السوريون.. الحياة تحت جحيم الحرب

تكيّفوا مع الحرمان والخوف.. وعسكر وشبيحة ولصوص وقطاع طرق يستفيدون من غياب الأمن

السوريون.. الحياة تحت جحيم الحرب
TT

السوريون.. الحياة تحت جحيم الحرب

السوريون.. الحياة تحت جحيم الحرب

لم تتمكن نجاح.ع، العاملة في تنظيف المنازل من الذهاب إلى عملها صباح أحد الأيام، كانت ترتدي ملابس العمل عندما تلقت هاتفا يبلغها أن شقيقتها في المنطقة المحاصرة على بعد بضعة كيلومترات أصيبت بقذيفة، وبترت قدمها، أثناء ذهابها لتسلم حصتها الغذائية من مكتب للأمم المتحدة، وتم نقلها إلى مشفى على أطراف مدينة دمشق.
نجاح سيدة في منتصف العمر ترملت مبكرا ولها 3 شبان أحدهما التحق بالخدمة الإلزامية، والثاني تطوع في إحدى الميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام، والثالث مفقود والأرجح أنه انضم إلى فصائل المعارضة. أما البنات فهن ثلاث؛ واحدة مراهقة وقد تركت المدرسة، وأخرى قتل زوجها في المعارك الدائرة جنوب دمشق تاركا لها طفلا عمره سنتان، والثالثة زوجها اختفى بعد 6 أشهر من زواجها.
تمكنت نجاح من الخروج من حي الحجر الأسود بعد أشهر من الحصار والتجويع لتسكن في حديقة جنوب العاصمة، إلى أن بدأت بالعمل في تنظيف المنازل. استأجرت غرفة بأجر زهيد في بناء تتمركز على سطحه قوات النظام. تؤكد نجاح أنها لم تعرف النوم منذ نزحت من بيتها في الحجر الأسود، فتارة تعاني البرد الشديد الذي يكاد يفتك بها وبأبنائها.. وتارة من أصوات القصف المنطلقة من سطح المبنى، وتارة أخرى من الجوع لعدم توفر المال الكافي لشراء وجبة تكفي العائلة، عدا المصائب التي تتوالى عليها يوما بعد آخر منذ أن اندلعت الحرب في سوريا.
4 أعوام مرت على الثورة السورية.. يحاول سكان المدن السورية التكيف مع واقع جديد فرضته الحرب، تمثل في ندرة المواد الغذائية والأدوية وارتفاع ثمنها بشكل جنوني، وفقدان مقومات العيش الطبيعية من ماء وكهرباء، فيما اعتاد السوريون على الهروب من مواقع سقوط القذائف ومناطق الاشتباكات، حتى باتوا أشبه بالرحل، يتنقلون من مكان إلى آخر، بحثا عن أمان مفقود.
فرضت الحرب هذا الواقع، منذ اشتعالها في مارس (آذار) من عام 2011، لكن المعاناة تضاعفت مع انتشار المعارك في مجمل المناطق السورية. يقول «عبد القادر» الذي وصل إلى لبنان قبل 6 أشهر، إن الحياة هناك «باتت جحيما»، إذ «قطعت المعارك أوصال البلد»، بينما «باتت لترات قليلة من مادة المازوت، عملة نادرة»، إضافة إلى أن أسعار السلع «صارت خاضعة لأطماع المحتكرين والتجار»، حتى إن المدن أصبحت «مقطعة الأوصال»، فضلا عن «الحواجز النفسية والأحقاد التي تركتها الحرب بين شعب واحد تحول إلى شعوب».
تقول نجاح: «كانت حياتي في الحجر الأسود عادية وهادئة، بيتي مفروش بكل ما يلزم، أنا الآن مشردة مع أولادي، تؤوينا غرفة باردة تفتقر لكل شيء، ننتظر بفارغ الصبر الحصول على معونات، مع أني أعمل بأجر ألف وثلاثمائة ليرة يوميا (7 دولارات تقريبا)، لكنها بالكاد تكفي ثمن الأكل» وتروي أنها تعرضت الأسبوع الماضي للسرقة لدى عودتها إلى بيتها بعد يوم عمل طويل وشاق، ورغبت أن تشتري فلافل لتتعشى مع أولادها وكانت تحلم باللحظة التي ستصل فيها كي تأكل وترتاح، ولكنها اكتشفت أن لصا سحب أجر اليوم من حقيبتها وفر هاربا.
