13 مليون سوداني يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد

انتخابات تقاطعها قوى المعارضة الرئيسية ومنظمات المجتمع المدني

موظفان سودانيان يحضران صناديق اقتراع في إحدى مدارس العاصمة الخرطوم استعداداً لإجراء الانتخابات العامة في البلاد (رويترز)
موظفان سودانيان يحضران صناديق اقتراع في إحدى مدارس العاصمة الخرطوم استعداداً لإجراء الانتخابات العامة في البلاد (رويترز)
TT

13 مليون سوداني يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد

موظفان سودانيان يحضران صناديق اقتراع في إحدى مدارس العاصمة الخرطوم استعداداً لإجراء الانتخابات العامة في البلاد (رويترز)
موظفان سودانيان يحضران صناديق اقتراع في إحدى مدارس العاصمة الخرطوم استعداداً لإجراء الانتخابات العامة في البلاد (رويترز)

تفتح صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السودانية المثيرة للجدل، بعد شروق شمس اليوم (الاثنين). وتأمل السلطات والحزب الحاكم (حزب الرئيس عمر البشير)، أن يتوجه أكثر من 13 مليون ناخب إلى مراكز الاقتراع، في الوقت الذي تدعوهم فيه قوى المعارضة المدنية والمسلحة، ومنظمات مجتمع مدني إلى مقاطعتها، ولا تعترف مسبقًا بنتيجتها.
وينافس الرئيس البشير 15 مرشحًا رئاسيًا، وما عدا مرشحة حزب الاتحاد الاشتراكي، فاطمة عبد المحمود، ومرشح حزب الحقيقة الفيدرالي، فضل السيد شعيب، فأغلبهم شخصيات مغمورة، بل وفشلت حتى في القيام بحملات انتخابية ذات قيمة. ولا يعد كل من السيدة عبد المحمود، أو شعيب منافسين جديين للرئيس البشير، مثلما لا تعد أحزابهما منافسة لحزبه، بما يجعل أمر الرئاسة محسومًا مسبقًا لصالحه، كما تقول الأحزاب المعارضة التي تقاطع الانتخابات، وترى مسبقًا أنها مزورة.
ويقول مراقبون، إن «حجم المشاركة» في تلك الانتخابات ليس بأهمية انتخابات عام 2010، بسبب مقاطعة قوى المعارضة الرئيسية، وهو ما يجعل فوز الرئيس عمر البشير واكتساح حزبه لمقاعد البرلمان هو المرجح، أو المؤكد، لعدم وجود منافسين له ذوي ثقل شعبي وجماهيري.
وعلى الرغم من أن مفوضية الانتخابات السودانية، وهي الأخرى لا تجد قبولاً من قوى المعارضة، ذكرت الأسبوع الماضي، أن 44 حزبًا، و16 مرشحًا رئاسيًا سيتنافسون على كرسي الرئاسة ومقاعد البرلمان والمجالس التشريعية الولائية؛ فإن الحماس الشعبي المعهود في الانتخابات السودانية يكاد يكون منعدمًا، إذ لا تلحظ تجمعات انتخابية كبيرة، أو ملصقات كثيرة على حوائط المدينة، خلا تلك التي تدعو الناخبين إلى انتخاب الرئيس البشير ومرشحي حزبه.
وباستثناء حزب المؤتمر الوطني (الحاكم)، برئاسة البشير، فإن الـ16 حزبًا المشاركة في الانتخابات، باستثناء حزب أو حزبين أو ربما ثلاثة، من جملة الأحزاب المسجلة لدى مجلس شؤون الأحزاب البالغة 88 حزبًا، هي إما انشقاقات عن أحزاب معارضة، أو أحزاب حليفة للحزب الحاكم لا يتعدى دورها «الديكور» حسب رؤية قوى المعارضة.
ويترشح الرئيس عمر البشير عن حزب المؤتمر الوطني، المحسوب على «الحركة الإسلامية» التي تعد امتدادًا سودانيًا لحركة الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من تعدد مسميات هذه النسخة، ومزاعم انفصالها عن «التنظيم الدولي للإخوان المسلمين»، فإن علاقتها بحركات الإسلام السياسي لا يمكن إخفاؤها.
