أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

الانتعاش «في الطريق» وفرص الاستثمار جيدة

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق
TT

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

رحبت أوساط الاستثمار الأوروبية بقرار البنك المركزي الأوروبي اعتماد سياسة التيسير الكمي (Quantitative Easing) التي بدأت هذا الشهر مارس (آذار) بحجم أكبر من المتوقع بلغ 60 مليار يورو شهريا. وسوف يواصل البنك هذه السياسة حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من العام المقبل بحجم إجمالي يفوق التريليون يورو. وتتوجه هذه السيولة الهائلة إلى الأسواق الأوروبية لشراء السندات الحكومية والخاصة، وتهدف أساسا إلى إنعاش الاقتصاد الأوروبي من حالة التقشف والخمول التي حلت به منذ سنوات بسبب تشدد السياسات المالية.
ويعني تبني سياسة التيسير الكمي تغييرا جذريا في توجهات الاقتصاد الأوروبي من الانكماش إلى الانفراج، وانعكس أثرها الفوري على ارتفاع الأصول والأسهم الأوروبية وانخفاض قيمة اليورو إزاء الإسترليني والدولار. وسوف يستمر هذا التوجه خلال 19 شهرا على الأقل هي فترة تطبيق البرنامج، أو حتى تتحقق أهداف البرنامج، مما يعني أن أمام المستثمر الأجنبي فرصة استثمار جيدة في بدايات البرنامج الأوروبي قبل عودة الانتعاش في مرحلة قد تكون غير مسبوقة من النشاط الاقتصادي المتوقع منذ تطبيق العملة الأوروبية الموحدة.
مدير الاستثمار البريطاني لي غاردهاوس قال تعليقا على البرنامج الأوروبي إن أوروبا بها مجموعة من أفضل الشركات العالمية التي حققت إنجازات كبيرة حتى في ظل سياسة التقشف الأوروبية في السنوات الماضية إلى درجة أنها تفوقت على مؤشر فايننشيال تايمز (فوتسي) لكل الأسهم البريطانية والمؤشر الدولي أيضا.
وهنالك الكثير من السحب القاتمة التي تظلل الاقتصاد الأوروبي في الوقت الحاضر، منها تراجع نسب النمو الاقتصادي واحتمال خروج اليونان من منطقة اليورو، وما يتبع ذلك من تكهنات حول من ستكون الدولة التالية، وأيضا ظاهرة الانكماش السعري (Deflation) التي كادت تصل إلى الصفر مع تراجع الاستثمار وتجمد نشاط الاقتراض على رغم سعر الفائدة المنخفض الذي لا يزيد على النصف في المائة. وانعكس ذلك كله على انخفاض أسعار الأصول والعقارات الأوروبية.
وتعترض بعض الجهات المالية الألمانية على البرنامج لأنها تعتقد أنه لن يشجع الدول الأوروبية على اتباع سياسات مالية رشيدة وفق قواعد الالتزام بمعايير اليورو من موازنة الإنفاق بالدخل ضمن حيز ضيق من العجز.
وقد عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن هذه المخاوف في حديثها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في بداية هذا العام. ولكن هذه الأصوات تبدو منخفضة في المزاج الأوروبي العام الذي ضجر من سياسة التقشف التي قصمت ظهر بعض الدول اقتصاديا، ودفع بعضها - مثل اليونان - إلى التلويح بمغادرة اليورو بالمرة. كما أراد البنك المركزي الأوروبي أن يثبت أنه مستقل في سياساته وليس تابعا لوزارة الخزانة الألمانية كما يشاع عنه. وقد صوت مجلس البنك على سياسة التيسير الكمي بأغلبية ساحقة إلى درجة عدم الحاجة إلى عد الأصوات الموافقة.
السياسة الجديدة للتيسير الكمي تهدف إلى إلغاء مجمل سلبيات الاقتصاد الأوروبي الراهنة، وتوفير السيولة في الأسواق ورفع نسبة التضخم إلى الهدف المعلن، وهو 2 في المائة سنويا، وبوجه عام مواكبة التحسن الذي طرأ على الاقتصاد البريطاني بعد تطبيق بنك إنجلترا لسياسة تيسير كمي مماثلة وصلت بمؤشر الأسهم البريطانية إلى رقم قياسي حاليا يقترب من 7 آلاف نقطة.
