اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

تدخل ملك السويد وسعي رئيس الحكومة لتوضيح موقفه ساهم في قرار إعادة السفير السعودي إلى استوكهولم

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض
TT

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

أثمرت جهود اللحظات الأخيرة التي سعت فيها السويد إلى استعادة علاقاتها الطبيعية مع السعودية بكل السبل والوسائل المتاحة والاستثنائية، في إعادة المياه إلى مجاريها بين الرياض واستوكهولم لتنهي أزمة 16 يوما زلزلت أركان العلاقات الثنائية. تدخل ملك السويد غوستاف السادس عشر ورئيس وزرائه، في الأزمة بإرسالهما مندوبا رفيع المستوى يمثل الدولة والحكومة الائتلافية إلى الرياض، لتدارك الظروف غير الطبيعية التي سادت بين البلدين في الفترة الأخيرة، وقد تكللت الزيارة والرسائل التي حملها إلى القيادة السعودية، بنتائج إيجابية قررت بعدها الرياض وفي ضوئها إعادة سفيرها المعتمد إلى العاصمة السويدية وإتاحة الفرصة مجددا لاستمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.

كان واضحا خلال أسابيع، التوتر الشديد داخل المؤسسات الرسمية والدستورية السويدية طوال أيام الأزمة، وذلك من خلال تضارب التصريحات وسط عجز حكومي عن أية مبادرة للحل، كما أسهمت وسائل الإعلام السويدية المرئية والمقروءة ومواقع الرأي والصحف المتخصصة بالقضايا التجارية والصناعية في الحوار المفتوح حول الأزمة ونتائجها السلبية الكبيرة على الاقتصاد السويدي وذلك إثر التصريحات التي تعرضت فيها وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم للقضاء السعودي والنظم الاجتماعية السائدة خارج الأطر الدبلوماسية المعهودة والتي اعتبرت السعودية فيها تلك التصريحات مسيئة وغير ودّية.
وكانت التسريبات التي أحاطت بجهود الملك السويدي خلال فترة الأزمة تشير إلى اتصالاته الشخصية بعدد من الاستشاريين والخبراء العرب والسويديين لتدارك الأزمة وإيجاد الحلول الضرورية لها، حيث اختار الملك أخيرا إرسال شخصية رفيعة المستوى ممثلة في وزير الدفاع السويدي السابق البارون بيورن فون سيدو ممثلا فوق العادة يحمل رسالة الملك الشخصية ورسالة رئيس الحكومة استيفان لوفين تتضمن اعتذار الحكومة وتوضيحا من لوفين لموقف حكومته الإيجابي من الإسلام، مشيرا إلى أن السعودية تبذل كل جهد للحفاظ على قيم الإسلام الرفيعة والسمحة.
وقد أبدت المملكة العربية السعودية خلال استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب الملك السويدي تفهما واضحا لموقف الحكومة السويدية الساعي إلى توضيح ملابسات الأزمة الدبلوماسية بين البلدين كما اتضحت مواقف المملكة أيضا خلال استقبال الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي للموفد السويدي خلال جلسة مباحثات تمهيدية أوضح من خلالها مبعوث ملك السويد رغبة السويد باستعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين.
وكانت الأزمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والسويد، قد نشبت إثر تصريحات مسيئة للوزيرة السويدية، فالستروم حينما تحدثت في جلسة برلمانية مفتوحة يوم السادس من مارس (آذار) الماضي، طالبة عدم تجديد الاتفاق الثنائي مع السعودية وبخاصة الجوانب المتعلقة بالصناعة والإنتاج المشترك، كما تعرضت للنظم القضائية في المملكة بشكل كشف عن تفاوت في الفهم للخصوصية الثقافية والقانونية وقيم المجتمع في السعودية. لكن تداعيات الأزمة حدثت في التاسع من مارس، بمنعها من التحدث في الجامعة العربية، ثم تلا ذلك سحب الرياض لسفيرها المعتمد لدى السويد يوم 11 مارس، ثم قرار الرياض إيقاف منح وتأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين، مما أضر بالمصالح السويدية التجارية والتي تبلغ وارداتها السنوية من السعودية قرابة 13 مليار دولار سنويا، ومن ثم إعلان السعودية أنها «تأمل ألا تضطر إلى إجراء مراجعة لجدوى الاستمرار في العديد من أوجه العلاقات التي تربطها» مع السويد. قبل أن تنتهي فصول الأزمة بقرار إعادة السفير السعودي في 26 مارس.