وتسلم الرئيس البشير السلطة في 30 يونيو (حزيران) 1989، بانقلاب عسكري دبرته «الجبهة القومية الإسلامية»، التي كان يقودها الإسلامي، حسن الترابي، الذي انشق عنها عام 1999 مكونًا حزبًا إسلاميًا يعرف بـ«حزب المؤتمر الشعبي».
ويشارك «الحزب الاتحادي الديمقراطي - الأصل» بقيادة راعي «طائفة الختمية» الدينية، ورئيسه محمد عثمان الميرغني في هذه الانتخابات، وهو أحد أكبر الأحزاب السودانية، وحصل على ثاني كتلة برلمانية في آخر انتخابات ديمقراطية جرت في عام 1985، بيد أنه أعلن دعمه للرئيس البشير، واكتفى بالمنافسة على المقاعد البرلمانية الاتحادية والولائية «التشريعية».
كما يشارك «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، وهو حزب منشق عن الحزب الذي يقوده الميرغني، ويتزعمه مساعد الرئيس البشير الحالي، جلال الدقير، وأحزاب أخرى منشقة عن حزب الأمة القومي المعارض؛ أكبر أحزاب المعارضة السودانية الذي يترأسه زعيم طائفة الأنصار، الصادق المهدي، وأبرزها «حزب الأمة الوطني» ويتزعمه عبد الله مسار، و«حزب الأمة الفيدرالي» بقيادة بابكر نهار، و«حزب الأمة - القيادة الجماعية» بقيادة الصادق الهادي المهدي، وتدعم جميعها رئاسة الرئيس البشير، وتكتفي بالتنافس على المقاعد البرلمانية، بدعم من الحزب الحاكم الذي تخلى طواعية عن منافستها في 30 في المائة من الدوائر الانتخابية.
إلى جانب هذه الأحزاب، فإن أحزاب «الحقيقة الفيدرالي» برئاسة فضل السيد شعيب، و«حزب الاتحاد الاشتراكي» وهو حزب أنشأه الرئيس الأسبق جعفر النميري وترأسه فاطمة عبد المحمود، تعد أحزابا صغيرة وغير مؤثرة شعبيًا.
من جهتها، فإن الأحزاب السودانية التاريخية والرئيسة أعلنت باكرًا عن مقاطعتها للانتخابات، واعتبرتها محاولة من الحزب الحاكم للالتفاف على الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس البشير في يناير (كانون الثاني) 2014، ليكسب من خلالها 5 سنوات إضافية تضاف إلى سنوات حكمه البالغة حتى الآن 26 عامًا. وتنضوي قوى المعارضة الرئيسية في تحالف سياسي تكوّن في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحت اسم «قوى نداء السودان»، ويضم: «الجبهة الثورية» التي تتكون من حركات دارفور المسلحة؛ حركة تحرير السودان – مني أركو مناوي، حركة تحرير السودان – عبد الواحد محمد نور، العدل والمساواة – جبريل إبراهيم، بالإضافة إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، التي تحارب حكومة الخرطوم منذ 2011 في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
ويعد حزب الأمة القومي، بزعامة المهدي، أكبر الأحزاب المعارضة المشاركة ضمن تحالف «قوى نداء السودان»، وقد حصل على أغلبية برلمانية في انتخابات 1986 مكنته من رئاسة الوزارة، فضلاً عن أحزاب «تحالف قوى الإجماع الوطني» ذات الميول الديمقراطية اليسارية، وأبرزها الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب المؤتمر السوداني، التي تتمتع بنفوذ واسع بين الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى «كونفدرالية منظمات المجتمع المدني».
