الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الفوز بالمقعد الرئاسي أو البرلماني ليس مهمًا.. لكن المهم كان إقناع الناخبين بالتوجه الى صناديق الاقتراع

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة
TT

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

لعلها الأغرب بين الانتخابات السودانية منذ الاستقلال، ولعلها في العالم كذلك، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي بدأت في السودان الاثنين الماضي، ويتوقع أن تعلن نتائجها الأولية في السابع والعشرين من الشهر الحالي، تحمل صفة «انتخابات غريبة» بكل ما تعنيه المفردة من دلالات.
ومصدر الغرابة ـــ وربما الدهشة - أن الفائز بمنصب الرئيس ليس مهمًا، والفوز بمقعد برلماني أو محلي ليس مهمًا أيضًا، المهم في هذه المباراة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة له هو المنافسة على جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ونسبة المشاركة من جملة عدد الذين يحق لهم الاقتراع.

يحرص الحزب الحاكم على بذل جهوده كافة لجلب المقترعين، فيما تبذل أحزاب المعارضة مجتمعة جهدها لتحريضهم على المقاطعة، وكلا طرفي النقيض يحاول تحويلها إلى «استفتاء» على شعبية حكم الرئيس البشير، رغم يقين كلا الطرفين بأن نتائجها محسومة سلفا. تقاطعها المعارضة بكل أحزابها وتنظيماتها المدنية والمسلحة، ومنظمات مجتمع مدني، وترى فيها مجرد إهدار للمال والوقت، وتضييع لفرصة «تاريخية» أتيحت للسودانيين للاتفاق سلميا على «كيفية حكم السودان»، وبديلا عن المشاركة تتبنى «حملة ارحل»، التي تدعو إلى المقاطعة التي تعتبرها دفعة قوية للعمل المناوئ للنظام الحاكم باتجاه إسقاطه بثورة شعبية. فيما يعتبرها الحزب الحاكم «استحقاقا دستوريا» غير قابل للإرجاء، وينظر شذرا لمناوئيه وابتسامة «صفراء» تلوح في وجهوه مؤيديه، كأنها تقول «هذه لعبة قديمة العبوا غيرها»، بيد أنه ينظر بذات القدر إلى مراكز الاقتراع بحذر شديد خشية من العزوف الشعبي بين جمهور المقترعين. فالحزب الحاكم رغم أنه يضمن «النتيجة في جيبه»، وأن مرشحه أو مرشحيه فائزون مهما كانت نسبة المشاركة، فهو يخشى أن «يكسره نفسيا» الإحساس بضعف شعبيته وتراجعها، بما يؤذن بنهاية حكمه الذي امتد منذ يونيو (حزيران) 1989.
سجلت نسب الاقتراع في اليوم الأول ضعفا لافتا، وكذا يومه الثاني، ولم يقبل الناخبون على مراكز الاقتراع بالحجم الذي يرغبه الحزب الحاكم، أو حتى يقاربه، رغم العطلة التي منحتها حكومته بمناسبة الانتخابات، وحاول مسؤولون بارزون فيه الحشد، بل إن أجهزة الإعلام والصحف الموالية له أو المسيطر عليها أمنيا خرجت للناس لتطالبهم بتصديق عكس ما رأته عيونهم، وما لمسوه بأيديهم.
فرحت المعارضة بتلكؤ جمهور المقترعين في الطريق إلى مراكز الاقتراع في اليوم الأول، واعتبرته نجاحًا أوليًا لحملتها «ارحل»، بيد أن محللين محايدين يرجعون ضعف الإقبال إلى حالة «اليأس العميم» التي يعيشها السودانيون بسبب الضيق الذي يعانونه، والحروب المتطاولة، والظلم الذي يتعرضون له، والكبت الذي يواجهون، وكونهم في الوقت ذاته لا يرون ضوءًا في آخر نفق المعارضة.