«نوال» وهو اسم مستعار لعجوز في الثمانين من العمر، ثرية بيتها لا ينقصه شيء كما لا ينقصها المال، لكنها تعيش حياة تعيسة كما تقول. كانت تملك أسرة كبيرة من أبناء وأحفاد قرابة الخمسة والعشرين شخصا، كانوا يملأون بيتها بالحياة.. فجأة افتقدهم جميعا منهم من هاجر إلى أميركا وآخرون إلى أستراليا وكندا وأوروبا، لتبقى وحدها في بيت مساحته 300 متر تحادث الصور والظلال. تقول: «أنا صرت ناطورة للبيت وكأني ما أنجبت ولا ربيت».
حال هذه السيدة التي ترعاها نجاح يومين بالأسبوع يبدو مترفا بالمقارنة مع قلق عائلة جيرانها التي لم تتمكن من تسفير ثلاثة من أبنائها الشباب المطلوبين للخدمة العسكرية والاحتياط، وما زلوا يتنقلون متخفين من مكان إلى آخر ريثما تتدبر العائلة أمر تخليصهم من التحاق بالخدمة العسكرية، بأي وسيلة ممكنة سواء بدفع الرشى أو بالتهريب إلى خارج البلد.
يقول أبو عادل: «كلما قرع جرس الباب يتوقف قلبي.. أظن أنهم جاءوا لسحب الأولاد إلى العسكرية»، مشيرا إلى أن هذه المشكلة تفوقت على كل المشكلات الأخرى التي يعيشونها في ظل الحرب، يقول: «لم يعد انقطاع الكهرباء والوقود وغلاء الأسعار وتعطل عملي يزعجني كثيرا، كما لم اعد أتذمر من الانتظار ثلاث أو أربع ساعات أمام محطة البنزين، ولا من الحواجز المنتشرة على طريق العمل ذهابا وإيابا، ولا حتى من (غلاظات) الشبيحة، كل ذلك بات هموما صغيرة أمام هم سحب أولادي إلى العسكرية، هذا الهم أكل قلبي وليس لدي مال كاف أدفعه لإنقاذ مصيرهم.. لا أعرف كيف أتدبر الأمر، ولم يتبقَ لي خيار سوى بيع البيت والسيارة لتأمين تهريبهم إلى أي دولة أخرى».
هيام ونجلاء، أختان تقدمتا بالعمر ولم تتزوجا وما زالتا تعيشان في منزل العائلة شرق دمشق. تبدي الشقيقتان إصرارا كبيرا على البقاء في دمشق رغم الحرب. تقول نجلاء وهي الشقيقة الكبرى أن أشقاءها وأولادهم في بالخليج وأوروبا، يساعدونهما بالمال لتتمكنا من الاستمرار بالعيش، مشيرة إلى أنهما تحصلان كل شهر تقريبا على مبلغ ألف دولار، كانت كافية لسد كل الاحتياجات قبل نحو عام، لكنها اليوم لا تكفي لسد الرمق. فاتبعوا خطة تقشف جديدة، كل يوم يضاف إليها بند جديد، فمثلا بسبب شح البنزين لم تعد تستخدم السيارة إلا في حالات الضرورة القصوى، لكن جاء شح المازوت وتراجع عدد حافلات النقل الداخلي ليدفعهما أحيانا لاستخدام تاكسي في التنقل، لكن هذا أضاف إليهما أعباء مالية جديدة، فاضطرتا لتقليص عدد زياراتها لوسط العاصمة، بحيث خصصت يوما واحدا للتسوق وآخر لعيادة الأطباء والزيارات الاجتماعية.
