهم مبالغ كبيرة كما من عائلاتهم».
وأبلغت منظمة العفو الدولية السلطات الأوكرانية بالأمر، إلا أنها لم تتلق جوابا. أما جهاز الأمن الأوكراني فأعلن عن استعداده مقابلة ممثلين عن العفو الدولية لـ«التحقيق بشأن كل حالة تطرقت لها المنظمة».
ومن جهة الانفصاليين، أعدم ثمانية جنود أوكرانيين على الأقل تعسفيا على يد المتمردين.
وتطرقت منظمة العفو الدولية إلى مصير الجندي الأوكراني أندريه غافريليوك (34 عاما) الذي أصيب في ساقيه خلال معركة السيطرة على مطار دونيتسك الذي وقع بيد الانفصاليين منذ يناير (كانون الثاني) الماضي. وقال أحد زملائه: «لم يكن هناك نقالة، لا شيء، ولم يتمكنوا (الانفصاليون) من حمله. وبعد ثوان عدة سمعت ثلاث طلقات نارية». وفي أبريل الماضي، دانت منظمة العفو الدولية مقتل أربعة جنود أوكرانيين أثناء أسرهم.
واكتشفت أربع جرائم قتل أخرى منذ ذلك الحين، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الباحث في منظمة العفو في كييف كراسيمير يانكوف.
وقالت منظمة العفو الدولية إن «الأدلة الدامغة لحصول جرائم حرب، بينها اللجوء إلى التعذيب وإيهام السجناء بالقتل، تعتبر تذكيرا واضحا بالممارسات الوحشية التي ترتكب بشكل شبه يومي في النزاع في شرق أوكرانيا». ودعت إلى إجراء تحقيقات ومحاكمة المسؤولين.



مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت أجهزة الاستخبارات في مقدونيا الشمالية، الجمعة، أن المشتبه بضلوعهم في الهجوم الذي استهدف كنيساً يهودياً في سكوبيي في أبريل (نيسان)، مرتبطون بتنظيم «داعش»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها دهمت عقارات وأوقفت 7 أشخاص يُعتقد أنهم «جزء من مجموعة متطرفة مرتبطة عقائدياً بالشبكة العالمية لتنظيم (داعش)».

ولم يسقط ضحايا في الهجوم الذي وقع يوم عيد الفصح الأرثوذكسي في 12 أبريل (نيسان)، فيما لحقت أضرار بمدخل الكنيس بعد إضرام النار فيه.

وأفادت الشرطة بأنها وجّهت، عقب التوقيفات، أمس، اتهامات تتعلق بالإرهاب إلى شخصين يبلغان 21 و38 عاماً.

وقال المتحدث باسم الشرطة، غوتسه أندريفسكي، في بيان مصوّر: إنه «جرى احتجاز المشتبه بهما لمواصلة الإجراءات القضائية».

وأظهرت لقطات مراقبة نشرتها السفارة الإسرائيلية، يُعتقد أنها للواقعة، رجلين يرتديان خوذتي دراجة نارية يقفزان فوق سياج قبل أن يسكبا الوقود خارج المبنى ويشعلا النار في باحته الأمامية.

وأفاد المجتمع اليهودي المحلي في بيان عقب الحريق بأن الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت محدودة.

من جهته، شكر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سلطات مقدونيا الشمالية على التوقيفات. وقال إن «تحركهم السريع والحازم لمحاسبة الجناة يؤكد التزام مقدونيا الشمالية بحماية المجتمع اليهودي».


مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
TT

مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)

باستثناء برقية وزعتها وزارة الخارجية الأميركية لسفاراتها عبر العالم، لم تشمل روسيا والصين وبيلاروسيا وكوبا، لم يتوافر كثير من المعلومات حول المبادرة الأميركية المتأخرة لإنشاء ما سمي «مبادرة حرية الملاحة البحرية» في مضيق هرمز المقفل عملياً بسبب الحصار الذي تفرضه إيران على البواخر والناقلات دخولاً وخروجاً، وأيضاً بسبب الحصار المطبق الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وبالنظر للإرباك الذي يضرب سلاسل الإمداد في قطاعي النفط والغاز والأزمة الاقتصادية المستفحلة على المستوى العالمي، فإن توفير حرية الإبحار في المضيق تحول إلى تحدٍّ دولي يفرض نفسه على جميع دول العالم. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية - البريطانية لتشكيل «تحالف دولي» يضمن حرية الملاحة - التي كانت قبل نحو الشهر - في مضيق هرمز.

ويوم 17 أبريل (نيسان)، استضافت باريس، حضورياً وعن بعد، قمة موسعة ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ضمّت 52 بلداً عبر العالم، بينهم 32 رئيس دولة وحكومة من التحالف الموعود. وبنتيجة المناقشات، فإن المشاركين توافقوا على إطلاق «مهمة متعددة الجنسية ودفاعية الطابع» لضمان حرية الملاحة في المضيق.

وحرص بيان «الإليزيه» على تأكيد أن المشاركين «ليسوا طرفاً» في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وأنهم متمسكون بالتوصل إلى «تسوية صلبة وحل مستدام للنزاع عبر الوسائل الدبلوماسية». وحرصت الجهة المنظمة على القول إن الدول الثلاث المعنية بالحرب، لم تُدعَ للمشاركة في الاجتماع، وإن انطلاق المهمة لا يتم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية، وبالطبع عبر التفاهم مع إيران والدول المطلة على الخليج.

الرئيس دونالد ترمب يتظاهر بتصويب بندقية قنص أثناء حديثه مع الصحافيين في قاعة المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض - واشنطن 6 أبريل (أ.ب)

المبادرة الأميركية

في السياق المذكور، يمكن النظر للمبادرة الأميركية الجديدة على أنها «منافسة» للمبادرة الأوروبية - الدولية. ووفق البرقية الصادرة عن «الخارجية» الأميركية، التي كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من اطلع عليها، فإنها وليدة تعاون بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنها «تمثل خطوة أولى حاسمة في إنشاء هيكل أمني بحري لما بعد النزاع في الشرق الأوسط». وعدّت البرقية «هذا الإطار ضرورياً لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، والحفاظ على حقوق وحرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة».

وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن المبادرة الأميركية «يمكن أن تشكل تحدياً بالنسبة للأوروبيين ولأعضاء الحلف الأطلسي» الذين شن عليهم الرئيس ترمب هجمات متكررة، بسبب امتناعهم عن مد يد المساعدة للقوات الأميركية في مضيق هرمز. وثمة سؤالان يطرحان بقوة؛ الأول: هل ثمة إمكانية للدمج بين «المهمتين»؟ والثاني: هل هاتان المهمتان يمكن أن تقوما معاً وفي أي ظروف؟

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح الجمعة بأبوظبي، مع نهاية جولته الخليجية التي قادته إلى المملكة السعودية وعمان والإمارات، سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذا الملف المعقد. وأهم ما قاله بصدده أمران؛ الأول أن باريس تلقت «مؤخراً جداً» معلومات حول المبادرة الأميركية التي وصفها بأنها «ليست من الطبيعة نفسها» للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون.

بيد أنها، وبالنظر للمعلومات التي وصلت إلى باريس، رأى بارو أنها «تندرج في إطار من التكامل» مع المبادرة الأولى. أما الأمر الثاني فهو اعتباره أنها «ليست منافسة للمبادرة التي أطلقناها». لكن باريس، رغم ذلك، «تركز اهتمامها الكامل على المبادرة التي أطلقناها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً بالأمم المتحدة في 27 أبريل بمناسبة الاجتماع المخصص لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي (رويترز)

الحذر الفرنسي - الأوروبي

واضح أن الوزير الفرنسي يلتزم موقفاً حذراً؛ إن بسبب «حداثة» المشروع الأميركي، أو بسبب حاجة باريس للتشاور مع القادة الأوروبيين المنخرطين في المبادرة الأولى، التي سعى بارو لتسويقها في العواصم الخليجية الثلاث التي زارها.

