اقتصاد سياسي إقليمي جديد.. التحدي الذي يواجه الدول العربية

التخلف والفقر والبطالة والافتقار للحريات.. عوامل وفرت تربة للثورات الشعبية

* الرئيس التنفيذي لشركة «طموح» الاستشارية في دبي، الإمارات العربية المتحدة، والرئيس السابق للديوان الملكي الهاشمي، وهو وزير مالية سابق، ووزير سابق للتخطيط والتعاون الدولي
* الرئيس التنفيذي لشركة «طموح» الاستشارية في دبي، الإمارات العربية المتحدة، والرئيس السابق للديوان الملكي الهاشمي، وهو وزير مالية سابق، ووزير سابق للتخطيط والتعاون الدولي
TT

اقتصاد سياسي إقليمي جديد.. التحدي الذي يواجه الدول العربية

* الرئيس التنفيذي لشركة «طموح» الاستشارية في دبي، الإمارات العربية المتحدة، والرئيس السابق للديوان الملكي الهاشمي، وهو وزير مالية سابق، ووزير سابق للتخطيط والتعاون الدولي
* الرئيس التنفيذي لشركة «طموح» الاستشارية في دبي، الإمارات العربية المتحدة، والرئيس السابق للديوان الملكي الهاشمي، وهو وزير مالية سابق، ووزير سابق للتخطيط والتعاون الدولي