ولا تكمن غرابة هذه الانتخابات فقط في كون نتيجتها محسومة سلفًا، وغير مهم فيها الفائز، بل في طريقتها، وفي القوى المشاركة والمقاطعة لها، وإقبال الناخبين عليها أيضًا.
وكان رئيس المفوضية القومية - وهي الجهة الفنية المنوط بها تنظيم الانتخابات وإجراؤها - مختار الأصم، قبل ثلاثة أيام من إعلان الصمت الانتخابي، قد ذكر في مؤتمر صحافي أن مفوضيته قررت تعطيل الانتخابات في 7 دوائر انتخابية في ولاية جنوب كردفان التي تشهد حربًا بين متمردي الجبهة الثورية والجيش الحكومي منذ 2011، لأسباب أمنية، على أن تجري فيها الانتخابات في وقت لاحق، بيد أنه قلل من الأمر بقوله: «هذا أقل عدد من الدوائر يتم تأجيل الانتخابات فيه منذ أول انتخابات أجريت في البلاد».
ويتنافس 16 مرشحًا رئاسيًا على منصب رئيس الجمهورية، و1072 مرشحًا على مقاعد البرلمان الوطني البالغة 425 مقعدًا، وأكثر من 7 آلاف مرشح على المجالس التشريعية للولايات البالغ عدد مقاعدها 2235 مقعدًا، ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في السجل الدائم للانتخابات 13.3 مليون ناخب.
وتجري عملية الاقتراع وفق طريقة معقدة خاصة في مجتمع به نسبة عالية من الأمية، إذ يؤشر الناخب الواحد على سبع بطاقات انتخابية، الأولى منها لانتخابات رئيس الجمهورية، وثلاث للبرلمان، واحدة حسب الدوائر الجغرافية والدوائر الحزبية التي يتم فيها اختيار حزب، ثم دائرة المرأة التي منحت وفقا للقانون حصة قدرها 30 في المائة من جملة أعداد البرلمانيين.
ولا يعد الإقبال على المشاركة مهمًا في حد ذاته لأن قانون الانتخابات لا يحدد «نصابًا» معينًا تكون الانتخابات شرعية بموجبه. وقال الأصم إن المعدل العالمي للمشاركة في الانتخابات يتراوح بين 15 و45 في المائة، بل إن من يحصل على «50 في المائة + 1» من أصوات الذين اقترعوا سيكون هو الفائز بالرئاسة، فيما يكون الحزب أو النائب الحاصل على أعلى الأصوات هو الفائز بالمقعد النيابي.
وتقول المفوضية إنها ستعلن النتيجة الأولية في 27 من أبريل (نيسان) الحالي تكشف فيها عن اسم المرشح الرئاسي الفائز، والفائزين بالمقاعد النيابية، ولا يحدد يوم أو مكان للفرز، بل يبدأ الفرز في اللجنة الانتخابية فور نهاية أيام الاقتراع. وحسب الجداول المعلنة فإنه سيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع عشية اليوم الأربعاء 15 الحالي.
وتقاطع قوى المعارضة الرئيسة الانتخابات، وتنشط في دعوة المواطنين لمقاطعتها تحت لافتة حملة «ارحل» التي تطالب برحيل الرئيس الحالي عمر البشير، بعد أن طالبت مرارا بتأجيلها من أجل الحوار الوطني وتكوين حكومة انتقالية تعد لانتخابات حرة ونزيهة، بيد أن حزب الرئيس البشير يصر على عقدها في مواعيدها باعتبارها استحقاقًا دستوريًا.
