الشيف شارل عازار: تحضير الحلوى أصعب من الموالح

حصد جوائز عالمية تقديرًا لأطباقه الحلوة

طبق يحمل اسم «قنبلة الحب»، الشيف شارل اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته، الشيف شارل عازار يحضر أطباق الحلوى بشغف
طبق يحمل اسم «قنبلة الحب»، الشيف شارل اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته، الشيف شارل عازار يحضر أطباق الحلوى بشغف
TT

الشيف شارل عازار: تحضير الحلوى أصعب من الموالح

طبق يحمل اسم «قنبلة الحب»، الشيف شارل اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته، الشيف شارل عازار يحضر أطباق الحلوى بشغف
طبق يحمل اسم «قنبلة الحب»، الشيف شارل اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته، الشيف شارل عازار يحضر أطباق الحلوى بشغف

دخوله عالم صنع الحلويات لم يأت بالصدفة، إذ يمكن القول بأن الشيف شارل عازار ولد وملعقة السكر في فمه، كون والديه كانا هما أيضا شغوفين بإعداد أطباق الطعام ولا سيما الحلويات منها.
«كنت ما زلت في الثانية عشرة من عمري عندما كنت أتسلل إلى مكتبة أبي في المنزل، وأتصفح كتب وصفات الطعام والحلويات. وكانت حلوى الـ(باتاشو) مع الكريمة أول نوع حلويات أعدّه وأقدمه مفاجأة لوالدتي». هكذا يصف الشيف شارل بدايات تلمسه هواية صنع الحلوى. وعندما تتحدث معه لا يمكنك إلا أن تنال حصتك من السكر زيادة الذي يغلف كلامه، خصوصا وهو يشرح لك كيفية إعداد حلوى معينة، فيسيل لعابك لمجرد وصفها لك وبالتفاصيل الدقيقة، فشغفه لهذه المهنة التي تسيطر على حواسه الخمس تمكنت حتى من التحكم بقدره المهني.
اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته والباتيسري الفرنسية، إلا أن العلم الأكاديمي والأوزان بالغرامات، تجدهما نافرين في حديثه معك عندما يشرح لك أصول وقواعد هاتين الصناعتين وغيرهما من الأصناف التي تتألف منها لائحة الحلويات العربية والفرنسية معا. قد يكون الشيف شارل عازار الوحيد من بين زملائه في لبنان والعالم العربي الذي استطاع، أن يحقق النجاح تلو الآخر محليا وعالميا من خلال تميزه في إعداد الباتيسري الفرنسية. وعندما نذكر هذا المجال في إعداد الحلويات لا بد وأن نشير، إلى أن الشيف شارل كان المبادر لإحراز الفرق فيه. عن أي فرق نتحدث؟ هو ذلك الخيط الرفيع الذي أمسك به بجدارة، بحيث ابتكر حلويات فرنسية بطعمات لبنانية، مستوحيا مكوناتها من جذوره وهويته اللبنانيين. «لقد أخذت على عاتقي أن أنشر ثقافتي اللبنانية في إعداد الحلوى في بقاع الدنيا، فابتكرت منها ما نسميه في لغتنا المهنية بالـ«revisitee»، وحصدت جوائز عدة فوضعت لبنان على خريطة العالمية في هذا المجال». يقول الشيف شارل عازار في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
فهو من ابتكر قالب حلوى الـ«شيز كيك» بالبقلاوة، و«العثمليّة» مع الكريمة المحروقة (crème brulee)، والـ«ماكارون» بالتمر. ولم يبخل الشيف شارل بتزويد مطبخ الحلويات العالمية بأفكاره الخارجة عن المألوف، فلم يكن قد تجاوز بعد الـ25 عاما، عندما حصد 8 ميداليات ذهبية في عالم الباتيسري ضمن بطولات عالمية ومحلية. ففي مسابقة «بطولة العالم في الحلويات» (coupe du monde de la patisserie) حاز على ثلاث جوائز قيمة، بينها تلك التي وضعت لبنان في المرتبة الخامسة عالميا في هذا المجال عام 2005، وأخرى حقق فيها جائزة «أفضل فريق» مشارك في نفس المسابقة عام 2003. كما نال جائزة «الامتنان والتقدير» من قبل لجنة الحكم المشرفة على هذه البطولة أيضا في عام 2009. ومن الجوائز الأخرى التي حصدها واحدة في أمستردام (هولندا) عام 2004 وثلاث توزعت ما بين «اوريكا» لبنان والأردن والكويت في عام 2011. كما