ثمة تغيرات غير مسبوقة تجتاح منطقة الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، لا يقتصر تأثيرها على تغيير الحدود الجغرافية لدول عربية يعود تاريخها إلى نهاية الحرب العالمية الأولى فحسب، وإنما تقوم أيضًا بإحداث تحولات في المشهد الاجتماعي والإنساني والسياسي والاقتصادي والأمني للمنطقة. وبات في حكم المؤكد أن تساهم هذه المستجدات، في إنشاء اقتصاد سياسي جديد للمنطقة، سيحدد علاقتها المستقبلية مع القوى العالمية، خاصة في ضوء تبدل موازين القوى السياسية، وتراجع الأهمية الاقتصادية للمنطقة العربية على الصعيد العالمي. كما ستؤثر هذه التغييرات أيضًا على السبل المتبعة من قبل دول المنطقة في مواجهة التحديات التي تهدد بقاءها من ناحية، وتؤثر على قدرتها على تحقيق الطموحات المتزايدة لشعوبها، من ناحية أخرى.
إن نظرة سريعة على الظروف الاجتماعية والاقتصادية في العديد من الدول العربية، تظهر بوضوح أنها لا تزال تعاني من تخلف في التنمية الإنسانية، وفقر وبطالة مزمنة ومتزايدة، وفجوات متسعة بين الأغنياء والفقراء، إلى جانب الافتقار للحريات السياسية، وغياب الأجندات الإصلاحية، وضعف الالتزام بمبادئ الحكم الرشيد والمساءلة والشفافية والمشاركة السياسية الشاملة، كلها عوامل وفرت تربة خصبة لقيام ثورات شعبية في العديد من الدول العربية منذ عام 2011. وقد أسفرت هذه الثورات عن تغيير النظام السياسي في عدد من الدول العربية، وأفضت إلى نشوب الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية في العديد من الدول الأخرى، نجم عنها خسارة مأساوية في الأرواح البشرية، وكثير من الألم والمعاناة الإنسانية، ونزوح وتهجير شامل ألمَّ بشعوب بأكملها، وضرر وتدمير هائلان لحقا بالبنية التحتية المادية. وقد فقد مئات الآلاف من الناس أرواحهم في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وجُرح كثيرون آخرون. كما أسفرت أعمال العنف أيضًا عن هجرات قسرية واسعة النطاق، فقد تشرد أكثر من 5.4 مليون عراقي منذ عام 2003، وفقًا للإحصاءات الرسمية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وبلغ عدد اللاجئين السوريين حتى الآن ما يقرب من 4 ملايين لاجئ (2.2 مليون لاجئ مسجلون في لبنان والأردن والعراق ومصر، و1.7 مليون آخرون مسجلون في تركيا).
بالإضافة إلى ذلك، أنتجت هذه الصراعات خسائر اقتصادية هائلة، تصل قيمتها إلى أكثر من 900 مليار دولار. فقد تراجع النمو الاقتصادي في الدول العربية من 5.9 في المائة خلال الفترة 2005 - 2010، إلى 3.5 في المائة خلال الفترة 2011 - 2014. وكان التراجع أكثر حدة في سوريا، حيث انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 5.1 في المائة إلى صفر في المائة. وفي لبنان، انخفض معدل النمو الاقتصادي من 6.9 في المائة إلى 1.4 في المائة، في حين شهد اليمن تراجعًا في نموه الاقتصادي خلال هذه الفترة من 4.6 إلى 0.2 في المائة. وفي سوريا، يعيش 45 في المائة من السكان تحت خط الفقر، في حين تشير التقديرات إلى أن معدل البطالة قد ارتفع إلى 39.4 في المائة. وحتى في تونس، والتي يمكن وصفها بالوليد الأكثر تفاؤلاً للربيع العربي، فقد ارتفع معدل البطالة فيها من 13.3 في المائة في عام 2010 ليصل إلى 16 في المائة في عام 2014. كما أن لاقتصاد الصراعات أبعادًا أخرى أيضًا، والتي تشكل الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية المادية، واحدًا منها. وكان حجم الدمار مذهلاً، وهو يشمل الطرق والجسور والمدارس ومحطات توليد الكهرباء وإمدادات المياه. ففي حين كانت المنطقة العربية تحتاج إلى استثمار في البنية التحتية بنحو 450 مليار دولار قبل الربيع العربي، ارتفع هذا المبلغ ليصل إلى أكثر من 700 مليار دولار حتى الآن. وبعد تدمير أكثر من 4000 مدرسة في سوريا، قدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) تكلفة إعادة الإعمار بما يقارب 200 مليار دولار.
وعندما نستعرض خريطة العالم العربي، فسنجد أن الكارثة السياسية والإنسانية التي حلت بالمنطقة مذهلة حقًا، حيث تشهد ليبيا واليمن وسوريا والعراق والسودان والصومال حروبًا أهلية وطائفية، في حين تواجه كل من تونس، ومصر، ولبنان والبحرين إما صراعات سياسية داخلية، أو تمر بمرحلة تحول سياسي أو ركود سلبي. وقد ساهم ضعف السيطرة الأمنية على الحدود التي تفصل بين سوريا والعراق، وسوريا ولبنان، وليبيا ومصر، وليبيا وتونس، والجزائر ومالي، في سيطرة الجماعات الإرهابية الساعية إلى السلطة، على مناطق بكاملها، وعلى مساحات شاسعة عبر الحدود الجغرافية بين الدول. ويأتي هذا كله على حساب نظام عربي سياسي واقتصادي واجتماعي متفكك. وقد عكس مؤتمر القمة العربية الذي عقد مؤخرًا في شرم الشيخ هذا الواقع، حتى إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حذّر القادة العرب في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر من أن الجامعة العربية أصبحت تحت خطر جدي بأن تصبح مجرد مجموعة من البلدان التي تشترك في نفس اللغة والتاريخ، ولكنها غير قادرة على التأثير في حاضرها، ناهيك بصياغة مستقبلها. وفي واقع الأمر، يتزايد استبدال الهويات القومية والإقليمية والوطنية الجامعة، بالهويات الفرعية الطائفية والمذهبية، كما كان الحال في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على الرغم من أن عدد السكان قد ازداد بمقدار عشرة أضعاف منذ تلك الفترة.