بالنسبة للتدفئة فاستبدلت مدفأة المازوت بمدفأة حطب، تستخدم للطبخ أيضا وتسخين الماء للحمام والجلي، لتوفير الغاز، وخاصة أن الكهرباء مقطوعة غالبية ساعات اليوم. أما الإضاءة فتستخدم المولدة المنزلية بحالات الضرورة، أما في الأوقات العادية فيعتمد على بطارية شحن صغيرة، كما تم الاكتفاء باستخدام غرفة واحدة (غرفة المعيشة) من المنزل توفيرا للكهرباء والتدفئة والتنظيف، فتستخدم للاستقبال والأكل والنوم. وتختصر نجلاء كلامها بالقول: «يوما بعد آخر تضيق بنا الحياة ونعود إلى الوراء بدل أن نقطع خطوة للأمام». وتستدرك: «إلا أني وشقيقتي بوضع نحسد عليه قياسا إلى مآسي غيرنا»، لافتة إلى ما جرى مع صديقتها المقربة التي قتل ابنها الأسبوع الماضي بقذيفة لتقول: «كل شيء يهون أمام الموت والإعاقة وخطر القذائف العمياء حين تنهمر على الشام».

* حركة التنقل في المدن
* بات التنقل عموما وحتى داخل المدينة نفسها، سواء أكانت خاضعة لسيطرة المعارضة أم النظام، أزمة بحد ذاتها. يقول موسى الخطيب من مدينة حلب، إن السكان «يحجمون عن الصعود في سيارات التاكسي، بسبب المخاوف من الخطف»، مشيرا إلى أن «رجال أمن وشبيحة ولصوصا وقطاع طريق، يستفيدون من غياب الأمن في المنطقة، ويستخدمون سيارات التاكسي لاصطياد الناس لأغراض السرقة أو دفع الفدية أو أغراض سياسية وأمنية». ويشير إلى أن الناس «يتريثون قبل التنقل في سيارات الأجرة، ويفضلون التنقل سيرا على الأقدام في ساعات النهار كي يتجنبوا السرقة والخطف».
وفي ساعات الليل، بات التنقل شبه مفقود. ثمة تحذيرات من الخطف والقنص على حد سواء. يقول ناشطون، إن مناطق بحالات «باتت أشبه بخطوط تماس، وساحات لقناصين ينشطون ليلا، فضلا عن انتشار مسلحين في الطرقات، ولصوص يقيمون حواجز متنقلة، مدعين أنهم جهات أمنية، علما أنهم يسرقون الناس في الشوارع».
إلى ذلك، لم يعد سهلا على أي مواطن سوري أن يتنقل بين مكان وآخر. الأسماء التي يحملونها، منعتهم من التجوال بين مناطق ألفوا زيارتها لأغراض تجارية أو حرفية أو عائلية. يقول أبو علاء، وهو عامل في نحت الصخر بريف حماه، إن لم يلتق شقيقه منذ 3 سنوات. ويضيف: «الحواجز العسكرية النظامية المنتشرة حول مدينة حماه، حيث أقطن، ستدقق بهويتي ووجهتي، ما يثير الشبهات حول علاقتي بزيارة شقيقي في الريف الشمالي للمحافظة»، مشيرا إلى أن «الحواجز العسكرية التابعة للمعارضة، ستعتقلني أيضا إذا عرفت أنني لا أزال أقيم في مناطق سيطرة النظام في المدينة». ويقول: «في كلي الحالتين، سأعتقل أو أهان أو أقتل.. وعليه، حرمت من لقاء شقيقي كما حرم شقيقي من لقائي، ونكتفي بالتواصل عبر الاتصالات الهاتفية».
الواقع أن انتشار الحواجز العسكرية لقوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد في محيط المدن وداخلها، وانتشار الحواجز العائدة لفصائل عسكرية معتدلة أو متشددة، ألغت الكثير من عمليات التواصل العائلي في شمال البلاد.
عائشة (56 عاما) هي أم لخمسة أولاد، تلزم منطقة سكنها في جسر الشغور منذ 3 سنوات، لكنها حرمت من لقاء أولادها المنتشرين في تركيا ولبنان ودمشق وغرب حلب. يقول ابنها أحمد الذي يقيم في منطقة النبعة في ضاحية بيروت الشرقية: «لم نلتقِ جميعا منذ أكثر من عامين.. أحيانا يستطيع شقيقاي أن يزورا أمي.. لكنها في معظم الأوقات وحيدة، ويهتم بها جيراننا».
وقطعت الظروف نفسها التواصل بين أبناء المحافظة أو المدينة الواحدة. وحدهم التجار، والمستفيدون من اقتصاد الحروب، يستطيعون التنقل بين المناطق، على ضوء حيازتهم على دعم من كلي الطرفين.