وتعتبر أحزاب المعارضة والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية»، إجراء الانتخابات مجرد «إلهاء» للمواطنين والمعارضة والمجتمع الدولي، ليكسب من خلالها حزب المؤتمر الوطني الحاكم دورة رئاسية جديدة عمرها 5 سنوات لن يحصل عليها حال إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولم تعلن منظمات مجتمع مدني دولية ذات موثوقية وخبر - مثل مركز كارتر - عن رغبتها في مراقبة الانتخابات السودانية، مثلما فعلت في انتخابات عام 2010، بيد أن رئيس المفوضية قلل من الأمر بقوله: «القول إن الرقابة الخارجية هي التي تؤكد نزاهة الانتخابات استغلال لعقل الشعب، وما حدث من رقابة في الانتخابات الماضية حدث نادر، أطلقته ظروف العالم، والجهات التي تريد شيئًا في جنوب السودان، فأتت 23 دولة لتراقب تلك الانتخابات». وأضاف «روج البعض أن مركز كارتر قاطع الانتخابات، في الوقت الذي أعلن فيه المركز عن إفلاسه المادي، لكن لدينا أكثر من جهة أبدت رغبتها في مراقبة الانتخابات، لكن عليها أن تعلم أن المفوضية لن تدفع لها فلسًا واحدًا، لكن لن تمنعها عن المراقبة».
وبينما عبرت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وأميركا عن رفضها المسبق لنتيجة هذه الانتخابات، ورفضت تمويلها ومراقبتها، سجل ممثلون عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والصين وروسيا حضورا باعتبارهم مراقبين للانتخابات، بجانب 37 منظمة مجتمع مدني محلية.
ولا تعتبر المعارضة هذه الرقابة جدية، وترى أن وجود الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية ليس كافيا للرقابة، وأن منظمات المجتمع المدني المحلية منظمات موالية للحكومة وحزبها الحاكم، وتوضح أن منظمات المجتمع المدني المستقلة تم حلها ومنعها عن العمل بقرارات من جهاز الأمن.
ويتنافس 16 مرشحا على الرئاسة ينتمي بعضهم لأحزاب صغيرة أو حديثة أو مستقلين، ويرى المراقبون أن حظوظهم في الفوز بمقعد الرئاسة ضعيفة ما عدا مرشح حزب المؤتمر الوطني الحاكم الرئيس الحالي عمر البشير، الذي نظم حملات انتخابية في معظم مدن وأنحاء البلاد، في الوقت الذي فشل فيه منافسوه في تنظيم حملات انتخابية بسبب التمويل.
كما يتنافس 44 حزبا على مقاعد البرلمان والمجالس التشريعية، ومقاعد المرأة ومقاعد التمثيل النسبي الحزبية، ويتوقع أن يكتسحها الحزب الحاكم عدا الدوائر الانتخابية التي تنازل عنها طواعية لبعض مشاركيه في الانتخابات.
ويعد حزب المؤتمر الوطني، وهو حزب الحركة الإسلامية - التسمية السودانية لـ«الإخوان المسلمين» - الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري نفذه موالون له في الجيش ومدنيون على رأسهم عمر البشير في 1989، الحزب صاحب الحظ الأوفر في الفوز، لأنه يسيطر على الدولة والمال، وتعتقد المعارضة أنه يسخر إمكانيات الدولة لصالحه، في ظل الإضعاف المتعمد والتفتيت الذي مارسته سلطة الإنقاذ الوطني على الأحزاب المعارضة.
ولا يكتفي الحزب الحاكم – حسب وجهة نظر المعارضة – بالاتهامات التي تُوجه له، فهو يستعين بحلفاء من أحزاب منشقة عن أحزاب معارضة، أو انشقاقات لأحزاب مشاركة، وأبرز هؤلاء الحلفاء «الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، وهو من أكبر الأحزاب السودانية، ونال ثاني أكبر كتلة برلمانية في انتخابات 1986، بيد أنه يعاني من انشقاقات تفاقمت بعد رفض رئيسه محمد عثمان الميرغني المشاركة بالحكومة منذ نهاية 2011، الأمر الذي ترفضه معظم قيادات الحزب وقواعده.