وفي أي حال، فإن المبادرة الأميركية بحاجة لمزيد من التوضيح، خصوصاً أن برقية «الخارجية» تدخل عاملاً مبهماً بإشارتها إلى «إدارة مشتركة» بين وزارتي الحرب والخارجية. كذلك، فإنها تدخل عامل إبهام جديداً بتأكيدها أن المبادرة المذكورة «تختلف عن حملة الضغوط القصوى» التي يقودها الرئيس ترمب على إيران، كما أنها غير «مرتبطة بالمفاوضات الجارية» مع طهران.

ويبدو من المستحيل الفصل بين مجريات الحرب في حال استجدت، وتوفير المرور الآمن في مضيق هرمز. كذلك يصعب عزلها عن «المفاوضات الجارية» التي هي عملياً متوقفة، ثم تتعين الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية؛ قوامه أن الأوروبيين يصرون على أمرين؛ الأول: الطابع الدفاعي لمبادرتهم، والثاني، وقد شدد عليه بارو في أبوظبي، أن انطلاقتها «سوف تتم بالتنسيق مع الدول المطلة على المضيق». ولمزيد من الإيضاح، ذكر باور أن المهمة الأوروبية «ستعمل على لم شمل الدول التي لم تكن جزءاً من هذه الحرب»، أي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وفي أي حال وفي أكثر من مناسبة، أفادت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، بأن مروجي المبادرة الأوروبية يودون أن يبقوا بعيداً عما تقوم به الولايات المتحدة. ولعل العنصر الذي من شأنه تغيير المعادلة؛ إشارة البرقية الأميركية إلى أن الهيكل البحري الذي تسعى إليه واشنطن بشراكتها مع دول لم تسمِّها، لن يطلق «إلا بعد انتهاء النزاع في الشرق الأوسط»؛ أي بعد توقف الحرب، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الأوروبية. وفي كل مناسبة تتوافر، يركز الأوروبيون على «التقدم» الذي أحرز في المشاورات الخاصة لإطلاق مبادرتهم. ولهذا الغرض، استضافت لندن وباريس مجموعة من الاجتماعات للتعرف على الدول الراغبة والقادرة على توفير الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية. ويشبه الأوروبيون بين المهمة الجديدة وعملية «أسبيدس» التي أطلقوها في عام 2023، لضمان سلامة وحرية الإبحار في البحر الأحمر؛ بدءاً من قناة السويس وحتى باب المندب.

ولأن واشنطن تعي «المنافسة» الأوروبية، ورغبة منها في ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف، فإن تصورها للمهمة التي تطلقها جاء فضفاضاً؛ إذ جاء فيها: «نرحب بجميع مستويات المشاركة، ولا نتوقع من دولتكم تحويل الأصول والموارد البحرية بعيداً عن الهياكل والمنظمات البحرية الإقليمية القائمة». وبكلام آخر، فإن واشنطن ترحب بأي طرف يود الانضمام للمبادرة مهما تكن مساهمته فيها، ما يوجد سباقاً بينها وبين المبادرة الأوروبية.

وفي المحطات الثلاث التي زارها، شدد بارو على أهمية اعتماد الحلول الدبلوماسية وتجنب معاودة الحرب، وعلى ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رافضاً الخطط الإيرانية لفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط، معتبراً أن ذلك يخالف قوانين البحار والممرات المائية. وحرص بارو على إبراز التقدم الذي حققه الأوروبيون حتى اليوم، مشيراً إلى أن إحدى مهمات جولته الخليجية كانت لعرض المبادرة الأوروبية.

ولا تخفي باريس رغبتها في انضمام الدول الخليجية إليها، ما من شأنه أن يوفر لها ثقلاً إضافياً في المنافسة القائمة مع واشنطن. وفي أي حال، من الواضح أن أياً من المهمتين لن يرى النور قريباً، طالما لم يحسم مصير أزمة الخليج؛ وهو الشرط الذي يرتهن المبادرتين معاً.


ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
TT

ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)

في لحظة تتقاطع فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران مع القلق الأوروبي من روسيا، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، ملوّحاً بخفض أو سحب قوات أميركية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة تجاه الحرب. صحيفة «بوليتيكو» قالت في تقرير لها إن تهديد ترمب بخفض القوات في ألمانيا أحدث «صدمة» داخل البنتاغون، حيث قال مساعد في الكونغرس إن وزارة الدفاع «لم تكن تتوقعه» ولم تكن تخطط لأي خفض للقوات في ألمانيا، ولا سيما أنه يخالف مراجعة مطولة للانتشار العسكري الأميركي العالمي لم توصِ بانسحابات كبيرة من أوروبا.

ويقول مراقبون إن خطورة التهديد لا تكمن في احتمال تنفيذه الفوري وحده، بل في أنه يحوّل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية. فمن وجهة نظر ترمب، لم يعد انتشار القوات مسألة التزام أطلسي أو حسابات أمنية بعيدة المدى، بل ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانخراط في حربه ضد إيران أو تنتقد أداء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال جون هاردي، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن ألمانيا تمثل محوراً حرجاً للعمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك عملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن تعريض هذا الدور للخطر «سيكون بمثابة إطلاق النار على أقدامنا». ورأى هاردي أنه «بينما تحب إدارة ترمب تذكير الحلفاء بأن (الناتو) طريق ذو اتجاهين، سيكون من الأفضل للبيت الأبيض أن يتذكر ذلك هو أيضاً».

غضب من برلين ومدريد وروما

قال ترمب، الخميس، إنه «على الأرجح» سيسحب القوات الأميركية من إسبانيا وإيطاليا، مُتّهماً روما بأنها «لم تكن مفيدة لنا»، وواصفاً مدريد بأنها كانت «فظيعة... فظيعة تماماً». وهو ما عُدّ رداً على رفض إسبانيا وإيطاليا السماح لطائرات عسكرية أميركية مشاركة في حرب إيران باستخدام قواعدهما.

كما جاء ذلك بعد تهديد مماثل لألمانيا، على خلفية انتقادات المستشار فريدريش ميرتس الذي قال إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«إذلال» من إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، قبل أن يخفف من حدة انتقاده في الأيام الماضية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد مارس الماضي (أ.ف.ب)

ويرى بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات تشي بأن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل «الناتو» كاختبار ولاء مباشر. فإسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز سعت إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية موازنة لترمب، فيما بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم قربها السابق منه، تنأى بنفسها عنه مع اقتراب انتخابات 2027. أما برلين، فرغم سماحها باستخدام قاعدة رامشتاين لتنسيق العمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الهجوم بعد تصريحات ميرتس.

صدمة داخل البنتاغون

أبرز ما نقلته «بوليتيكو» أن تهديد ترمب لم يكن ثمرة خطة جاهزة داخل وزارة الدفاع. فقد أكد ثلاثة مسؤولين دفاعيين أن منشوره بشأن ألمانيا كان أول ما يسمعه كثيرون داخل البنتاغون عن احتمال تحريك جديد لسحب مئات أو آلاف الجنود. وقال مساعد في الكونغرس إن الوزارة «لم تكن تتوقع ذلك، ولم تكن تخطط لأي نوع من خفض القوات»، لكنه أضاف أن تصريحات ترمب تُؤخذ بجدية؛ لأنه كان جاداً في ولايته الأولى حين أمر عام 2020 بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، قبل أن يتعثر التنفيذ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

أما كُلفة التنفيذ فتبدو ضخمة ومعقدة. فألمانيا تستضيف ما بين 35 و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد من دون مقابل، إضافة إلى قوة عاملة محلية تدعم الوجود الأميركي. كما تضمُّ مقرين أساسيين للقيادة الأميركية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن تود هاريسون، مُحلّل ميزانية الدفاع في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن الانسحاب يتضمن كلفة نقل، وربما كلفة إنشاءات ضخمة إذا نُقلت القوات إلى أماكن مثل بولندا، حيث لا توجد منشآت جاهزة لإيوائهم.