يقول ناشطون إن التجار والمهربين: «هم أكثر الأشخاص الذين يتمتعون بقدرة على التحرك، وينقلون من البضائع من منطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة المعارضة، بغطاء من المسلحين المعارضين والشبيحة، ويحتكرون بيعها، ويرفعون أسعارها لتصل إلى حدود 200 في المائة أحيانا».
ففي ظل الحصار الذي تفرضه القوات النظامية على أحياء المعارضة، افتقدت تلك الأحياء إلى المواد الأساسية وسبل العيش الضرورية. وفي حلب، كما في الغوطة الشرقية وحي الوعر في وسط حمص، أتيح لـ«تجار الأزمات» كما يطلق عليهم عضو في الائتلاف الوطني السوري، التنقل بحرية، وجمع ثروات. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعارضين كما شبيحة النظام يتكاتفون، رغم خلافاتهم السياسية والعسكرية، على حساب الفقراء، فيخبئون مواد إغاثية، ويرفعون أسعارا أخرى، ويوفرون المواد الطبية والغاز والمازوت بأسعار مضاعفة»، مشيرا إلى أن هؤلاء «باتوا السمة الرئيسة لمناطق خطوط التماس في الشمال».
وتفتقد مناطق سيطرة المعارضة إلى المقومات الأساسية الحياة، في ظل الحصار المفروض عليها، ما اضطر كثيرين إلى دفع ثمن السلع مبالغ مضاعفة، فيما خففت المعونات وقوافل المساعدات من حجم الكارثة في كثير من الأوقات. وتتقاسم جميع المناطق هذه المشكلة، غير أن بعضها التي تتمتع بحدود مفتوحة على «مناطق محررة»، تخف فيها الأزمة عن مناطق أخرى، وخصوصا في المناطق المفتوحة على الحدود التركية أو الحدود الأردنية.
ويرجع معارضون سوريون الوضع الإنساني الذي وصل في حمص إلى مستوى «كارثي»، قبل إدخال المساعدات الأخيرة الشهر الماضي. والمشهد نفسه يتكرر في الغوطة الشرقية وبلدات جنوب دمشق، وحي الوعر في حمص (وسط البلاد) بفعل الحصار المطبق الذي تنفذه القوات الحكومية بعد عزل تلك المناطق عن محيطها، وهي استراتيجية أجبرت المعارضين في بعض البلدات على توقيع اتفاقيات مع النظام، فيما تقتات أخرى من الخضار، و«ما تيسر من محاصيل زراعية» لمنع وقوف آلاف السكان في المجاعة، كما تقول مصادر المعارضة في ريف دمشق لـ«الشرق الأوسط»، وخصوصا في داريا والغوطة الشرقية.
وتشير إلى أن إدخال العدد المحدود جدا من الحصص الغذائية إلى الغوطة الشرقية «يخضع لتفتيش دقيق من القوات الحكومية على مداخل المنطقة، فيما ترتفع أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني في الداخل بسبب ندرتها»، لافتة إلى «شبه حرمان تعانيه الغوطة من المساعدات الإغاثية عبر المنظمات الدولية».
وينسحب هذا الواقع على الحصول على خدمات أخرى، مثل بطاقات تعبئة الهاتف الجوال التي غالبا ما تنقطع، ما دفع كثيرين إلى اعتماد أساليب أخرى للاتصال. ويقول أحمد من سكان حلب، إن وسيلة الاتصال المتوفرة الآن «هي الاتصال من السنترالات التي افتتحت حديثا في أحياء حلب، وتعتمد تقنية الاتصال عبر الإنترنت بشكل أساسي، إلى جانب خطوط السيرتيل التي تتوفر بين حين وآخر».
وفي ما يرتبط بخدمات الإنترنت، يقول ناشطون إن غياب التغطية من الشبكة الحكومية في مناطق سيطرة المعارضة، انتشرت مقاهي الإنترنت على نطاق واسع، حيث يرتاد السوريون تلك المقاهي بهدف التواصل مع العالم الخارجي، ويحصلون على التغطية من الشبكة الفضائية.