«الشرق الأوسط» لاحظت تدشين الكثير من صناديق الاستثمار البريطانية نحو الأسواق الأوروبية بعد أن تجاهلتها طويلا. من هذه الصناديق صندوق «إتش إل الأوروبي» الذي يساهم في إدارته روجر كلارك. واختار كلارك تدشين الصندوق في بداية شهر مارس الجاري لمواكبة النمو المتوقع في الاقتصاد الأوروبي.
وفي إجابة عن سؤال: «لماذا يعتقد أن الآن هو وقت جيد للاستثمار في أوروبا؟»، قال كلارك: «في رأينا أن التوجهات السلبية في أوروبا خفضت الأسعار بنسب كبيرة، ولذلك فإن أوروبا الآن تمثل أرخص تقديرات للأصول بين الدول الصناعية».
وأضاف كلارك أن من المهم النظر إلى أبعد من عناوين الصحف والاستثمار للمدى الطويل، وللعلم لمن يخشى الوضع في اليونان فإنها لا تمثل إلا نسبة 2 في المائة فقط من الاقتصاد الأوروبي. ويرى كلارك أن بداية برنامج التسهيل الكمي من البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر وبحجم 60 مليار يورو شهريا، وإجمالي 1.1 تريليون يورو تبدو مشجعة. وهو حجم هائل من الضخ المالي يماثل حجم الاقتصاد الإسباني، وهو رابع أكبر اقتصاد أوروبي، ويزيد 3 أضعاف عن البرنامج البريطاني المماثل.
وهو يقارن بما سبق وحدث في الدول التي طبقت برامج تيسير كمي مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة واليابان، حيث انتعشت الأسواق بعدها، وهو يتوقع انتعاشا مماثلا في أوروبا. وقد قرر كلارك التعجيل بتدشين صندوق الاستثمار الأوروبي من شركته لكي يواكب بداية البرنامج الأوروبي للتيسير الكمي.
المستثمر الأجنبي يمكنه أن يدخل السوق الأوروبية من عدة مداخل أسهلها المشاركة في أكثر من 300 صندوق استثمار متاحة تتعامل في الأصول والخدمات الأوروبية، أو بالاستثمار المباشر في البورصات الأوروبية أو دخول المجال العقاري أو شراء الشركات الأوروبية. والمستثمر يبدو الآن في وضع أفضل من حيث القوة الشرائية، حيث إن اليورو تراجع الآن إلى أقل سعر له منذ 11 عاما إزاء الدولار. وفقد اليورو 8 في المائة من قيمته إزاء الإسترليني منذ بداية هذا العام.
ولكن التوجهات الإيجابية المتوقعة للاقتصاد الأوروبي يجب ألا تؤدي إلى اندفاع استثماري أعمى، حيث يحذر المصرفي الألماني مايكل كيمر، رئيس هيئة المصرفيين الألمان من احتمال بزوغ «فقاعات سعرية في بعض الأصول بناء على تقديرات خاطئة للمخاطر». وأوكل البنك المركزي الأوروبي إلى البنوك المركزية الوطنية في كل دولة مهمة شراء السندات الحكومية والأصول ولكن بحد أقصى هو ثلث حجم الديون الحكومية في كل دولة. كما لن تكون هناك شروط أو تسهيلات خاصة لليونان. وسوف يتعين على اليونان أن تلتزم بالمعايير الأوروبية الجديدة للبرنامج حتى يمكنها الاستفادة منه.
وقال رئيس البنك ماريو دراغي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن الهدف المزدوج لسياسة التيسير الكمي هو وقف تراجع الأسعار في أوروبا وتحفيز الاقتصاد على النمو. وأشار دراغي إلى عاملي انخفاض أسعار النفط وتدني أسعار الفائدة على اليورو وأثرهما على تراجع الأسعار إلى معدلات سلبية في بعض الحالات هي الأقل تاريخيا.
من ناحية أخرى، كان التأثير الثالث المتوقع من سياسة التيسير الكمي هو انخفاض سعر صرف اليورو إزاء العملات الحرة الأخرى وبنسب وصلت إلى 20 في المائة مقابل الدولار الأميركي، وهو عامل مشجع لشركات التصدير الأوروبية، حيث تصبح منتجاتها أكثر تنافسية في أسواق العالم. من ناحية أخرى تصبح الواردات أغلى ثمنا، مما يضيف إلى نسب التضخم المحلية، وهو في الحالة الأوروبية الراهنة أمر مطلوب.