شارك في صالونات عدة للحلويات شملت إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وغيرها. «لقد شاركت في هذه المسابقات كـ(شيف) أحيانا وكرئيس ومدرب لفريق مشارك أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين كانت سعادتي لا توصف بما استطعت إهداءه لبلدي لبنان». هكذا يلخص الشيف شارل عازار اعتزازه بلبنانيته هو الذي صار يركن إليه في لجان تحكيمية عالمية، ويضيف: «ارتكزت مرات إلى أفكار شرقية بامتياز فترجمتها مثلا في مجسّمات الثلج والشوكولاته التي أعددتها، وشاركت من خلالها ضمن «البطولة العالمية للحلويات» في مدينة ليون الفرنسية فحملت اسمَي «شهريار وشهرزاد»، أو تلك التي استوحيتها من بلادي عام 2009 وأسميتها «طائر الفينيق»، وكانت كناية عن طير كبير الحجم مصنوع من الشوكولاته اللماعة، ملقي عند أسفله طير أسود صغير من نفس النوع، للدلالة على الأسطورة الشهيرة لطير الفينيق الذي انبعث إلى الحياة بعد أن انتفض من الموت». شغوف الشيف شارل عازار بمهنته إلى حد الذوبان كما يقول، ولذلك فهو يؤكّد أن «الشغف الذي يسكن أي مهنة نزاولها هو أساس نجاحنا فيها».
ولكن ما القاعدة الذهبية التي في استطاعته تزويد ربة المنزل العربية بها، لتحقيق النجاح في مطبخها في إطار إعداد الحلويات؟ يرد: «كل ما في الأمر هو التقيد بمعايير الوصفات كما هي دون زيادة أو نقصان، فصناعة الحلويات برأيي هي أصعب من تلك الخاصة بإعداد الطعام، والتي في إمكاننا أن نسمح لأنفسنا بزيادة رشة بهار أو ملح أو ملعقة زيت وما شابه من مكونات تتألف منها ولا تحدث فرقا كبيرا في طعمها، وهذا الأمر لا يمكن تطبيقه في صناعة الحلوى. كما أنه على ربة المنزل أن تستخدم حواسها الخمس في صناعاتها هذه، وأن تتخلى عن التقليد القديم السائد عامة في مطبخ جداتنا والمعروف بـ(عالبركة)، (أي العمل دون التقيد بقواعد معينة)، لأنه أحيانا يساهم في نجاح الوصفة، ولكنه أحيانا أخرى يقضي تماما على قالب الحلوى الذي نحضره فلماذا نخاطر بها؟»
وخلال حديثك مع الشيف شارل عازار لا بد وأن تغب من خبرته بصورة مباشرة، فتتعلم بعض المهارات التي تصب في مصلحة ما تعده حتى لو كان كوبا من الشاي.
«عندما نضع مغلف الشاي في كوب من المياه الساخن، انتبهي لخطأ شائع يقوم به كثر، ألا وهو لف المغلف على الملعقة وعصره. فهذا الأمر سيزيد طعم الشاي مرارة كون (تفل) الشاي ينزل مباشرة في الكوب فيغير من طعمه».
أما بالنسبة للقضاء على رائحة «الزنخة» التي يتسبب فيها البيض عادة فيقول: «طبعا في استطاعتنا أن نحل الأمر برشة من الفانيليا أو برش الليمون الحامض ولكن الأهم هو التخلص من تلك الخيوط البيضاء اللزجة التي تربط ما بين زلال البيض وصفاره».
وعن أفضل طريقة تخولك صناعة قالب من الـ«كيك» بطريقة ناجحة يقول: «القاعدة تقضي بخفق البيض مع السكر حتى يصبح حجم الخليط أكبر بثلاث مرات، إضافة إلى فرز الطحين بواسطة المنخل وسكبها بتروٍ وحنان على ذلك الخليط. وأخيرا ترك فقاعات الهواء التي قد نلاحظها في عجينة الـ(كيك) كما هي، لأنها بمثابة الخميرة التي ترفع بالقالب إلى الأعلى فينتفخ بشكل أفضل».
لعبت موهبة الشيف شارل دورها في تحديد مصيره المهني، فهو عندما قرر الانتساب إلى المدرسة الحربية في التسعينات كان لاندلاع الحرب تأثيرها في وجهته الدراسية، يومها أقفلت المدرسة تلك أبوابها فاضطر أن يتوجه إلى دراسة من نوع آخر، فاختار الطعام ليكون ملاذه. فالهواية حسب رأيه يمكن أن تتحول إلى مهنة، أليس هذا ما يحصل مع الرسام والنحات والمغني؟