ومع وجود أكثر من 370 مليون عربي، غالبيتهم الساحقة تحت سن الثلاثين عامًا، تشهد الدول العربية صراعًا جيليًا من أجل الاندماج، حيث يتطلع الشباب إلى المشاركة والاستفادة من الفرص والقدرة على التحرك. وسوف تواجه الحكومات العربية التي تسعى إلى توفير الرفاه لشعوبها قيودًا مالية كبيرة، خاصة في ضوء ما تعانيه هذه الدول من محدودية في الموارد وضعف القدرة على استيعاب العدد المتزايد من المتعلمين العاطلين عن العمل في القطاع العام. وفي معظم الاقتصادات العربية، ظلت الدولة نمطيًا هي الفاعل الاقتصادي الأكثر أهمية، والذي يتفوق على جميع القطاعات الإنتاجية الأخرى. وهذا هو التحدي الرئيسي الثاني للاقتصاد السياسي الإقليمي المتغير. إنه السؤال الذي سوف تضطر معظم الحكومات إلى مواجهته، وبالتحديد: كيف يمكن الاستمرار في تمويل كلفة النظام الريعي، في ضوء انخفاض أسعار النفط وتزايد طموح الأجيال الشابة في إرساء عقد اجتماعي جديد يمكن أن يحرك عجلة التحول الاقتصادي والاجتماعي - وهو الهدف الذي فشل في تحقيقه نموذج التنمية العربي الحالي. وما زالت الاستراتيجية المؤسسية للتعامل مع الصدمات الاقتصادية والسياسية تعتمد حتى الآن على تأجيل وترحيل المشكلات والاكتفاء بالعلاقة الريعية المكلفة وغير القابلة للاستدامة. ولكن هذا لن يكون ممكنا في المستقبل لتزايد تكلفة الحفاظ على هذا الاستقرار الآني.
ومن جهة أخرى، فإن المتابع للتطورات التي تشهدها المنطقة يلحظ وجود تغييرين رئيسيين آخرين في المنطقة العربية؛ أولهما تراجع أهمية الموارد النفطية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة مع الاكتشافات الهائلة الجديدة للغاز الصخري الأميركي، والثاني يرتبط بالتحسن التدريجي المتوقع في العلاقات بين إيران والدول الغربية في أعقاب الاتفاق النووي، والذي سيساهم على الأرجح في التقليل من الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج العربية في حسابات المصالح الأميركية وتزايد تلك المرتبطة بدول أخرى مثل تركيا وإيران. فعند إعادة تحديد أولويات مصالحها الحيوية في المنطقة، فإن استقرار وأمن دول الخليج العربية، لن يحظى - في سلم أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة - بالمكانة الرفيعة التي كان يشغلها حتى الآن. وسيضطر صناع السياسة الأميركية إلى الاعتراف بأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في الاعتماد على شركاء وحلفاء في منطقة متفجرة سياسيًا وأمنيا. وإضافة إلى ذلك، ستصبح هذه التغييرات أكثر أهمية مع تزايد النفوذ الصيني عالميًا، وهو الأمر الذي سيجبر الولايات المتحدة على الحد من انخراطها في الخارج.
ينبغي الاعتراف بأن هذا الاقتصاد السياسي سريع التغير، يثير الكثير من الأسئلة حول مستقبل المنطقة. والسؤال الأهم هو الذي يتعلق بكيف سيؤثر عدم الاستقرار في المنطقة على الأمن العالمي. ولكن الأمر المهم بنفس المقدار، وقد يكون أكثر خطورة، هو الكيفية التي سيستطيع من خلالها مئات الملايين من الشباب العربي من تحقيق تطلعاتهم وأحلامهم في ظل هذا المستقبل الاقتصادي السياسي المليء بالتحديات. وتعتمد الإجابات عن هذه التساؤلات على طبيعة مسارات العمل التي ستقرر هذه البلدان اتخاذها، وماهية الاستراتيجيات البديلة التي ستتبناها القيادات العربية في أعقاب هذه التحولات الكبيرة في النظام الدولي، ومستوى الاستعداد للاستفادة من المشهد الاقتصادي السياسي المتغير في تحقيق صحوة عربية حقيقية. فهل ستقر القيادات العربية إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية وجدية؟ وهل ستنجح جهود الإصلاح في بناء تكتلات اقتصادية وتأسيس شراكات عربية، تكون بمثابة حاضنات لريادة الأعمال وخلق فرص العمل والنمو؟
لقد علمنا التاريخ أن قوة ومنعة واستدامة الدول تتطلب المرونة في مواقفها والسعي نحو التكيف مع المستجدات المحلية والعالمية. وسوف تكون الدول قوية فقط عندما تكون مرنة ومنفتحة وقادرة على مواكبة التغيرات في الوقت المناسب، وقد حان وقت العمل والتغيير، ولم تعد الدول تملك رفاهية الانتظار.



