أمين الجميل: تعقّد المشكلة في سوريا سببه التوسع الإيراني.. والدعم السعودي مكّن لبنان من الصمود

الرئيس اللبناني الأسبق قال إن السعودية تعاطت مع لبنان بكل إخلاص وكرم وبتجرّد

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
TT

أمين الجميل: تعقّد المشكلة في سوريا سببه التوسع الإيراني.. والدعم السعودي مكّن لبنان من الصمود

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)

بدعوة من مركز الشرق الأوسط الجديد التابع لجمعية هنري جاكسون في بريطانيا، ألقى أمين الجميل، رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق (1982 - 1988) وزعيم حزب الكتائب، محاضرة ناقش فيها التحديات التي يواجهها القادة العرب في الشرق الأوسط، عن الاحتمالات الثلاثة التي تبرز كخيارات للمنطقة، وهي «الدولة الفاشلة، والدولة الإسلامية ودولة المواطنة».
«الشرق الأوسط» التقت الرئيس الجميل بمناسبة هذه المشاركة، حيث أكد في حواره، أن لبنان ليس دولة طوائفية، وليس بيئة حاضنة للحركات التكفيرية حتى الآن. واعتبر أن الفراغ الرئاسي له علاقة بتعنّت العماد ميشال عون والاستمرار بترشحه، وبدعم حزب الله له، وأن المسيحيين ليسوا هم من تسببوا به.
وقال إن الصراع الحالي في المنطقة بدأ مع نشر إيران نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
* تحدثتم في محاضرتكم عن ثلاثة احتمالات للمنطقة: أين لبنان من هذه الاحتمالات؟
- عنوان المحاضرة هو وصف لواقع أكثر من كونه تقديرا شخصيا، لأنه من الواضح أن ما يحصل الآن في العالم العربي هو غريب ومثير، سواء في العراق وسوريا أو في ليبيا واليمن، وهو أمر مخيف؛ حيث نشاهد نوعا من انتحار جماعي في هذه البلاد، وكذلك هناك أمثلة مشجعة تحصل في بعض الدول العربية الأخرى، اختصرتها بثلاثة أمثلة، هي لبنان وتونس والأردن. وتحدثت عن قدرة الدول على التخلص من مخاطر السقوط في خيار تنظيم داعش، التي قد تكون بالنسبة إلى البعض بديلا عن الفوضى القائمة في هذه الدول. كما حذرت من العودة إلى منطق الديكتاتوريات الذي كان سائدا في مرحلة من التاريخ الحديث. من هنا كانت المحاولة لتقديم بعض الاقتراحات العملية لعدم السقوط بالفوضى، والتركيز على دولة المواطنة؛ وهي الدولة التي تحقق لشعوب المنطقة الاستقرار والطمأنينة والحرية والتعايش المثالي بين كل الفئات.
وعندما تفككت هذه الديكتاتوريات فتحت المجال لمشاريع واتجاهات متعددة؛ منها مثلا بروز ظاهرة «داعش» و«النصرة» وغيرهما. وهناك في المقابل أمثلة مشجعة مثل نموذج تونس، الذي يعتبر من الأمثلة الحية على ما كانت تطمح إليه الشعوب العربية في إطار الربيع العربي. لذلك نحن أمام خيارين: هل نريد «الدولة الفاشلة» وتفشي التشدد ورفض الآخر ونعيش تلك المشاهد البربرية التي عشناها ونعيشها؟.. أم نريد تحقيق أماني الشعوب العربية في إطار الربيع العربي؟!
* برأيك.. هل تصلح تركيبة لبنان ذي الطوائف المتنوعة لبناء دولة المواطنة؟
- لبنان ليس دولة طوائفية، بل دولة ديمقراطية تحقق نوعا من التعايش التوافقي والانسجام بين الطوائف، ولذلك فإن معظم القوى في لبنان تقول بالدولة المدنية، التي لا تعني على الإطلاق دولة ضد الطوائف، وإنما تحقيق الانصهار بين كل هذه الطوائف والتركيز على دولة المواطنة. وعلينا أن نجد الإطار الدستوري والمؤسساتي الذي من شأنه أن يسهل أو يدفع باتجاه هذا الانصهار.
* ماذا عن الانقسام اللبناني بشأن دخول حزب الله في الحرب داخل سوريا؟