وسألت الشيف شارل عازار: «هل من السهل أن تعطي وصفة من وصفاتك؟» فأجاب: «طبعا فهذا يندرج من ضمن عملي، ولكن برأيي ليست الوصفة فقط هي التي تحرز الفرق، بل ما نسميه في مهنتنا الـ(tour du main)، تماما كالـ(نَفَس) الذي نستعمله للثناء على طعام أحدهم بتعبيرنا الشعبي، فنقول (نَفَسه طيّب). ففي إمكاني إعطاء 10 وصفات مرة واحدة لأحدهم، ولكن من سيطبقها عليه أن يقرأ أفكاري لتكون شبيهة بتلك التي أصنعها شخصيا، وهذا ما أسميه الخبرة والإمكانيات والتي تولد منها (ضربة المعلم) إذا ما أمكننا القول. فعندما أعمل يكون تركيزي حاضرا بنسبة عالية فأسمع صوت الخليط وأرى شكله، وأشتم رائحته وأتحسس ملمسه وأتذوق طعمه، فهي خلطة مكونة من موهبة وإحساس والحواس الخمس مجتمعة لذلك أقول إن سري يكمن في فكري».
من الممكن القول إن من يعمل في صناعة الحلويات صاحب مهنة مشبعة بالفرح، وفيها كثير من حلاوة السكر، كون الحلويات تعني المناسبة الجميلة والابتسامة والألوان وسعادة الأطفال. فهل هذا الأمر ينعكس إيجابا عليه في الواقع فيتعامل مع الناس بسكّر زيادة؟ يرد الشيف شارل الذي يعلّم مادة «تقنية الباتيسري» وكيفية إعداد الغذاء لطلاب الفندقية في جامعة القديس يوسف: «لا أحب أن أفلسف الأمور ولكن برأيي أن ذلك يعود إلى شخصية من يعمل في هذا المجال، فلكل منا طبعه وشخصيته، ولكل منا نجاحاته ومقدرته في مهنته، فقد لا أكون أفضل من غيري أو أهم ولكني قريب من الناس وأحتفظ بقدمي على الأرض. ولكن الحلويات بشكل عام عالم مضاء بالفرح وهذا ما أضيفه إلى وصفاتي أثناء إعدادي لها».
ورغم أن صناعة الحلويات تستند إلى مادة السكر، المعروفة في لغة الطب بالسم الأبيض تماما كما الملح، فإن الشيف شارل لديه أسلوبه في هذا الصدد الذي يشرح عنه بالقول: «أحاول أن أستخدم دائما السكر الأسمر لأنه لا يخضع لعملية التكرير، كما أنني أبدله بالدبس والطحينة مرات وبالعسل إذا لزم الأمر، فقاعدة «السكر قليل» وبكميات معقولة من شأنها أن تمثل الأسلوب الأفضل للابتعاد قدر الإمكان عن أضرار السكر عامة». أما الألوان التي تتزين بها قوالب الحلوى لدى الشيف شارل عازار فهي تتبع الموضة العالمية ويعلق عليها بالقول: «إننا نلحق بموضة الألوان الرائجة في تصاميم أهم دور الأزياء في العالم. فإذا كان الأخضر أو الأصفر أو الأسود والأبيض هي الرائجة، فنحن في عالم الحلوى نتبعها أيضا في أعمالنا». ويضيف: «هذه السنة مثلا ترتكز ابتكاراتنا على ألوان الزهري والبنفسجي والمطعمة بالفضي والذهبي المتلألئين. وهنا أنصح من لا يحب تناول هذه التغليفات الملونة والتي عادة ما تشكل حافزا لجذب الأطفال، إنه في استطاعته نزعها عن الحلوى ووضعها جانبا ليتلذذ بطعم الحلوى كما هي». ويؤكد في هذا الإطار على أن أي طبق نقدمه يجب أن يتمتع بالشكل الجميل الذي يشكل 60 في المائة من نجاحه، فيما أن طعمه يحوز على 40 في المائة من هذه المعادلة المعترف بها عالميا.
انتهى حديثي مع الشيف شارل عازار والذي ساده طعم من الحلاوة المترفة، فهو أكد لي أكثر من مرة بأن موهبته تكمن في الاطلاع على الحضارات، التي بحث في تاريخها. هذا الأمر زوّده بثقافة كبيرة، خصوصا وأنه حصل على قسم كبير من خبرته من خلال تنقلاته الكثيفة في أرجاء العالم مما ساهم في بريقه وشهرته، هو الذي يطل أسبوعيا في برنامج تلفزيوني على قناة الـ«إم تي في» في فقرة «ويل دون». ويرى أن الحلويات الشرقية واسعة الآفاق، وأنها أحيانا تنبع من بلاد الأتراك أو اليونان والأرمن، أما الباتيسري الفرنسية فهي متربعة على عرش الحلويات العالمية منذ حقبات عدة ولذلك أمعن في دراستها حتى أصبح من عداد الأمهر في تحضيرها عالميا. أما أحلامه فيختصرها بافتتاح أكاديمية خاصة به لتعليم أصول صناعة الحلويات لمن يهمه الأمر، ولا سيما لربات المنازل والفتيات اللاتي يهوين هذا العلم.



الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)