وكشفت تطورات الأزمة جوانب مثيرة للاهتمام في تداعياتها السياسية والاقتصادية داخل السويد وعلى مستوى رجال الأعمال والأوساط الدبلوماسية خصوصا. وكانت مجموعة من الشركات السويدية الكبرى العاملة في السعودية قد أصدرت بيانا عارضت فيه تصريحات وزيرة الخارجية كما طالبت تلك الشركات الحكومة السويدية بتجديد الاتفاقية الثنائية بين البلدين.
وشهدت استوكهولم تحركات داخلية بين وزارتي الخارجية والصناعة ومجموعة الشركات الصناعية الكبرى العاملة في السعودية، وتشكلت مجموعة لإدارة الأزمة في وزارة الصناعة مثلما شكل تجمع الشركات الكبرى النافذة مجموعة اتصال من أجل تسهيل عملية التواصل مع الأطراف الرسمية السعودية.
كما شهدت أروقة وسائل الإعلام ومعاهد الدراسات والبحوث المتخصصة بالسياسة الخارجية نشاطا مكثفا، شارك فيه صحافيون وخبراء ودبلوماسيون وأكاديميون سويديون متخصصون، تحدثوا عن الأزمة التي أضفت توترا غير مسبوق على العلاقات بين السويد والسعودية.
وقد أشار كثيرون إلى العلاقات التاريخية التي أسست ثوابت التعامل والعمل المشتركين. ومع تعدد الأصوات التي ناقشت الأزمة والأصوات الداعية إلى تطبيع العلاقات ظهرت أصوات منصفة حاولت أيضا أن تضع الحوارات والآراء في حالة من التوازن الضروري وبخاصة الدكتورة ماريانا لاناتزا الأستاذة في جامعة لوند المتخصصة بشؤون دول الشرق الأوسط والعلاقات السياسية التي شاركت في الحوارات حين كتبت دراسة في هذا الشأن وكتبت تقول: «نحن هنا في السويد نطلق أحكاما ونحدد شكل علاقاتنا بالآخر بينما الآخر غائب يتلقى أحكامنا المسبقة. إن غياب الصوت السعودي الذي يمثل موقف الطرف الآخر في الحوار هو الذي يجعل قراءاتنا وأفكارنا مسبقة وربما مرتجلة وبخاصة حين تتم الدعوة لإيقاف اتفاقيات مشتركة أو وصف قوانين وإجراءات الآخر بأنها مدعاة للنقد وإني أرى أن مواقفنا وآراءنا في غياب الطرف الآخر غير محقة».
وكانت الدكتورة ماريانا لانتزا قد تحدثت عن التحولات الكبيرة في السعودية ومسيرة الإصلاح والتنمية في مجالات التعليم والتشريعات وبناء الجامعات وإشراك المرأة في المؤسسات التشريعية والتعليم حتى بلغت النسبة التي تمثلها المرأة في التعليم نسبة 30 في المائة من المشمولين بالتعليم في السعودية وطالبت الباحثة والأستاذة الأكاديمية بأن تمنح فرصة أوسع في الحوارات مع الآخرين قبل أن يتخذ أي قرار مرتجل.