- هذه المقاربة هي اختزال للمشكلة السورية، بينما المشكلة أكبر من ذلك، فهي ذات طابع استراتيجي أكثر مما هي صراع في سوريا. الصراع بدأ منذ أن بدأت إيران في نشر نفوذها؛ سواء أكان في العراق مع المالكي أم في سوريا من خلال حلفها مع بشار الأسد، أو في لبنان مع انتشار نفوذ حزب الله. وبدأت هذه الظاهرة تخيف العديد من السياسيين العرب بصورة عامة، وأتذكر أن أوّل من نبّه إلى ذلك هو الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وعقبه الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، ومنذ ذلك الوقت بدأ التحضير لمواجهة المدّ الإيراني في المنطقة. وتحققت النبوءة بأن بدأت إيران تهدد بعض مناطق الخليج، وظهور الحركات الشيعية في بعض بلدان المنطقة. هذه هي المقاربة الصحيحة لما يحصل الآن إن كان في سوريا أو في العراق. وبالتأكيد أن تنظيم «داعش» ليست ظاهرة بريئة، أو مجرد حركات دينية انفعالية.
* ما هي انعكاسات الحرب في سوريا على لبنان بعد انخراط حزب الله فيها؟
- انعكاسات الوضع على لبنان مدمرة. صحيح أن بيئة لبنان ليست حاضنة لهذه الحركات المتشددة التكفيرية، والدليل على ذلك أن طرابلس تحتضن نخبا وقيادات ومجموعات كبيرة تقف في وجه هذا المد المتشدد؛ وكذلك الأمر في بعض المناطق الأخرى. لذلك فإن الانعكاس لم يتناول بعد النسيج الوطني اللبناني، ولو أن هناك خطرا في حال استمر الوضع على ما هو عليه.
* ما هي أبرز التوجسات لديكم جراء الوضع السوري المتدهور؟
- الذي يخيفنا بشكل أساسي اليوم هو هذا الحجم الهائل من السوريين الذي وصل إلى لبنان، وقد بلغ مليونا ونصف المليون (أي كما لو أن هناك 16 مليون لاجئ يصلون إلى بريطانيا بصورة مفاجئة). هذا يشكل خطرا على صعيد المستقبل والنسيج الوطني اللبناني وعلى التعايش، كما يشكل اختلالا على صعيد الميثاق الوطني وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والبنية التحتية في لبنان، وهي غير كافية لمتطلبات الشعب اللبناني، فكيف الحال مع وجود هذا الكم الهائل من النازحين؟
* ما هو برأيكم خطر التنظيمات المتطرفة على لبنان ومنها «داعش»؟
- هناك حركات متشددة كانت موجودة قبل تنظيم داعش، وقبل الحرب في سوريا بدأت في آخر التسعينات في مناطق في لبنان، كانت محصورة وواجهناها. إنما ما يخيفنا لو انتشرت وتوسعت ودخلت في النسيج اللبناني، وتمكنت من التسلل في خضم هذا الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه لبنان. حتى الآن الأرضية ليست حاضنة.
* هل تعتقدون أن المنحة السعودية للجيش اللبناني لشراء أسلحة من فرنسا قادرة على أن تعدّل ميزان القوى بين الجيش وحزب الله؟
- السعودية هي الشقيق المخلص والصادق للبنان منذ القدم، لا سيما في عهد الملك الراحل عبد الله، والأمر مستمر مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. فقد تعاطت مع لبنان بكل إخلاص وكرم، وبتجرّد. ولم تطلب يوما من لبنان أي بديل لهذا الدعم السخي ولهذه المساعدة.
الدعم السعودي مكّن لبنان على المدى الطويل من أن يصمد وأن يواجه المحن التي مرّ بها. وهذه المنحة هي من النماذج المعلن عنها، لأنه في الماضي كانت هناك مساعدات لا يعلن عنها، ولا شك في أنها ستمكن الجيش من أن يحقق نقلة نوعية في العديد والعتاد والجهوزية، خصوصا في مرحلة المعاناة الجديدة التي يواجهها لبنان بسبب النازحين وبسبب انتشار الفوضى والوضع العام للعالم العربي. ولا بدّ من مواجهتها في الدّاخل من قبل الجيش وقوى الأمن.
* هل تعتبرون أن التوزيع المذهبي للمناصب بحسب الطوائف تجاوز ميزان القوى السياسية في لبنان، خصوصا بعد الفراغ الرئاسي الذي يشهده البلد منذ مدة؟