«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
TT

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي، حيث نجحت في خفض خسائرها المتراكمة لتستقر عند 658.4 مليون دولار (2.469 مليار ريال)، ما يمثل 14.77 في المائة فقط من رأسمالها الجديد. وبهذه الخطوة، تخرج الشركة رسمياً من نطاق تطبيق تعليمات هيئة السوق المالية الخاصة بالشركات التي تبلغ خسائرها 20 في المائة فأكثر.

هيكلة رأس المال: الأداة الحاسمة

وجاء هذا الانخفاض الملحوظ نتيجة تفعيل قرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في أواخر مارس (آذار) 2026، حيث أتمت الشركة عملية تخفيض رأسمالها من 5.86 مليار دولار (21.9 مليار ريال) إلى 4.45 مليار دولار (16.7 مليار ريال). وتمَّت هذه العملية عبر إطفاء خسائر بقيمة 1.4 مليار دولار (5.2 مليار ريال) من خلال شطب جزء من القيمة الاسمية لأسهم الفئة «أ».

أداء تشغيلي قوي... وأرباح قياسية

بالتوازي مع إعادة الهيكلة المالية، حقَّقت «بترورابغ» أداءً تشغيلياً لافتاً خلال الرُّبع المنتهي في 31 مارس 2026، حيث سجَّلت صافي ربح قدره 390.9 مليون دولار (1.466 مليار ريال). وعزت الشركة هذا النمو القوي إلى 3 عوامل رئيسية:

  • تحسن الأسواق: ارتفاع أسعار المنتجات المكررة عالمياً؛ مما انعكس إيجاباً على هوامش الربح.
  • الكفاءة التشغيلية: تعزيز موثوقية المصانع والأداء الإنتاجي.
  • التحرُّر من عبء الديون: انخفاض تكاليف التمويل بفضل السداد المبكر لقروض طويلة الأجل، والالتزام بجدولة المديونية، تزامناً مع بيئة أسعار فائدة منخفضة.

الخروج من «نطاق الرصد»

وأكدت الشركة، في بيانها، أنَّ المركز المالي الجديد، المدعوم بتقرير مراجع الحسابات الخارجي، يعفيها من المتطلبات النظامية الصارمة التي تفرضها المادة 132 من نظام الشركات على المنشآت ذات الخسائر المرتفعة. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول جوهرية للمستثمرين، حيث يعكس قدرة الشركة على استعادة توازنها المالي والتشغيلي في آن واحد، مستفيدةً من تحسُّن ظروف قطاع الطاقة العالمي، وكفاءة إدارتها الداخلية للموارد والديون.


«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية
TT

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي ضمن «رؤية 2030»، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزَّز قدرتها على المنافسة في اقتصادات المستقبل. وقد جاء هذا التحوُّل مدفوعاً بطموح وطني يستهدف تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الشباب، عبر بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار والبحث والتقنية.

حكومة بلا ورق

وفي إطار هذا التحوُّل، تبنَّت المملكة سياسة «حكومة بلا ورق»، التي هدفت إلى تسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية من خلال منصات رقمية مُوحَّدة تغطي مختلف القطاعات مثل العدل، والصحة، والسياحة، والاستثمار، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والعقار وغيرها. وأسهم هذا التوجه في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، وتمكين المستفيدين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة للحضور الشخصي، سواء أكانوا مواطنين، أم مقيمين، أم مستثمرين، أم زواراً، وفق ما جاء في التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025.

عرض تطبيق «بيم» الحكومي في «ملتقى الحكومة الرقمية» (الحكومة الرقمية)

برنامج «الحكومة الشاملة»

كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج «الحكومة الشاملة»، الذي جاء بهدف تسريع التحوُّل الرقمي ورفع مستوى التكامل بين الجهات الحكومية، وتقديم تجربة رقمية متكاملة تُبسّط رحلة المستفيد وترفع كفاءة استخدام الموارد الحكومية في الفضاء الرقمي.