* الرأي المعارض
لا يتفق الجميع على أن سياسة التيسير الكمي هي العلاج المنتظر للمتاعب الاقتصادية الأوروبية، وظهر هذا جليا في منتدى دافوس الأخير عندما صرح لاري سمرز، الاقتصادي الشهير ووزير الخزانة الأميركي الأسبق، بأن البرنامج الأوروبي لن يكون له أي تأثير فعال في علاج المشكلات الاقتصادية الأوروبية على عكس البرنامج الأميركي.
والسبب، كما يشرحه سمرز، هو أن أحد أهداف البرنامج خفض أسعار الفائدة لدفع النمو الاقتصادي، وهي بالفعل منخفضة إلى أقصى درجة في أوروبا. وكانت أسعار الفائدة أعلى في أميركا عنها في أوروبا لدى بداية تطبيق البرنامج فيها. ويرى سمرز أن ما تحتاج إليه أوروبا فعلا هو برنامج إنفاق حكومي مباشر لدفع الاقتصاد وتشغيل الأيدي العاملة.
وفي دافوس، ردت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد على سمرز بالقول إن البرنامج الأوروبي ظهر تأثيره بالفعل مع بداية تطبيقه بانخفاض سعر اليورو، وهو أمر مشجع للصادرات والتوظيف. وهي تعتقد أن انخفاض قيمة اليورو يعد بداية طيبة وناجحة للبرنامج. واتفق الكثير من رؤساء الشركات الأوروبية مع لاغارد.
ولكن حتى رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي قال في صدد وصف ما يتوقعه من تأثير البرنامج على الاقتصاد الأوروبي إن ما تحققه السياسة المالية هي وضع الأسس للنمو الاقتصادي. ولكن من أجل أن يتحقق هذا النمو لا بد من وجود الاستثمار، وهو بدوره يحتاج إلى الثقة وإلى الإصلاحات الهيكلية.
ومهما تكن الآراء المعارضة، فالأمر المؤكد هو أن أوروبا الآن في وضع اقتصادي أفضل مما كانت عليه قبل عدة أشهر، والتحدي الكبير لبرنامج التيسير الكمي الأوروبي هو إخراج منطقة اليورو من مرحلة الخمول الاقتصادي التي لحقت بها في السنوات الأخيرة والتي أدت بدورها إلى تراجع الثقة الشعبية في المؤسسات المالية الأوروبية وفي حكوماتها أيضا.

