مسرح «نعم» في الخليل يسبح عكس التيار.. و«خيل تايهة» تكرسه عربيا

شق طريقه في مدينة محافظة وفاز بالجائزة الكبرى لـ«مهرجان المسرح العربي»

فريق مسرح «نعم»
فريق مسرح «نعم»
TT

مسرح «نعم» في الخليل يسبح عكس التيار.. و«خيل تايهة» تكرسه عربيا

فريق مسرح «نعم»
فريق مسرح «نعم»

«نعم» هي الفرقة المسرحية التي اتخذت، على عكس عادة الفرق المسرحية الفلسطينية، مدينة الخليل مقرا لها، قبل سبعة أعوام، بمبادرة شبابية من الفنانين إيهاب زاهدة ورائد الشيوخي ومحمد الطيطي، إلا أنها اتخذت في بعض الأعمال، خاصة في البدايات، من مواضيع الطفل هدفا لها، مما يسهل عملها في المدينة المحافظة التي يختلف طابعها عن المدن الفلسطينية الأخرى.
ولعل هذا الأمر لا يبدو غريبا إذا ما علمنا أن رئيس بلدية الخليل ما بين عامي 1938 و1955 الشيخ محمد علي الجعبري، وكان من أبرز المقاومين للاحتلال وأصبح بعد عام 1967 رئيسا لمجلس أمناء كلية الشريعة في الخليل، رفض أن يعطي تصريحا لإقامة سينما في مدينة الخليل، فهو أراد أن تبقى المدينة «نقية من فساد أهل الفن، فهي بلد محافظ، وأهلها متدينون بطبعهم، وتضم في جنباتها قبر النبي إبراهيم (عليه السلام)».

* «خيل تايهة»
إلا أن تتويج مسرحية «خيل تايهة» لفرقة مسرح «نعم» بالجائزة الكبرى لـ«مهرجان المسرح العربي»، الذي اختتمت فعالياته قبل أشهر، في العاصمة المغربية الرباط، جعل للفرقة حضورها العربي، مما عزز من حضورها المحلي بطبيعة الحال.
وتنافست على الجائزة الكبرى للمهرجان (جائزة الشيخ سلطان القاسمي) تسعة عروض مسرحية من تسع دول عربية، على مدى أسبوع كامل، تابع خلاله جمهور المهرجان مسرحيات تعالج قضايا اجتماعية وفلسفية وسياسية مختلفة، إلى جانب سبعة عروض مسرحية أخرى تم تقديمها بموازاة المسرحيات المتنافسة في المسابقة الكبرى.
ولمسرحية «خيل تايهة»، وهي من تأليف الكاتب السوري عدنان العودة، بُعد فلسفي، إذ تدور حول طفلة بدوية تدعى «تايهة»، ابتلعتها دوامات من العاصفة الرملية أولا، وأبعدتها عن أهلها الأصليين، ثم أخذتها دوامة الحياة في رحلة واقعية، أسفرت عن حبّ وزواج لتنجب طفلة سمتها «خيل»، ففي يوم ولادتها لم تهدأ الخيل في القرية. وتنبأت عرافة القرية للبنت بأنها لن تعيش بعد الثلاثين، إذ قالت يومها «وجهك حجر وصوتك خضر ولن تكملي الثلاثين».. وعلى لسان العرافة، فإن وصية الزوج والد خيل الذي قتل غدرا أن يُرمى الحبل السري على سطح المدرسة، لأن «عمر المتعلم أطول من عمر الأمّي». والحكاية لفتاة بدوية في الريف السوري، تخرج للبحث عن مشط لأمها، وتلتهمها عاصفة قوية، وتدخلها في عوالم خيالية مجهولة، قبل أن يعثر عليها أحد وجهاء قرية بعيدة، يقرّر التكفّل بها وتربيتها.
ومن المقرر أن تفتتح «خيل تايهة» الدورة المقبلة من «مهرجان المسرح العربي»، وفق ما أعلن الأمين العام المساعد لقطاع الفنون في الكويت محمد العسعوسي، خلال الحفل، كاشفا أن العاصمة الكويتية تحتضنها في يناير (كانون الثاني) 2016.
والمسرحية التي تقوم ببطولتها ريم تلحمي، ورائد الشيوخي، ومحمد الطيطي، وياسمين همار، وحنين طربيه، تعد من أصعب المسرحيات، حيث إن جميع الممثلين على خشبة المسرح في حالة تعرّ وكشف لما في دواخلهم. وهي لا تخلو من مصارحات لا حدود لها، كانت أشبه بالبوح أمام الجماهير، الذين كان كل منهم، خلال العروض التي اقتربت من العشرين في الخليل ومدن الضفة الغربية بما فيها القدس، كأنه مرآة. وتميز بعض الممثلين بلعب أكثر من شخصية، فلا شخوص ثابتة مرتبطة بممثل بعينه، فلكل منهم دور جديد في كل فصل، وإن كان من دون تغيير في الملابس والديكور. وهي المرة الأولى لمسرح «نعم» التي ينتج فيها عملا مسرحيا يضم فنانين من خارج الخليل، بل وحتى من خارج فريق مسرح «نعم» نفسه، لتقدم رسالة مفادها أنه «لا نبوءات مقدسة».