وإلى جانب انقطاع مواد الغذاء والاتصالات، اعتاد سكان سوريا على انقطاع الكهرباء والشح في وصول مياه الشفة. وتظهر صور جوية يتداولها ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، حجم العتمة في المدن السورية ليلا، بالمقارنة مع صور مأخوذة قبل الأزمة. وتكيف السكان مع هذا الواقع، عبر اعتماد أساليب أخرى للإضاءة، بينها بطاريات السيارات، ومولدات كهربائية تروج تجارتها، إضافة إلى الشموع ومصابيح الجاز التي كانت تستخدم في وقت سابق قبل عشرين عاما في القرى السورية.
ويقول ناشطون، إن الإقبال على شراء الشواحن والمولدات الكهربائية، أدى إلى رفع أسعارها بطريقة جنونية وصلت إلى أضعاف أسعارها الحقيقية، مع استغلال البعض للطلب الكبير، وأصبحت تجارتها وصيانتها مربحة جدا في زمن الحرب.
وتخضع المدن السورية لتقنين قاس بالتغذية الكهربائية، إضافة إلى التقنين بالحصول على مياه الشفة، ما يدفعهم إلى حفر آبار ارتوازية، بعضها ملوق، لكن البديل الطبيعي لانقطاع الماء. إضافة إلى ذلك، بات رائجا وقوف صفوف طويلة من الصغار والكبار لتعبئة ما تيسر لهم من المياه من صهاريج توفرها القوى المسلحة الموجودة في المناطق، بغرض مساعدة السكان وتأمين مياه الشفة لهم.
وإذا كان السكان وجدوا بدائل لمواد أساسية يفتقدونها، وتكيفوا مع الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، إلا أن أساسيات أخرى، لا يمكن التعويض عنها، بحسب ما يقول ناشطون، وأهمها افتقادهم للدواء، ويحصلون على الأدوية في حال توفرت من منظمات دولية أو الهلال الأحمر السوري وقوافل المساعدات. وفي حال فقدانه، فإن كثيرين يصابون بمضاعفات صحية، من غير القدرة على علاجهم، كما يقول ناشطون.
وكان أطباء سوريون اجتمعوا في باريس الشهر الماضي، حذروا من الكارثة الطبية والإنسانية في بلادهم التي تشهد حربا مستمرة منذ نحو 4 سنوات، مع نقص في الأطباء والمعدات والأدوية وعودة ظهور أمراض سبق أن تم استئصالها، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية. وخلال لقاء مع الصحافة في وزارة الخارجية الفرنسية، قال عبيدة المفتي، الطبيب الفرنسي السوري العضو في اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية، وهي شبكة من الأطباء من داخل وخارج سوريا مدعوم من عدة بلدان، ولا سيما فرنسا، إن «الوضع لا يحتمل، كارثي، ولم يعد هناك وجود طبي في الكثير من المناطق السورية».
وفي الشمال، بات الحال أصعب، بحسب ما تؤكد مصادر بارزة في المعارضة، إذ «تعاني حلب من أزمة إنسانية كبيرة، نتيجة فقدان الأدوية من مناطق سيطرة النظام، وافتقادها مواد أساسية يحتاج إليها المواطنون في الشتاء»، مؤكدة أن الأزمة الإنسانية تجددت في حلب.
ورغم ذلك الوضع المأساوي، لا يزال السوريون متشبثين بمناطقهم. تكيف بعضهم مع واقعه، واستعاد البعض الآخر نشطه على وقع القذائف والصواريخ والرصاص. ورغم استمرار الحرب في سوريا يواصل كثير من التجار والحرفيين تمسكهم بأداء عملهم وتقديم السلع والخدمات للسكان في دمشق.
وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز»، اضطر غسان العلبي التخلي عن ورشة الحدادة التي يملكها في السبينة بريف دمشق عندما دخل فصيل مسلح البلدة وأجبر السكان على الرحيل. انتقل العلبي مع أسرته إلى مكان آخر وظل بغير عمل عدة شهور إلى أن قرر تحدي الظروف واستئناف العمل ولو في الشارع. وقال العلبي: «لا وجود للغد.. على كل شخص أن يقوم بمهامه اليومية، يوما بيوم، ودقيقة بدقيقة، نعمل هنا تحت السماء وسط الطريق».
ووسط هذا الواقع، يبدو كثيرون تواقين إلى الهروب من المعاناة اليومية التي يعيشونها، وبالتالي بحثهم عن طوق نجاة، هو الوصول إلى أوروبا، وإن كان الأمر يتطلب دفع مبالغ مالية مرتفعة.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.