* التيسير الكمي ليس مجرد «طباعة بنكنوت»
تختلف سياسة التيسير الكمي عن طباعة أوراق نقدية بلا قاعدة إنتاجية لها كما حدث في بعض دول العالم الثالث وأدى إلى معدلات تضخم هائلة وهبوط في مستويات المعيشة؛ فالبنوك المركزية الأوروبية توجه النقد الإضافي إلى شراء أصول وسندات حكومية من السوق، وتوفر المزيد من السيولة النقدية للمصارف.
وتهدف سياسة التيسير الكمي إلى رفع ثقة البنوك في الإقراض إلى المستثمرين والمستهلكين على السواء، مما يرفع وتيرة النشاط الاقتصادي الإجمالي مع نسب هامشية من التضخم تكون مطلوبة للاقتصاد. وتعاني بعض الدول الأوروبية من خطر التضخم السلبي، أي الانكماش وتراجع الأسعار، مما يدفع إلى الإحجام عن نشاط الشراء على أساس أن السلع في المستقبل سوف تكون أرخص منها في الوقت الحاضر. ولكن مع نسبة تضخم معقولة هي 2 في المائة كهدف البنك المركزي الأوروبي، فإن نشاط الإنفاق والإقراض في السوق يعود إلى وتيرته الطبيعية ويستأنف الاقتصاد نموه.
هذه السياسة اعتمدتها اليابان في بدايات الألفية ولجأ إليها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ثم بنك إنجلترا بعد الأزمة المالية في عام 2008، وكان التأخير الأوروبي في اعتمادها بسبب اعتراض ألمانيا عليها على اعتبار أنها تمثل تساهلا في شروط عضوية اليورو والتزام الدول الأعضاء بالانضباط المالي.



الأسهم الآسيوية ترتفع في تداولات ضعيفة بمناسبة عيد العمال

متداولو عملات يراقبون مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في بنك هانا بسيول (أ.ب)
متداولو عملات يراقبون مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في بنك هانا بسيول (أ.ب)
TT

الأسهم الآسيوية ترتفع في تداولات ضعيفة بمناسبة عيد العمال

متداولو عملات يراقبون مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في بنك هانا بسيول (أ.ب)
متداولو عملات يراقبون مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في بنك هانا بسيول (أ.ب)

ارتفعت الأسهم الآسيوية خلال تداولات يوم الجمعة، رغم إغلاق معظم أسواق المنطقة بمناسبة عيد العمال، فيما استقرت أسعار النفط قرب مستويات 111 دولاراً للبرميل.

وسجّل خام برنت ارتفاعاً طفيفاً بمقدار 67 سنتاً ليبلغ 111.07 دولار للبرميل، بينما زاد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي نحو 10 سنتات إلى 105.17 دولار للبرميل، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ولا تزال آفاق التوصل إلى اتفاق لترسيخ وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع في الحرب مع إيران غير واضحة، في ظل تأكيد المرشد الأعلى الإيراني تمسّك بلاده بقدراتها النووية والصاروخية واعتبارها «ثروة وطنية».

وتواصل تداعيات الحرب الضغط على أسواق الطاقة، إذ تسببت الصدمات في إمدادات النفط وارتفاع أسعاره في زيادة الضغوط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي طرح خطة لإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لصادرات النفط والغاز في الشرق الأوسط.

وفي طوكيو، ارتفع مؤشر «نيكي 225» بنسبة 0.7 في المائة ليصل إلى 59.678.31 نقطة، تزامناً مع تحسن الين الياباني مقابل الدولار. وبلغ سعر الدولار 157.16 ين، مقارنة بـ156.61 ين في أواخر تداولات الخميس، لكنه لا يزال دون مستوى 160 يناً الذي لامسه مؤخراً، وسط تحذيرات من السلطات اليابانية بالتدخل في سوق الصرف، وهو ما أشارت إلى أنها نفذته بالفعل.

وتراجع اليورو بشكل طفيف إلى 1.1724 دولار من 1.1731 دولار.

وفي أستراليا، صعد مؤشر «ستاندرد آند بورز - مؤشر أستراليا 200» بنسبة 0.9 في المائة ليغلق عند 8743.70 نقطة.

كما ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بنحو 0.2 في المائة، بعد أن سجّلت وول ستريت مستويات قياسية جديدة في جلسة الخميس، مدعومة بنتائج قوية لشركات كبرى مثل «ألفابت» و«كاتربيلر».

وجاءت هذه المكاسب عقب فترة من التقلبات الحادة في أسعار النفط، التي لامست أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب مع إيران قبل أن تتراجع جزئياً.

