المنشقون السياسيون والعسكريون عن نظام الأسد في عزلة بانتظار المرحلة الانتقالية

لا تمتلك المعارضة السورية رقمًا دقيقًا لهم.. وتقدرهم بالآلاف

مظاهرة لسوريين معارضين أمام مقر الحكومة البريطانية «10 داونينغ ستريت» أمس (تصوير: جيمس حنا)
مظاهرة لسوريين معارضين أمام مقر الحكومة البريطانية «10 داونينغ ستريت» أمس (تصوير: جيمس حنا)
TT

المنشقون السياسيون والعسكريون عن نظام الأسد في عزلة بانتظار المرحلة الانتقالية

مظاهرة لسوريين معارضين أمام مقر الحكومة البريطانية «10 داونينغ ستريت» أمس (تصوير: جيمس حنا)
مظاهرة لسوريين معارضين أمام مقر الحكومة البريطانية «10 داونينغ ستريت» أمس (تصوير: جيمس حنا)

لم ينجح آلاف المنشقين عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، سواء العسكريون منهم أو السياسيون والدبلوماسيون، على مدى السنوات الـ4 الماضية، في لعب أي دور مؤثر باتجاه وضع حد للأزمة المتمادية، بعدما ظل الكثير من السوريين وحتى فترة ليست ببعيدة ينظرون إليهم بنوع من الريبة خوفا من أن يكونوا عملاء يحاولون خرق صفوف المعارضة.
ويُعتبر رئيس الحكومة السورية السابق رياض حجاب أبرز المنشقين السياسيين عن النظام السوري. ففي السادس من أغسطس (آب) 2012، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن حجاب أقيل من منصبه، فيما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان في حينها بأنه انشق عن النظام وقام الجيش الحر بتأمين خروجه من درعا إلى الأردن مع عائلته وعائلات إخوته. وفي مؤتمر صحافي عقده حجاب في العاصمة الأردنية منتصف أغسطس، أكّد أنه لم يُقل من منصبه وأنه انشق بإرادته، كما قال إنه «جندي مخلص من جنود الثورة السورية».
وتفرغ حجاب بعد انشقاقه لتأسيس كيان إداري تنظيمي سوري معارض باسم «التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية»، بهدف جمع وحشد الكوادر السورية المنشقة. وقد تولى حجاب رئاسة هذا التجمع الذي ينضوي تحت مظلة الائتلاف السوري، ويضم حاليا عددا كبيرا من المنشقين السياسيين والدبلوماسيين ومن شغلوا مناصب كبيرة في مؤسسات الدولة.
وأشار رئيس التجمع الحالي محمد حسام الحافظ إلى أن المنشقين السياسيين، كما العسكريين، عانوا في بداية الثورة من «التهميش نتيجة المفهوم الخاطئ الذي كان لدى كثيرين تجاههم. ولفت الحافظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه تتم حاليا الاستفادة من خبرات بعض المنضوين تحت لواء التجمع من خلال الحكومة المؤقتة بمختلف وزاراتها، إلا أن غياب الهيكل التنظيمي الكامل والتمويل لا يزال يشكل «عنصر ضعف يمنع من وضع كل خبرات الأعضاء بخدمة المناطق المحررة». وأضاف الحافظ «يضم التجمع حاليا نحو 1500 عضو من العاملين في مؤسسات الدولة السورية، ولدينا عدد كبير جدا من طلبات الانتساب. وينقسم تجمعنا اليوم إلى 9 مجالس هي مجلس الدبلوماسيين الذي يضم 25 عضوا، المجلس الطبي، مجلس البرلمانيين، مجلس المرأة، مجلس المساءلة والمحاسبة، المجلس القضائي، الإدارة المحلية، الأكاديميين، والمحامين». ويجري العمل على تشكيل مجالس أخرى كمجلس المهندسين والتربويين، إلى جانب وجود عدد جيد من الأعضاء غير المؤطرين ضمن المجالس بعد.
وأوضح الحافظ أن التجمع يعمل أيضا كمنظمة مدنية غير حكومية تهدف لتأمين التمويل اللازم لمشاريع صغيرة تخدم المناطق المحررة، وبخاصة في المجالات التي لم تنشط فيها الحكومة المؤقتة بعد.
وشدد على ان المنشقين يشكلون خزان الخبرات الأساسي المعوّل عليه في مرحلتي الترميم وإعادة الإعمار».