* عكس التيار
واستطاعت فرقة «نعم» السباحة عكس التيار، والصمود بشكل أو بآخر. يقول الفنان إيهاب زاهدة «نحن نعكس في أعمالنا ليس تجاربنا الشخصية وحدها، بل ثقافة مدينة الخليل. ففي مسرحية (3 في 1) سلطنا الضوء على مشكلات الفلسطيني في الخليل، ومن بينها الصعوبات التي تواجه الفنانين في المدينة المحافظة التي تعاني الاحتلال والاستيطان»، لافتا إلى أن «خيار أن تكون ممثلا في الخليل خيار صعب، لأسباب عدة، بينها العادات والتقاليد، وغياب الحياة الثقافية والفنية عن المدينة. نحن نعمل ما بين القيود المجتمعية، وما بين انتهاكات يمارسها جنود الاحتلال والمستوطنون المتطرفون يوميا، وهذا ما عملنا على عكسه في المسرحية التي تجولت في كثير من المدن الفلسطينية». ويرى القائمون على مسرح «نعم» أنه لم يكن وليد عام 2008، فالقائمون على هذا الصرح يعملون في مجالي المسرح والدراما منذ عام 1997، من خلال عملهم المتواصل في مؤسسة «أيام المسرح»، ولأن الأخيرة قررت الانسحاب من مدينة الخليل عملا بسياستها التي تقضي بتأهيل طواقم مسرحية كفؤة تستطيع الاعتماد على ذاتها في إدارة مؤسسات مسرحية وفنية جديدة، فقد قرر طاقم الخليل الاستمرار في عمله تحت اسم جديد هو مسرح «نعم»، ومنذ ذلك اليوم قدم مسرحيات عدة.