وسجّل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ارتفاعاً بنسبة 1 في المائة متجاوزاً أعلى مستوياته التاريخية، ليختتم أفضل شهر له منذ أكثر من خمس سنوات عند 7209.01 نقطة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 1.6 في المائة إلى 49.652.14 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.9 في المائة ليسجل مستوى قياسياً جديداً عند 24.892.31 نقطة.

وقادت شركة «ألفابت» موجة الصعود، إذ قفز سهمها بنسبة 10 في المائة بعد إعلان نتائج فصلية فاقت توقعات المحللين بنحو الضعف. وأكد الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي أن استثمارات الشركة في الذكاء الاصطناعي تدعم نمو مختلف قطاعاتها.

وتُعد «ألفابت» أحدث الشركات التي تجاوزت توقعات الأرباح مع بداية عام 2026، رغم ارتفاع أسعار النفط واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وفي أسواق الأسهم، تراجع سهم «ميتا بلاتفورمز» بنسبة 8.7 في المائة رغم تحقيق أرباح تفوقت على التوقعات، حيث ركّز المستثمرون على ارتفاع خطط الإنفاق على مراكز البيانات والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

كما انخفض سهم «مايكروسوفت» بنسبة 3.9 في المائة بعد رفع الشركة توقعاتها للإنفاق الرأسمالي، في حين ارتفع سهم «أمازون» بنسبة 0.8 في المائة بعد جلسة متقلبة.

ولا تزال تساؤلات قائمة لدى بعض المستثمرين حول مدى قدرة استثمارات الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد إنتاجية كافية تبرر حجم الإنفاق المتزايد.

وفي سوق السندات، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط. وأظهرت بيانات اقتصادية أن نمو الاقتصاد الأميركي تباطأ خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) مقارنة بالتوقعات، في وقت تسارع فيه التضخم خلال مارس.

كما أشار تقرير منفصل إلى تراجع عدد طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، ما يعكس متانة نسبية في سوق العمل رغم إعلانات الشركات عن تقليص الوظائف.

وفي أوروبا، قفز مؤشر «فوتسي 100» في لندن بنسبة 1.6 في المائة، عقب قرار بنك إنجلترا الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة جاءت بعد قرارات مماثلة من الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان.


أسواق السندات المحلية الآسيوية تتجاهل تداعيات الحرب وتسجل إصدارات قياسية

رجل يقف بجانب لوحة إلكترونية لأسعار الأسهم داخل مبنى في طوكيو (رويترز)
رجل يقف بجانب لوحة إلكترونية لأسعار الأسهم داخل مبنى في طوكيو (رويترز)
TT

أسواق السندات المحلية الآسيوية تتجاهل تداعيات الحرب وتسجل إصدارات قياسية

رجل يقف بجانب لوحة إلكترونية لأسعار الأسهم داخل مبنى في طوكيو (رويترز)
رجل يقف بجانب لوحة إلكترونية لأسعار الأسهم داخل مبنى في طوكيو (رويترز)

تجاهلت أسواق السندات المقومة بالعملات المحلية في آسيا تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مع تسجيل إصدارات قياسية في هونغ كونغ وأستراليا منذ بداية عام 2026. في ظل توجه متزايد من المستثمرين والشركات نحو تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الدين المقوم بالدولار الأميركي.

وسجلت إصدارات سندات الدولار في هونغ كونغ مستويات قياسية هذا العام، بارتفاع يقارب 17 في المائة لتصل إلى 14.8 مليار دولار، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن، في أقوى بداية سنوية على الإطلاق. كما بلغت إصدارات سندات الدولار الأسترالي 143 مليار دولار أسترالي منذ بداية العام، بزيادة تقارب 30 في المائة، وهو مستوى قياسي جديد بحسب بيانات «ديلوجيك».

وفي المقابل، ارتفعت إصدارات سندات الدولار السنغافوري بنسبة 3.7 في المائة لتصل إلى 5.56 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ 12 عاماً، وفق «رويترز».