وقد انعكس ذلك على عدد من النجاحات النوعية، من أبرزها منصة «بلدي» التي أسهمت في إغلاق 37 منصة حكومية بنسبة إنجاز تجاوزت 80 في المائة، إضافة إلى منصة «لوجستي» التي تُقدِّم أكثر من 200 خدمة، ومنصة «صحتي» التي تخدم أكثر من 30 مليون مستفيد.

مركز عالمي للذكاء الاصطناعي

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، رسَّخت المملكة مكانتها مركزاً عالمياً متقدماً، مستفيدةً من توفر الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، ما جعلها وجهةً جاذبةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد تمَّ إطلاق شركة «هيوماين» بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يهدف إلى توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم المحتوى العربي، إلى جانب تشغيل تطبيقات متقدمة في مراكز البيانات؛ ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدمام.

كما يجري الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الطلاب والمواهب الوطنية، بما يعزِّز جاهزية الأجيال القادمة.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

شركة هيوماين

وكان قد تمَّ إطلاق «هيوماين» في عام 2025 وهي تعمل على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة تشمل مساعداً عربياً ذكياً، ونماذج لغوية رائدة، ونظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إضافة إلى أجهزة وتقنيات مُطوَّرة داخل المملكة، تخدم مئات الآلاف من المستخدمين، حيث يتجاوز عدد المستخدمين النشطين 300 ألف مستخدم، وتمتد خدماتها إلى 5 أسواق مختلفة، مع دعم أكثر من 150 تطبيقاً وخدمة رقمية.

تحول القطاع العدلي الرقمي

وفي القطاع العدلي، شهدت الخدمات الرقمية نقلةً نوعيةً عبر تقديم أكثر من 160 خدمة إلكترونية وفَّرت نحو 90 مليون ورقة سنوياً، وأسهمت في الاستغناء عن 65 مليون زيارة، إلى جانب رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وتطبيق التقاضي الإلكتروني الذي أدى إلى خفض عُمر القضايا بنسبة 79 في المائة، مع إطلاق «المحكمة الافتراضية» و«كتابة العدل الافتراضية».

وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني خلال كلمته في الجلسة الوزارية بـ«ملتقى الحكومة الرقمية» (واس)

ويستند هذا التطوُّر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة وفضاء رقمي آمن وموثوق؛ ما جعل المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز تقديم الخدمات إلى تحسين تجربة المستخدم وإزالة التعقيد منها.

الاقتصاد الرقمي والمعرفي

وعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والمعرفي، رسَّخت المملكة مكانتها بوصفها أحد الاقتصادات الصاعدة بقوة في اقتصادات المستقبل، من خلال تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة، شملت تأسيس الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وتعزيز دور مراكز البحث والابتكار؛ مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست).

الأمن الرقمي

كما أُنشئ إطار وطني لتعزيز أمن الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، بما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الشركات التقنية، وتعزيز نمو الخدمات الرقمية. وقد جاء ذلك مدعوماً بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، إلى جانب مبادرات دولية مثل مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني؛ ما أسهم في تعزيز ريادة المملكة عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

جناح «سدايا» في معرض «ليب» (واس)

سوق الاقتصاد الرقمي

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التحوُّل، إذ بلغ حجم سوق الاقتصاد الرقمي في المملكة 745.98 مليار ريال (198.9 مليار دولار)، بينما وصل حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 199 مليار ريال، كما برزت شركات تقنية سعودية عدة لتصبح شركات مليارية، من بينها «نون»، و«برق»، و«جاهز»، و«نايس ون»، و«تمارا»، و«نينجا»، و«تابي»، في دلالة على نمو القطاع الرقمي وتسارع نضجه.

مراكز ريادية في المؤشرات العالمية

تعكس المؤشرات الدولية المُتقدِّمة المكانة التي حقَّقتها المملكة في المجال الرقمي والتقني، حيث جاءت الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، والأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثاني على التوالي وفقاً لتقرير التنافسية العالمية، كما تصدَّرت عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مؤشر «ستانفورد».