* المسرح وجمهور الخليل
يؤمن زاهدة والشيوخي والطيطي بأن «المسرح فن راق يستخدم اللعب ولعب الأدوار لتنمية مهاراتنا ومهارات أطفالنا على المستويات كافة». وبحسب زاهدة فإنه «أدى دورا رئيسيا في النقد والتطوير والتغيير نحو الأفضل على مر العصور، ولذلك انبعثت فكرة المسرح في الخليل بشكل خاص، فهو نشاط ترفيهي وتربوي بالدرجة الأولى، وهو يمزج الخيال بالواقع ليقود المشاهد إلى العيش في عالم من الخيال الذي يكون مصدرا للإبداع في المستقبل، ففي المسرح يقوم المشاهدون بتفريغ طاقاتهم وقول وفعل ما لا يستطيعون قوله أو فعله في حياتهم العادية، في البيت والمدرسة والشارع. المشاهد في المسرح يضحك ويبكي ويحلم ويصرخ ويغضب، ويعبّر عن كيانه بكل ثقة وجرأة.. في المسرح يتعلّم المشاهد احترام الآخر والاستماع إليه، وتترسّخ داخله القيم الأصيلة من خلال طرح آرائه وأفكاره ومشكلاته وأحلامه وأمنياته وطموحاته بأسلوب عفوي بسيط بعيد عن فلسفة الأشياء وتعقيدها. لذلك كله كان مسرح (نعم)».
وقال زاهدة «كثير من الفنانين الفلسطينيين، وبخاصة في الخليل، يتركون الفن ليزاولوا مهنة أخرى حتى يستطيعوا توفير لقمة العيش، فالفنان مواطن عادي يتأثر بهموم وطنه على جميع الصعد، ومنها الاقتصادية، ولا ينسلخ أبدًا عن هموم شعبه، بل على العكس، يكون التأثير عليه أكبر. وكما أسلفت، ليس لدى الفنان الفلسطيني، وفي الخليل بشكل خاص، راعٍ لحقوقه. وهو يعاني من مشاكل كثيرة أبرزها عدم وجود جهة راعية، ونحن نعتمد على جهودنا الفردية في الدفاع عن حقوقنا، ولا ننكر أننا بحاجة ماسة وملحّة لتشكيل نقابة للعاملين في هذه المجالات من المهن، وهذا لا يقتصر على الفنانين في الخليل».
لكن زاهدة يتسلح بالأمل حين يؤكد أن جمهور الخليل «منذ بداية عملنا في مسرح (نعم)، جمهور متقدم ومتعدد، بالنسبة لما يمكن تسميته بالعلاقة الشائكة بين الجمهور والمسرح. نعم هناك علاقة شائكة، وهذا بسبب نفور الجمهور من بعض الأعمال المسرحية، لكننا لا نستطيع مواصلة لوم الجمهور فقط، وإنما هناك مسؤولية تقع على عاتق الفنان تتعلق بما يقدمه. فالموضوع الشائك هو ألا يقدم العمل المسرحي للمتفرج أي فائدة أو قيمة، أو أن يجد المتفرج في العمل المسرحي نمطا لا يختلف عن مسرحيات أخرى، أو أن يخاطب العمل المسرحي فئة بمستوى أعلى من مستوى الجمهور العادي، هذا كله عامل منفر للجمهور، الهدف هو تطوير المشاهد وجذبه، فالعمل الجميل لا يختلف عليه أحد، حيث يرفض زاهدة وصف الخليل بالمدينة المنفرة أو الطاردة للثقافة والفنون».
ويضيف «هذه ثقافة نمطية لا علاقة لها بمدينة الخليل، ومن يروج لها لم يزر الخليل.. لا ننكر أنه لا وجود لدور السينما والمسرح في الخليل، وأنه في وقت سابق كان ممنوعا، وهناك أشخاص يحولون دون وجود مسرح في الخليل.. هذه حقيقة، لكن علينا ألا نكون مجحفين بحق ثقافة الخليل وجمهور الخليل، فهو جمهور واع بشهادة العديد من الفنانين الذين قدموا عروضهم في المدينة. وباعتقادي أن العمل الفني الناجح يجب أن يعرض في الخليل، لأن الجمهور هناك يستطيع أن يصوب العمل ويكشف ضعفه ويتعامل مع الأمور بعفوية، فإذا كان هناك إسفاف بالعمل فسيصارحك الجمهور من دون مواربة، والخليل مدينة كبيرة فيها نسبة مرتفعة من الأطباء والمثقفين والمتعلمين». لكن زاهدة، ومن جانب آخر، يقول «لا شك في أن لكل عمل مسرحي محدداته، وهذا متعلق بالبيئة التي يعرض فيها. في الخليل، عدا عن إشكالية الفضاء المسرحي المجهز، يكون الفنان في حالة تحدّ، فعليه أن يجد المفردة المناسبة للحديث، وهو أول تحد يواجهه الفنان، خاصة بشأن كيفية التطرق للقضايا الحساسة، وبالتحديد الدينية، ومع كونه محددا فإن العمل حر بطرح تساؤلات، والتساؤل ليس حراما، وهذا مستوعب، ولكن ما هو غير مستوعب هو ما تحدثنا عنه، وأعني الشكل المنفر لطرح القضايا.. التحدي الثالث هو وجود العنصر النسائي. وعلى الرغم من ذلك، نجحنا في مسرح (نعم) في استقطاب عناصر نسائية، وتدريبهن على ورشات الدراما ومسرح الدمى، واستطعنا أن نقدم لأول مرة ثلاث فتيات ممثلات على المسرح في الخليل، وهي قفزة نوعية».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.