وقال كليفورد لي، الرئيس العالمي للخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك «دي بي إس»، إن الطلب المتزايد على العملات المحلية، مثل الدولار السنغافوري واليوان الصيني والدولار الأسترالي، يعكس رغبة واضحة في تنويع المحافظ وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، إلى جانب توقعات باستمرار قوة واستقرار العملات الإقليمية.

ويعكس هذا النشاط القياسي في أسواق الدين المحلية الآسيوية استمرار شهية المستثمرين للأصول الإقليمية، رغم التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تحول تدريجي في توجهات التمويل بعيداً عن الدولار الأميركي.

ولا تزال سندات الدولار تهيمن على سوق الدين الآسيوية؛ حيث ارتفع إصدارها منذ بداية العام بنسبة 2.5 في المائة ليصل إلى 132.6 مليار دولار، وفق بيانات «ديلوجيك».

في هونغ كونغ؛ حيث ترتبط العملة المحلية بالدولار الأميركي لكن تكاليف الاقتراض أقل نسبياً، كان الأداء القوي مدفوعاً بسلسلة من الصفقات الضخمة، فقد جمعت ثلاث إصدارات خلال الأسبوع الماضي نحو 42 مليار دولار هونغ كونغ (5.4 مليار دولار أميركي)، شملت إصدار هيئة مطار هونغ كونغ بقيمة 19 مليار دولار هونغ كونغ، وإصدار شركة «مترو هونغ كونغ (MTR Corp)» بقيمة 18.9 مليار دولار هونغ كونغ، مع طلبات اكتتاب تجاوزت 60 مليار دولار هونغ كونغ.

كما جمعت شركة «كاثي باسيفيك» 2.08 مليار دولار هونغ كونغ في أول إصدار سندات عامة لها بالدولار المحلي، في إشارة إلى ثقة المستثمرين، رغم التحديات التي تواجه قطاع الطيران.

وقالت شيشي صن، رئيسة قسم أسواق الدين في الصين الكبرى لدى «سيتي غروب»، إن الزخم القوي في سوق سندات الدولار في هونغ كونغ يعود إلى الطلب المرتفع من المستثمرين، وندرة الأصول عالية الجودة، إضافة إلى محدودية الإصدارات المتاحة أمام البنوك لتوظيف السيولة.

وأشار مصرفيون إلى أن هذا الاتجاه يعكس تحولاً هيكلياً أوسع، مع دخول مستثمرين غير تقليديين من هونغ كونغ ولندن إلى سوق الدولار السنغافوري، إلى جانب بدء شركات تأمين في هونغ كونغ بشراء هذه السندات، في تغيير لافت للأنماط الاستثمارية التقليدية.

توسع يتجاوز الفرص اللحظية

وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن أحجام التداول في أسواق العملات المحلية في منطقة آسيا والمحيط الهادي تجاوزت 1.37 تريليون دولار منذ بداية العام، في طريقها لتحقيق مستوى قياسي جديد بعد بلوغها 4.76 تريليون دولار في عام 2025.

وقالت جيني لي، رئيسة التمويل وإدارة الصناديق وإعادة الهيكلة لمنطقة آسيا، في شركة «أشهورست»، إن هذا التوجه يتجاوز مجرد الاستفادة من الفرص، ليعكس تحولاً أعمق في استراتيجيات الاستثمار.

وأضافت أن السندات الآسيوية تفوقت في عام 2025 على العديد من أسواق السندات المتقدمة، مشيرة إلى أن التنويع بات يشمل الجغرافيا والعملات في آن واحد.

وتباطأ النشاط مؤقتاً بعد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، مطلع مارس (آذار)، قبل أن يستعيد زخمه سريعاً.

وقال صامويل تان، رئيس الخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك «يونايتد أوفرسيز»، إن إصدارات السندات في جنوب شرقي آسيا انتعشت، بعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل (نيسان)، لكنه حذّر من أن نافذة الإصدار قد تبقى متقلبة على المدى القصير إلى حين وضوح المشهد الجيوسياسي.