وفي نفس السياق كتب الدكتور محمود الآغا رئيس تحرير جريدة «الكومبس» الصادرة في استوكهولم ونشرت أيضا على موقع الجريدة افتتاحية بعنوان «الأزمة بين السويد والسعودية أزمة في ثقافة معرفة الآخر»، يقول فيها: «التعرف على ثقافة الآخر وتفهم خصوصياته الاجتماعية والفكرية، من خلال الاطلاع على الحقائق التاريخية ومتابعة ما ينتجه حاليا ضمن المجالات الأدبية والفكرية والفنية وغيرها، يسهل ويساعد على تقوية بقية الجوانب ذات الطابع الاقتصادي ويضمن استمرارية العلاقات السياسية المبنية على الاحترام المتبادل. ومع أن الخلاف بين السعودية والسويد الذي بدأ يتسع ويكبر بعد أن تدحرجت عجلته ككرة الثلج، هو خلاف بين حكومتين لدولتين مستقلتين، فإن له أيضا جوانب قد تمتد إلى طبيعة الاختلاف بين الثقافات».
وتابع الكاتب يقول: «الاختلاف، وهو شيء واقعي، بل ضروري ومنطقي في الطبيعة البشرية، ظهر بين البلدين حول تفسير مفاهيم عديدة منها، الرأي السويدي في القضاء في السعودية وطريقة تنفيذ الأحكام فيها. هذا الانتقاد وصفته الرياض بالتدخل السافر بالشأن الداخلي، واعتبرت ربط هذا (التدخل) بمسائل حقوق الإنسان أكثر من تصريح (ساذج) لوزيرة تماهت بين مسؤوليات منصبها السياسي الحالي ومبادئ موقعها كناشطة نسوية في السابق».
من جهته، قدم الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ودول الخليج والسعودية ثورد يانسون من جامعة يوتبرغ تحليلا مميزا للغة الخطاب التي عالجت بها وسائل الإعلام السعودية أزمة الخلاف بين السويد والسعودية في مقالة تعيد قراءة الافتتاحيات والمقالات المتخصصة التي نشرتها الصحف اليومية الصادرة في الرياض.
وقال كاتب المقالة ثورد يانسون: «بعد قراءة متفحصة لما تنشره وسائل الإعلام السعودية لاحظت نبرة هادئة ومعتدلة في خطاب الصحافة السعودية اليومية التي تصدر في الرياض، خلال المقالات التي تنشرها الصحافة حول الأزمة الدبلوماسية ورأيت أن الاعتدال في لغة الصحافة اليومية السعودية التي تحدثت عن عمق العلاقة بين البلدين وعن إمكانيات حل إشكالات الأزمة عبر الحوار بين البلدين لا يأتي من مجرد تعبير عن تمنيات الصحافيين والكتاب، بل هي صورة لأجواء العلاقات الخارجية التي تشيعها الدبلوماسية الهادئة إزاء المشكلة والمشاكل المشابهة التي اختطتها وزارة الخارجية السعودية لزمن طويل».
وتحدث لـ«الشرق الأوسط» الخبير العسكري والسياسي السويدي ستيلان بويرود الذي سبق أن عمل ميدانيا مراسلا ومحللا مع راديو السويد خلال حرب الخليج عام 1991 السابقة قائلا: «كنت دائما أشير على الحكومة السويدية في حواراتي ومقالاتي إلى ضرورة الاستماع إلى الرأي السعودي قبل اتخاذ أي قرار يبدو وكأنه من طرف موجه إلى طرف آخر شريك دون درايته أو حضوره. وكنت قد أكدت بعد تطور الأحداث في اليمن ودور السعودية القيادي فيه إلى أن هناك 3 حقائق لا تستطيع التداعيات الإقليمية في المنطقة إخفاءها وهي، القلق الدولي على التوازنات السياسية، وتدفق النفط من الدول المصدرة إلى أوروبا وأميركا وكندا، واستمرار التجارة الدولية عبر الممرات البحرية، باب المندب والخليج وقناة السويس. وهذه الممرات هي رمز من رموز التفاهمات التاريخية الأساسية بين دول العالم حول العلاقات والمصالح والاحترام المتبادل للاتفاقات والتعاون المشترك. وأن أي تهديد لهذه الدلالة الرمزية للتفاهم الدولي إنما يعني تخريب أسس العلاقات الدولية واستقلالها. وأجد أن القرار السعودي بإعادة العلاقات السويدية السعودية إلى سياقها الطبيعي قرار حكيم».