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» (واس)

وحلَّت السعودية الأولى عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

وعلى المستوى الإقليمي، جاءت المملكة في المرتبة الأولى في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي مع تحقيقها المركز الـ11 عالمياً، كما تصدَّرت إقليمياً في الحاسوب العملاق «شاهين 3» محتلة المرتبة الـ18 عالمياً.

وحلَّت المملكة الأولى إقليمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير «أوكسفورد إنسايتس».

وعلى صعيد المؤشرات العالمية، حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والثالثة عالمياً في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وكذلك الثالثة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، وفقاً لمؤشر ستانفورد، إلى جانب كونها ضمن 7 دول عالمياً نشرت نماذج ذكاء اصطناعي رائدة.

كما جاءت في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور تنظيمات قطاع الاتصالات والتقنية، والسادسة عالمياً في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، في حين حلَّت في المرتبة الـ20 عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتنمية المستدامة.


«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
TT

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

بخطى واثقة ورؤية استباقية، يقود صندوق الاستثمارات العامة رحلة التنويع الاقتصادي الكبرى، ليكون صانعاً للفرص ومعيداً لرسم خريطة الاستثمار الوطني. ومن خلال استراتيجيته الطموحة التي دخلت مرحلتها الثالثة عام 2026، نجح الصندوق في تأسيس منظومة متكاملة من الشركات والمشاريع الكبرى التي تمثل حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام. ولا يستهدف العمل الحالي النمو المالي فحسب، بل يسعى لتمكين القطاع الخاص وفتح آفاق غير مسبوقة للصناعات المتقدمة والبنية التحتية المتطورة.

الجذور والتحول التاريخي

منذ تأسيسه عام 1971، رسَّخ الصندوق مكانته كأحد أبرز المحركات الاستراتيجية في مسيرة التحول الاقتصادي في السعودية، عبر دعم التنمية الوطنية وتمويل المشروعات الكبرى وتأسيس شركات وطنية أسهمت في بناء قاعدة اقتصادية ممتدة لعقود.

ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل دور الصندوق من كيان تمويلي تقليدي إلى ذراع استثماري يقود التنويع الاقتصادي، ويعزز نمو القطاعات غير النفطية، ويعيد تشكيل خريطة الاستثمار من خلال شراكات محلية ودولية نوعية، جعلت منه أحد أهم أدوات المملكة في استقطاب الفرص وترسيخ حضورها الاقتصادي على المستوى العالمي.

مراحل التحوُّل الاستراتيجي

جاء عمل الصندوق في إطار «رؤية 2030» عبر ثلاث مراحل متتابعة اتسمت بالتكامل والتطور. امتدت المرحلة الأولى حتى عام 2020، وركزت على إعادة الهيكلة المؤسسية، وإدراج الصندوق ضمن برامج تحقيق الرؤية، إلى جانب إطلاق استراتيجية طموحة استهدفت تطوير عشرة قطاعات استراتيجية، مع تحديث الأطر التنظيمية لتعزيز كفاءة الاستثمار.

أما المرحلة الثانية، الممتدة بين عامي 2021 و2025، فقد شهدت توسعاً كبيراً في نطاق عمل الصندوق، حيث استهدف الاستثمار في 13 قطاعاً استراتيجياً، مع تسريع تنفيذ المشروعات الكبرى. وخلال هذه المرحلة برزت مشروعات نوعية مثل الدرعية، ووجهة البحر الأحمر، والقدية، التي أسهمت في تعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية للسياحة والاستثمار.

ومع دخول المرحلة الثالثة عام 2026، أعاد الصندوق تركيز استراتيجيته لتشمل ست قطاعات رئيسية، تشمل السياحة والسفر والترفيه، ⁠والتطوير العمراني ​والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية ​للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، ونيوم.

مع تعزيز دور القطاع الخاص في تشغيل المشروعات الكبرى والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتنامية، بما يعكس انتقالاً نحو نموذج اقتصادي أكثر نضجاً واستدامة.