- الفراغ الرئاسي لا علاقة له بالتوازنات الداخلية الطائفية والمذهبية، بل يعود من جهة إلى تعنّت العماد ميشال عون والاستمرار في ترشحه، رغم أنه لم يتمكن من الحصول على الأكثرية المطلوبة في مجلس النواب. ومن جهة ثانية لدعم حزب الله، الذي عطل النصاب في المجلس. هناك تلاقي مصالح بين العماد عون ودعمه من قبل حزب الله عطل الانتخابات والنصاب الذي هو مخالفة كبيرة للدستور، لأن المواد الدستورية هي من أجل تحصين الدستور وتحصين المؤسسات الدستورية، ولا يعقل أن تستعمل هذه المواد لتعطيل الدستور وتعطيل حسن سير المؤسسات اللبنانية.
عندما يصل المرشح إلى هذا الاستحقاق ولا يتمكن من أن يحصل على الأغلبية، فمن الطبيعي أن يعاد طرح الموضوع على الكتل البرلمانية ويحصل نوع من التشاور والتفاهم من أجل ترشيح شخص آخر. ونحن عكس كل الأصول الدستورية والتقاليد البرلمانية؛ أدى ذلك إلى تعطيل الدستور، الذي يشكل خطرا كبيرا على مستقبل لبنان ومؤسساته وعلى مستقبل الميثاق الوطني، لأنه الآن هناك رئيس حكومة سني ورئيس مجلس نواب شيعي، بينما رئيس الجمهورية الماروني غائب. وإذا تأقلمنا مع هذا الوضع نكون قد نسفنا مفهوم الميثاق الوطني وأرضيته المتفق عليها، وهنا مسؤولية كبيرة تقع على كل من يعطل الانتخاب الرئاسي، وكأنه يرمي إلى إعادة النظر في كل التركيبة اللبنانية.
* ألا تعتقدون أن استمرار الخلاف الماروني–الماروني أضعف موقع الرئاسة وربما سيطيح بحق الموارنة في الحكم؟
- لا أوفق إطلاقا على هذه المقاربة التي يطرحها بعض السياسيين لتحميل المسيحيين المسؤولية، وهذا غير صحيح، لأنه ومنذ الاستقلال اللبناني كان هناك صراع بين الموارنة. وفي كل الانتخابات كان هناك فريقان. واليوم الأمر ذاته بين «8 آذار» و«14 آذار». ولولا دعم حزب الله للعماد عون لما تمكن العماد عون من تعطيل النصاب، وهذا مستمر.
لا أعتقد أن هناك علاقات عاطفية بين عون وحزب الله، بل هناك مصالح مشتركة. إذن، مشكلة تعطيل الرئاسة ليست مسؤولية مسيحية، بل واقع سياسي في البلد بالمعنى الكامل تشارك فيه كل الطوائف. ويتحمل الجسم السياسي اللبناني بأسره هذا التعطيل وليس المسيحيين، لأن القرار ليس للفريق المسيحي بمفرده.
* وكيف تتحلحل هذه المشكلة؟
- لا بدّ أن يقتنع أولا العماد عون بأن هذا الموقف يشكل خطرا على اللبنانيين عامة وعلى المسيحيين بصورة خاصة، وأن حزب الله عليه أن يقتنع بأن موقفه غير منطقي، والأهم مصلحة الوطن ومستقبل المؤسسات وتعزيز الميثاق الوطني الذي يتخلخل بسبب الفراغ الرئاسي، وكل ذلك يجب أن يدفعه بحلول أخرى وبمرشح آخر.
* هل تعتقدون أن هناك حلا معقولا لمشكلة الرئاسة في لبنان على المدى القريب؟
- تمنياتي أن تحصل الانتخابات غدا، والتعاون مع بعضنا البعض بإمكانه أن يحقق أماني الشعب اللبناني. أمّا الواقع فهو «ضرب بالرمل»، ما دام هكذا تعطيل غير منطقي يتجاوز الدستور اللبناني، وعدم احترام التقاليد الديمقراطية والبرلمانية. ونأسف أن الأمر على حاله، ونأمل في أن يتفهم الجميع خطورة الوضع عليهم بالذات، لأن هذا الموقف موقف انتحاري لا يخدم العماد عون على المدى الطويل، ولا يخدم مصلحة حزب الله، لأنه في أمس الحاجة لهذه الشرعية اللبنانية. وإذا سقطت الشرعية سيكون هو من أوّل ضحاياها لأنها هي التي تحميه اليوم، فهو ممثل في مجلس النواب وممثل في الحكومة وفي كل المؤسسات، وبسقوط تلك المؤسسات تسقط مظلة الشرعية التي هو في أمس الحاجة إليها.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.