وخلال الأزمة سعت الأحزاب المنضوية تحت خيمة تحالف يمين الوسط السويدي المعارض (وهي حزب الشعب والحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الوسط والحزب الأكبر حزب المحافظين) إلى توخي الحذر في معالجة القضايا الثنائية مع دول العالم واعتبروا النموذج الذي عكسه قرار إيقاف الاتفاق الثنائي مع السعودية بأنه قرار من طرف واحد يجعل مصداقية السويد ووضوح خطابها بعيدا عن متطلبات إدامة الحوار مع الشركاء الدوليين مهما بلغت الاختلافات في الرأي والمواقف.
وقد تحدثت إلى «الشرق الأوسط» رئيسة كتلة المعارضة في البرلمان جيسكا بولفييرد، ردا على سؤال حول رؤيتها للقرار السعودي بإعادة السفير المعتمد إلى استوكهولم وإتاحة الفرصة لمراجعة إيجابية للعلاقات الثنائية، وقالت: «لا شك أنني أجد أن تلك بادرة مهمة في علاقاتنا الثنائية وكنا مجموعة قد أشرنا إلى استدعاء وزيرة الخارجية السويدية للمثول أمام البرلمان لكي نوضح نقدنا لما سببته تصريحاتها من إرباك للسياسة السويدية القائمة على التعاون المشترك وأكدنا أن احترام الخصوصية على الحفاظ بين ما يقال بين الشركاء خلف أبواب مغلقة أو في العلن من أجل احترام الطبيعة الحساسة للعلاقات الثنائية وعواملها الداخلية وعناصرها المضافة.. وأجد أن عودة العلاقات الطبيعية بين السويد والسعودية هو نتيجة منطقية لجهود مشتركة داخل البرلمان وخارجه من أجل تصحيح الأخطاء وإعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين السويد والسعودية».
ويبدو أن تداعيات الأزمة السياسية الداخلية جراء إيقاف الحكومة الاتفاقية الثنائية وتصريحات وزيرة الخارجية السويدية التي أحرجت السويد مع الرياض والقرارات الأخرى التي اتخذتها حكومة الأقلية البرلمانية الحاكمة من تحالف الحمر والخضر لا تزال مستمرة على الرغم من الجوانب الإيجابية التي انطوى عليها القرار السعودي بإعادة العلاقات الدبلوماسية وعودة السفير السعودي المعتمد إلى العاصمة السويدية استوكهولم واستئناف النشاط التجاري والاقتصادي المشترك بين البلدين، فقد أظهرت الأحداث طبيعة الانقسام العميق والواضح بين القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع السويدي. حيث كشفت وسائل الإعلام السويدية بعد استعراض العناصر الإيجابية في إعادة العلاقات بين البلدين، عن وجود استياء متزايد داخل حزب المحافظين وبعض أحزاب يمين الوسط المؤتلفة معه كمجموعة للأغلبية البرلمانية المعارضة عن رغبتها في فك تفاهمات أحزاب الأغلبية التي أنقذت الحكومة الحالية من السقوط في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2014. وكان ذلك قد حدث على خلفية التصويت ضد مشروع الميزانية الذي تقدمت به حكومة الاشتراكيين وحزب البيئة ذات الأقلية البرلمانية والذي عرض على الحكومة خيار الاستقالة وإجراء انتخابات تكميلية في 22 مارس 2015 ولكن مشروع التسوية الذي تقدمت به كتلة المعارضة من أجل إنقاذ البلاد من فوضى سياسية تتيح ربما للحزب العنصري فرصا لتسلق سلم الصعود وتوسيع نفوذه البرلماني إلى الاتفاق مع الحكومة الحالية على إدارة البلاد باعتماد مشروع ميزانية الظل التي اعتمدها البرلمان بالأغلبية حيث نظم الاتفاق العلاقة بين أحزاب تحالف يمين الوسط المعارض وحزبي الحكومة المؤلفة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والبيئة. وأوضحت رئيسة كتلة المحافظين البرلمانية عن تزايد الرغبة في فك تلك التفاهمات مع أحزاب حكومة الأقلية مما يعرضها للسقوط والعودة إلى إجراء انتخابات تكميلية تكون خلالها هذه الحكومة حكومة تسيير أعمال، لأن اتفاق ديسمبر والتسوية بين الحكومة والأحزاب المعارضة، قد أضرا بحزب المحافظين.