نتائج اقتصادية ملموسة

أسفرت هذه المراحل عن نتائج اقتصادية بارزة، حيث تضاعف حجم الأصول تحت إدارة الصندوق بشكل كبير ليصل إلى 3.41 تريليون ريال (909.3 مليار دولار) في 2025، وارتفع الناتج المحلي غير النفطي إلى مستويات تاريخية، بلغت مساهمة الصندوق فيه نحو 10 في المائة. كما أسهم في توفير أكثر من مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة منذ عام 2018، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من المشاركة في مشروعات استراتيجية متنوعة.

مبادرة مستقبل الاستثمار

عزَّز صندوق الاستثمارات العامة حضوره على الساحة الدولية من خلال بناء شراكات استراتيجية واستقطاب رؤوس الأموال العالمية. كما أصبحت مبادرة مستقبل الاستثمار، التي أطلقها الصندوق، منصة دولية سنوية تجمع قادة الاقتصاد والمستثمرين والخبراء لمناقشة مستقبل الاستثمار والتحديات العالمية، مما جعلها أحد أبرز الأحداث الاقتصادية على مستوى العالم.

وقد ساهم هذا الحضور في ترسيخ مكانة المملكة كمركز مؤثِّر في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تعزيز قيمة العلامة التجارية للصندوق، التي أصبحت من بين الأسرع نمواً بين صناديق الثروة السيادية عالمياً، بفضل أدائه الاستثماري وتبنيه معايير الحوكمة والاستدامة.

افتتاح منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار (واس)

تمكين القطاع الخاص

أولى الصندوق اهتماماً كبيراً بتمكين القطاع الخاص، حيث عمل على خلق فرص استثمارية واسعة للشركات المحلية، بما في ذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال رفع نسبة المحتوى المحلي وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وأسهم ذلك في رفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى نحو 51 في المائة.

كما أطلق الصندوق مبادرات داعمة مثل منتدى القطاع الخاص، ومنصة القطاع الخاص، وبرامج تدريب وتأهيل مثل برنامج «مساهمة» ومسرعة الأعمال الصناعية وبرنامج «عزم»، مما ساعد في بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية واستدامة.

حضور في إحدى جلسات منتدى صندوق الاستثمارات العامة مع القطاع الخاص (الصندوق)

الاستدامة والاقتصاد الأخضر

اتجه الصندوق إلى تعزيز الاستدامة كجزء من استراتيجيته الاستثمارية، ليصبح من أوائل صناديق الثروة السيادية في إصدار السندات الخضراء. وبدأ هذا المسار منذ عام 2022 بإصدار أول سند أخضر، تبعه إصدار ثانٍ في 2023، ثم إصدار جديد في 2025.

وقد بلغت حصيلة هذه الإصدارات نحو 9 مليارات دولار، وُجِّهت إلى 91 مشروعاً بيئياً في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والمباني الخضراء، وإدارة المياه، بما يسهم في خفض الانبعاثات بنحو 10.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، دعماً لهدف الحياد الصفري.

البيئة الاستثمارية

شهدت البيئة الاستثمارية في المملكة تحوُّلاً جذرياً مع «رؤية 2030»، من خلال إصلاحات تنظيمية وتشريعية شملت نظام الاستثمار الجديد، ونظام الإفلاس، وبرنامج «تيسير»، وإنشاء المركز الوطني للتنافسية وهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وقد أسهم ذلك في تعزيز جاذبية المملكة الاستثمارية، وارتفاع قيمة الاستثمارات غير النفطية إلى نحو 797 مليار ريال (212.5 مليار دولار)، وزيادة مساهمة الاستثمار في الاقتصاد من 22 في المائة إلى 30 في المائة. كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمارات إلى 76 في المائة، ليصبح المحرك الأكبر للنمو الاقتصادي.

يواصل صندوق الاستثمارات العامة أداء دوره كمحرك رئيسي لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي، عبر قيادة التحوُّل نحو التنويع والاستدامة، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة استثمارية عالمية قادرة على المنافسة والتأثير في الاقتصاد الدولي.