واشترطت قوى نداء السودان المعارضة، إيقاف الحرب وتأجيل الانتخابات وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين حكومة انتقالية تعمل على تشريع دستور دائم، وتعد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
بيد أن حزب الرئيس البشير رفض تأجيل الانتخابات باعتبارها «استحقاقًا دستوريًا» لا يمكن تأجيله، ورأى في مطالبتها بتأجيل الانتخابات تعبيرًا عن ضعف سندها الشعبي، وأن مقاطعتها صدى لعجزها عن خوض المنافسة الانتخابية.
وتشكك الأحزاب المعارضة في نزاهة الانتخابات وترى في إصرار الرئيس البشير وحزبه على إجرائها، محاولة للفوز بدورة رئاسية جديدة، مستفيدًا من سيطرته على المال والسلطة بحكم كونه ظل يحكم البلاد لأكثر من ربع قرن.
ويعد «نداء السودان» أكبر حلف سياسي مناوئ للرئيس البشير، وفي سعيه للإطاحة بحكمه، أعلن عن مقاطعته للانتخابات ودشن حملة «ارحل» لمقاطعة الانتخابات، وعن نيته في إسقاط الحكم عبر ثورة شعبية.
وتواجه الانتخابات تحديات جدية، تتمثل في إعلان الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عدم السماح بإجرائها في المناطق التي تسيطر عليها، أو تلك التي تستطيع منع قيامها فيها.
ودأبت قوى سياسية مدنية على تنظيم مخاطبات شعبية تدعو الناخبين لمقاطعة الانتخابات، عبر الليالي السياسية، أو عبر المخاطبة في مناطق التجمعات، وهي تحمل شعار «ارحل»، وأبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركتا «التغيير الآن»، و«قرفنا» الشبابيتان.
فيما يقاطع الانتخابات حزب المؤتمر الشعبي، بقيادة زعيم الإسلاميين حسن الترابي، ورئيس حركة الإصلاح الآن غازي صلاح الدين العتباني، وهما منشقان عن حزب الرئيس البشير، دون أن يعلنا عن مشاركتهما في حملة «ارحل»، أو دعوة الناخبين إلى مقاطعة الانتخابات.
وعلى الرغم من مشاركة الترابي وحزبه في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس البشير، والتقارب اللافت بين الرجلين بعد جفوة امتدت منذ خلافها الشهير في عام 1999، فإنه يقاطع الانتخابات تحت زعم أنها تعوق الحوار الوطني، بيد أنه صرح أخيرًا بأن الحوار يمكن أن يستمر بعدها. فيما تباعدت خطى غازي العتباني وحزبه «الإصلاح الآن» عن الرئيس البشير وحزبه، رغم أنه انشق عنه قريبًا وعقب احتجاجات سبتمبر (أيلول) 2013 معترضًا على ما وصفه وقتها باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 محتج حسب تقديرات المعارضة.
دوليًا، فإن كلا من دول الاتحاد الأوروبي، ودول الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا، ترى أن البيئة التي تقوم فيها الانتخابات «غير مواتية»، وتعتبر قيامها في هذه الظروف فشلاً للحوار الوطني السوداني، بل وأعلنت مسبقًا عدم استعدادها للاعتراف بشرعية ما يتمخض عنه، فيما أعلن الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية عن مشاركتهما في مراقبة الانتخابات.
وإلى جانب المعارضين، فإن المراقبين يرون أن هناك مقاطعة شعبية «صامتة» لتلك الانتخابات، ومقاطعة أخرى تدعو إليها مواقع التواصل الاجتماعي، ما يهدد بضعف المشاركة فيها، وفي كل الأحوال تعد نسب الإقبال على صناديق الاقتراع اختبارا جديًا لشعبية الحكومة أو المعارضة، أما نتيجتها فمحسومة مسبقًا للرئيس البشير وحزبه.



انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.