ويستند الميرغني إلى «الطريقة الختمية»، وهو مرشدها الروحي، وهي إحدى أكبر الطرق الصوفية في البلاد، والحزب عبارة عن تحالف تكون منذ استقلال البلاد بين مؤيدي الطائفة ومجموعات مؤيدين ومثقفين ورجال أعمال. وهناك حزب آخر يحمل الاسم ذاته «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، ويقوده مساعد الرئيس البشير جلال الدقير الحالي، وهو منشق عن حزب الميرغني - حتى حلفاؤه تعرضوا للتفتيت - إضافة إلى تشكيلة من أحزاب الأمة: «الأمة الوطني» ويقوده عبد الله مسار، و«الأمة الفيدرالي» برئاسة بابكر نهار، و«الأمة - القيادة الجماعية»، برئاسة الصادق الهادي، وهي أحزاب منشقة عن أكبر أحزاب المعارضة «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي. وإلى جانب هذه الأحزاب تجلس مجموعة أحزاب صغيرة وحديثة منها «الحقيقة الفيدرالي»، ويقوده المرشح الرئاسي فضل السيد شعيب، و«الاتحاد الاشتراكي» وهو حزب الرئيس الأسبق جعفر النميري وتترأسه المرأة الوحيدة المرشحة للرئاسة من 16 مرشحا رئاسيا د.فاطمة عبد المحمود.
ويتنافس حلفاء الحزب الحاكم على عضوية البرلمان والمجالس المحلية، لكنهم يساندون الرئيس البشير، ويدعمون ترشيحه للفوز بدورة رئاسية جديدة، تطيل سنين حكمه إلى 31 عاما.
وعلى مستوى الرئاسة ينافس الرئيس البشير كل من فضل السيد شعيب، وفاطمة عبد المحمود، وعبد المحمود عبد الجبار رحمة الله «حزب اتحاد قوى الأمة»، ومحمد الحسن محمد الحسن «حزب الإصلاح الوطني»، وياسر يحيى صالح عبد القادر «حزب العدالة»، و10 مرشحين مستقلين، بيد أنهم جميعا لا يعدون منافسين جديين للرئيس البشير، لأنهم إما شخصيات غير معروفة ومغمورة، أو ينتمون لأحزاب حديثة النشأة أو منشقة عن أحزاب قائمة، مما يجعل المعارضة تصفهم بأنهم «مجرد ديكور» يرقص على البشير رقصة الفوز.
وتقع على الجانب الآخر من اللعبة الانتخابية - المقاطعة - كل من «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب أطاح به الرئيس البشير في انقلاب 1989.
وحزب الأمة مثله مثل الاتحادي الديمقراطي يعد واجهة سياسية لـ«طائفة الأنصار» أكبر الطوائف الدينية، والتي تأسست أيام الثورة المهدية، كما أن هناك الحزب الشيوعي الذي يعد أحد أعرق الأحزاب الشيوعية في الإقليم، وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني، وهي التي يطلق عليها مجموعة الأحزاب اليسارية الديمقراطية والتي تحظى بتأييد معقول بين الطبقة الوسطى والطلاب والشباب والمهنيين والعمال. كما تقاطع الانتخابات حركات التمرد المسلحة، وهي 4 حركات تخوض حربًا منذ عام 2003 ضد الحكومة في 8 ولايات من بين ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، ثلاث من هذه الحركات دارفورية، وهي «حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السودان - مناوي، حركة تحرير السودان - عبد الواحد»، ورابعتها هي الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال بقيادة مالك عقار، وتنضوي جميعها في تحالف سياسي وعسكري أطلقت عليه اسم «الجبهة الثورية».
وطالبت القوى المقاطعة المدنية والمسلحة بتأجيل الانتخابات كشرط لمشاركتها في الحوار الوطني، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين حكومة انتقالية تشرف على إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات نزيهة.
ورفض حزب الرئيس البشير تأجيل الانتخابات باعتبارها «استحقاقا دستوريا» لا يقبل التأجيل، ويرى في مطالب المعارضة تعبيرا عن عدم امتلاكها لسند شعبي يمكنها من المنافسة في الانتخابات، ولهذا مضى قدمًا وهو يضمن الفوز الميكانيكي، لكنه يخشى السقوط في استفتاء الشعبية.