تهديد يضعف واشنطن

عسكرياً، قد يبدو التهديد مُوجّهاً إلى الأوروبيين، لكنه يطول مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهنا تبرز أهمية تعليق جون هاردي. فهو لا يدافع عن ألمانيا من زاوية أوروبية فقط، بل من زاوية المصلحة الأميركية المباشرة.

فقوله إن تعريض الدور الألماني للخطر يُشبه «إطلاق النار على أقدامنا» يختصر المفارقة الأساسية في تهديدات ترمب؛ فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس خدمة مجانية تقدمها واشنطن للحلفاء، بل أصل استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لتوسيع قدرتها على الحركة والردع والعمليات. فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس مجرد مساهمة في أمن أوروبا، بل عقدة مركزية في قدرة واشنطن على التحرك عالمياً. القواعد هناك تُستخدم لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مستشفيات ومناطق تدريب واسعة للقوات الأميركية وقوات «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض (رويترز)

وفي هذا الصّدد، قال مسؤول ألماني لـ«بوليتيكو» إن سياسة ترمب القائمة على «التهديدات الفجة وصلت إلى حدودها»، مضيفاً أن انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا «سيضعف الولايات المتحدة نفسها بشدة». ويعكس ذلك تحوّلاً في المزاج الأوروبي، فالعواصم التي اعتادت القلق من الانسحاب الأميركي باتت ترى أن واشنطن تستخدم أمنها الجماعي كرهينة سياسية، في وقت تتهم فيه أوروبا روسيا بالاستعداد لاحتمال تهديد أراضي «الناتو» في السنوات المقبلة.

وتزداد المفارقة أن تهديد ترمب جاء بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما سعى إلى تقليص وجود الناتو في أوروبا، كما تزامن مع اجتماعات لرئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير في واشنطن لبحث استراتيجية دفاعية ألمانية جديدة.

قيود الكونغرس

ورغم نبرة ترمب العالية، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام انسحاب سريع. فقانون الدفاع الذي أصبح نافذاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يمنع البنتاغون من خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً قبل تقييم الأخطار والتصديق على أن ذلك يخدم المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يمنح الكونغرس ورقة مهمة لكبح أي قرار متسرع، خصوصاً إذا بدا أقرب إلى عقوبة سياسية منه إلى إعادة تموضع استراتيجية.

الرئيس ترمب يتحدث إلى جنود في قاعدة فورت براغ بنورث كارولاينا يوم 10 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، بدت ردود الجمهوريين حذرة، حيث قال السيناتور كيفن كرامر إنه يحتاج إلى سماع المزيد عن الاستراتيجية خلف هذا التفكير، مشدداً على أن رامشتاين قاعدة «استراتيجية ومهمة». أما السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، فقال إنه لا يرى تحولاً فعلياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا، معتبراً أن الرئيس كان يرُدّ على تصريحات ألمانية، وأن الأهم هو النظر إلى «الأفعال» لا التعليقات العلنية.

ورغم أن البعض يرى أن ترمب يختبر مرة أخرى حدود العلاقة الأطلسية، لكن التساؤلات تتزايد عمّا إذا كانت القوات الأميركية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم تتحوّل إلى أداة مقايضة مرتبطة بمواقف الحكومات من حرب إيران؟ ومجرد طرح السؤال يُضعف صورة «الناتو»، ويمنح موسكو وطهران مادة دعائية ثمينة، ويفتح داخل واشنطن سجالاً مُكلفاً بين من يرى في التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، ومن يعتبره مقامرة قد تضُرّ بالقوة الأميركية بقدر ما تربك الحلفاء.