أيام الأزمة بين السويد والسعودية

* 6 مارس 2015: وزيرة الخارجية السويدية تضمنت كلمتها في جلسة البرلمان السويدي تصريحات ضد القضاء السعودي والدعوة إلى إيقاف اتفاقية التعاون المشترك.
* 7 مارس: إصدار الشركات السويدية الكبرى المعروفة بمجموعة الثلاثين بيانا يعترضون فيه على التصريحات غير الدبلوماسية لوزيرة الخارجية ويطالبون الحكومة بتجديد الاتفاقية مع السعودية مدة 5 سنوات أخرى من أجل استكمال المشاريع والاتفاقات بين البلدين.
* 9 مارس 2015: الوزيرة ضيفة شرف على مجلس الجامعة العربية لكنها تبلغ برغبة المندوبين الممثلين للجامعة العربية بإلغاء الفقرة الخاصة بإلقاء خطابها.
* 10 مارس: إعلان الحكومة السويدية إلغاء اتفاقية التعاون المشترك بين السويد والسعودية من طرف واحد.
* 11 مارس: السعودية تستدعي سفيرها المعتمد السيد إبراهيم بن سعد الإبراهيم.
* 12 مارس: موجة اعتراضات رجال الأعمال السويديين واجتماعات متواصلة مع المسؤولين ومع رئيس الحكومة.
* 13 مارس: رئيسة كتلة الأغلبية المعارضة تقدم بلاغا برلمانيا تطلب فيه حضور وزيرة الخارجية لجلسة استجواب جراء الارتباك الذي تسببت فيه للسياسة الخارجية السويدية.
* 14 - 16 مارس: السفراء العرب المعتمدون في السويد يبلغون وزارة الخارجية السويدية اعتراضهم على تصريحات وزيرة الخارجية التي تسببت في الأزمة.
* 17 مارس: بلغ عدد الدول العربية والإسلامية التي اعترضت على تصريحات وزيرة الخارجية السويدية 60 دولة.
* 18 مارس: دولة الإمارات العربية تستدعي سفيرها السيد سلطان راشد الكيتوب النعيمي المعتمد في السويد.
* 19 مارس: الحكومة السعودية توقف منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين.
* 20 مارس: مثول وزيرة الخارجية أمام جلسة استجواب في البرلمان قالت فيها إن السعودية دولة محورية مهمة ودولة مانحة في إطار مواجهة الإرهاب واجتماع موسع لرجال الأعمال مع وزير الصناعة السويدي بحضور وزيرة الخارجية وتشكيل مجموعة لإدارة الأزمة.
* 21 مارس: ملك السويد يعرض على الحكومة المساعدة في حل الأزمة مع السعودية.
* 23 مارس: ملك السويد يلتقي مع وزيرة الخارجية في قلعة استوكهولم للبحث عن حلول للأزمة.
* 24 مارس: وزير خارجية السويد السابق يعلن عن خسارة السويد للآلاف من فرص العمل بسبب إيقاف اتفاقية العمل المشترك مع السعودية.
* 25 مارس: استمرار التنديدات العربية والدول الإسلامية والصديقة.
* 26 مارس: استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب ملك السويد وتسلمه رسالتين من ملك السويد ورئيس الحكومة السويدية الذي استقبله وزير الدفاع مستشار الملك، من قبل، وقرار المملكة بعودة سفيرها إلى استوكهولم ووضع الأسس لمراجعة إيجابية للعلاقة ووضع حد للأزمة.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.