ولا تمتلك قوى المعارضة رقما دقيقا لعدد المنشقين السياسيين والعسكريين على حد سواء، إلا أنها تقدرهم بالآلاف. ومن أبرز المنشقين السياسيين عن النظام السوري، نائب رئيس الحكومة السابق قدري جميل الذي انشق في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، وقد أصدر الأسد مرسوما بإقالته لـ«غيابَه عن مقر عمله دون إذن مسبق، وعدم متابعته لواجباته». وقد شكّل انشقاق المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية السورية، جهاد المقدسي، في ديسمبر (كانون الأول) 2012، ضربة كبيرة للأسد باعتبار أن الشاب المسيحي كان يشكل وإلى حد كبير صورة دبلوماسية جميلة فقدها النظام بين ليلة وضحاها. وفي أول مقابلة له في فبراير (شباط) 2014، قال المقدسي إن النظام ما زال يؤمن بإمكانية الحل العسكري، داعيا المجتمع الدولي إلى التركيز على منح الشعب فرصة «الفوز بالنقاط» عوض التركيز على «الضربة القاضية» وإسقاط الأسد، خاصة أن المطلب الحالي بات تغيير النظام.
وأسفت مصادر في الائتلاف السوري المعارض لعدم نجاح قوى المعارضة طوال السنوات الـ4 الماضية في الاستفادة من الانشقاقات الكثيرة التي تمت، إن على صعيد السياسيين أو العسكريين والأمنيين. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «لم نتمكن من تأمين العدة والإمكانيات اللازمة لهؤلاء، خاصة للعسكريين، مما أدى لانفتاح الكثير منهم على التطرف بعدما وجدوه ملجأ وحيدا لتحرير بلادهم من نظام الأسد».
وأول الانشقاقات على المستوى العسكري سجّله في 23 أبريل (نيسان) 2011 المجند في الحرس الجمهوري في قيادة قاسيون وليد القشعمي، الذي أعلن انشقاقه في تسجيل مصور بثه ناشطون سوريون على الإنترنت. وقال في التسجيل إنه رفض هو وبعض زملائه إطلاق النار على متظاهرين في بلدة حرستا بريف دمشق، وألقوا أسلحتهم وهربوا، وحماهم المتظاهرون.
وفي يونيو (حزيران) 2011، أعلن الضابط في الجيش السوري برتبة ملازم أول عبد الرزاق طلاس انشقاقه بسبب ما سماها «الممارسات غير الإنسانية واللاأخلاقية». ودعا الضابط في تسجيل مصور زملاءه العسكريين إلى «الانحياز لمطالب المواطنين».
ومن أبرز المنشقين العسكريين الذين لمع نجمهم العقيد رياض الأسعد، الذي أعلن انشقاقه برفقة مجموعة من ضباط الجيش السوري في يوليو (تموز) 2011، وأسسوا «الجيش السوري الحر». وقد نجحت الكتائب المتطرفة في إقصاء عناصر الجيش الحر وضباطه الذين انكفأ عدد كبير منهم في المخيمات الأردنية والتركية.
وفي يناير (كانون الثاني) 2012، أعلن العميد مصطفى أحمد الشيخ انشقاقه عن الجيش وانضمامه إلى الحركة الاحتجاجية، في تسجيل مصور بث على موقع «يوتيوب» بعد فراره إلى تركيا. واتهم العميد المنشق الجيش السوري بارتكاب جرائم ومجازر في حق الشعب السوري.
ولم يتمكن العسكريون المنشقون، خاصة ذوي الرتب العالية، من الانسجام مع الطبيعة الميليشياوية لتجمعات الثوار المقاتلين، وفيما قرر الكثير منهم انتظار دورهم في مرحلة انتقالية مقبلة، قبل بعضهم الانضمام إلى الفصائل المسلحة، والخضوع لقيادة المدنيين، لكنهم لم يتمكنوا من التأقلم مع الارتجال وعدم الانضباط وضعف التنظيم، وأجبروا على الانعزال والاكتفاء بالمراقبة أو التخطيط من بعيد.
واعتبر رياض قهوجي، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري»، أن «غياب القوة والقيادة الموحدة كان السبب الرئيسي وراء عدم القدرة على استيعاب العسكريين المنشقين والاستفادة من خبراتهم»، لافتا إلى «انقسام قوى المعارضة وتشرذمها وارتهان بعضها لقرارات خارجية أبعدت المنشقين عنها، فاختاروا الانزواء». وقال قهوجي لـ«الشرق الأوسط»: «انتهى المطاف بهم بعزلة لصالح أشخاص من أصحاب العقليات الميليشياوية التي لا يتفق معها القادة العسكريون».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.