وبمواجهة هذا الرفض من قبل الرئيس البشير وحزبه، وقعت أحزاب المعارضة المدنية والمسلحة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفاقا أطلقت عليه «نداء السودان»، للإطاحة بنظامه عبر انتفاضة شعبية. وفي تطور لاحق، أعلنت هذه الأحزاب مجتمعة عن حملة «ارحل»، وتدعو من خلالها لمقاطعة الانتخابات للتشكيك في شعبية النظام وجماهيريته في المدن والمناطق التي تشهد عزوفا، فيما قطعت الحركات المسلحة على نفسها عهدًا بمنع قيام الانتخابات في المناطق التي تقاتل فيها.
كما يقاطع كل من حزبي المؤتمر الشعبي ويتزعمه عراب الإسلاميين حسن الترابي، وحركة الإصلاح الآن بقيادة الإسلامي المنشق غازي صلاح الدين العتباني، على الرغم من مشاركتها في الحوار الوطني الداخلي الذي دعا له النظام ضمن آلية الحوار الوطني، ولجنتها المعروفة بـ«7+7». ويتبنى كل من الرجلين اللذين خرجا من حزب البشير مقاطعته الخاصة للانتخابات.
ولقيت الدعوة للحوار الوطني والحل السلمي التفاوضي للأزمة السودانية قبولا دوليا وإقليميا واسعا، بيد أنها تعثرت، مما استدعى تدخل لجنة وساطة تابعة للاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن جهود مبيكي فشلت في إجلاس الطرفين إلى مقعد التفاوض في بداية الشهر الحالي وقبل الانتخابات، وهو الأمر الذي عده الغربيون حرصًا على الحوار من قبل المعارضين، واعتبرته الخرطوم دعمًا معنويًا للتمرد والإرهاب.
وبإجراء الانتخابات تكون عملية الحوار الوطني قد دخلت في نفق مسدود، على الرغم من إعلان حزب الرئيس البشير أنه سيستمر فيه بعد الانتخابات. لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري الدكتور حمد عمر حاوي يقول: «لا يوجد شخص عاقل يمكن أن يتصور أن تقود هذه الانتخابات إلى تغيير حقيقي». ويؤكد الدكتور حاوي في إفادته للصحيفة أن الانتخابات أصلا عملية لإثبات الشرعية، وأن من يكسب شرعية انتخابية لا يمكنه أن يتحدث عن شرعية أخرى، وإلا فإن ذلك يعد «خيانة للشعب».
ويوضح الدكتور حاوي أن نتيجة الانتخابات ستفرز تعقيدات جديدة، تتمثل في الترضيات المطلوبة وتقاسم «كعكة السلطة» بين 44 حزبًا، ويضيف «ستكون سلطة موازنات بيد حزب مهيمن، مما يزيد من أزمة الموارد والصرف على جهاز الدولة». ويؤكد حاوي أن الخياران المتاحان هما الانتخابات أو الحوار، فاختارت الحكومة الانتخابات، وأن من يحصل على شرعية انتخابية لا يملك الحق عن التراجع عنها، باعتبارها تفويضًا شعبيًا وفق برامج محددة، ولا يمكن التنازل عنه، وأن التنازل في مثل هذه الظروف يعد خيانة للناخبين الذين ذهبوا لصناديق الاقتراع. ويضيف: «أما الزعم بأن الحوار سيبدأ بعد الانتخابات فهذا تناقض، فلو كانت الحكومة تريد الحوار ما كان عليها أن تحاول كسب شرعية انتخابية، أما بعد اختيارها لشرعية الانتخابات فليس بمقدورها الدخول في حوار، وهذا التناقض لا يحدث إلا في السودان بلد المتناقضات».
وفي تحليله للانتخابات وفقا لما أنجز منها، يرى الدكتور حاوي أن الآليات المحركة لها «آليات قبلية ومناطقية» في الأرياف، ولا يحركها برنامج أو حزب، مما يخلق شكلاً من أشكال الإقبال في الولايات، أما في المدن ومناطق الوعي فيقل فيها الإقبال على الاقتراع.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.