في المقابل، أبدى كليفورد لي من بنك «دي بي إس» نظرة أكثر تفاؤلاً، مشيراً إلى أن تأثيرات الصراع في الشرق الأوسط كانت أقل حدة من التوقعات، وأن السوق لا تزال نشطة وجاذبة حتى للمصدرين ذوي التصنيف غير الاستثماري.

ومع ذلك، تبقى الانتقائية حاضرة بقوة في قرارات المستثمرين.

وقالت كايلي سوه، مديرة المحافظ في شركة فولرتون لإدارة الصناديق، إن الشركة تركز على الفرص ذات الجودة العالية في أسواق العملات المحلية، مع تخصيص انتقائي للدولار الأسترالي لتحقيق عائدات، والدولار السنغافوري للاستفادة من العوامل الفنية، واليوان الصيني للاستقرار النسبي.

وأضافت أن الأفضلية تبقى للمصدرين ذوي التصنيف الائتماني المرتفع والشركات الكبرى ذات الأهمية الاستراتيجية، في حين يتجنب المستثمرون الأصول الأضعف والأكثر تقلباً.


الذهب يتراجع ويتجه لخسارة أسبوعية مع تصاعد مخاوف التضخم

سبائك ذهبية وعملات الجنيه الذهبي معروضة في شركة «بايرد آند كو» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
سبائك ذهبية وعملات الجنيه الذهبي معروضة في شركة «بايرد آند كو» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
TT

الذهب يتراجع ويتجه لخسارة أسبوعية مع تصاعد مخاوف التضخم

سبائك ذهبية وعملات الجنيه الذهبي معروضة في شركة «بايرد آند كو» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)
سبائك ذهبية وعملات الجنيه الذهبي معروضة في شركة «بايرد آند كو» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)

تراجعت أسعار الذهب في تداولات ضعيفة يوم الجمعة، وتتجه لتسجيل انخفاض أسبوعي، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط الذي غذّى مخاوف التضخم وعزّز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يشكل عامل ضغط على الأصول التي لا تدر عائداً.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4592.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 06:55 بتوقيت غرينتش، متجهاً لتسجيل خسارة أسبوعية بنحو 2.4 في المائة، بعد أن هبط إلى أدنى مستوى له في شهر يوم الأربعاء. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو (حزيران) بنسبة 0.5 في المائة إلى 4604.50 دولار.

وجاءت التداولات محدودة مع إغلاق الأسواق المالية في كل من الصين والهند، أكبر مستهلكين للذهب عالمياً، بمناسبة عطلات رسمية، ما انعكس انخفاضاً في أحجام التداول، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، أشار كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»، إلى أن «التداولات خلال الجلسة الآسيوية ستظل ضعيفة نسبياً بسبب العطلات؛ ما يضع السوق عند نقطة ترقب بانتظار محفزات أوضح لتحديد الاتجاه المقبل».

على صعيد التوترات الجيوسياسية، بقيت الأوضاع في دائرة الضوء، بعد إعلان إيران عزمها تنفيذ «ضربات طويلة ومؤلمة» ضد مواقع أميركية، في حال استئناف واشنطن هجماتها، مجددة تمسكها بمضيق هرمز، في وقت ظلَّت فيه جهود التهدئة متعثرة.

وفي أسواق الطاقة، حافظ خام برنت على تداولاته، فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، مدعوماً باستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

اقتصادياً، أظهرت البيانات تسارع وتيرة التضخم في الولايات المتحدة خلال مارس (آذار)، مدفوعة بارتفاع أسعار البنزين على خلفية الحرب؛ ما عزز التوقعات بإبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير، حتى وقت متأخر من العام المقبل.

كما بدأت شركات الوساطة العالمية في تقليص رهاناتها السابقة على خفض أسعار الفائدة الأميركية مرتين خلال عام 2026. مع تزايد الانقسام بين سيناريوهات خفض محدود أو الإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وحذر صناع القرار.

وفي سياق متصل، أبقت البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، أسعار الفائدة دون تغيير، بعد خطوات مماثلة من الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان، في وقت سابق من الأسبوع، مع استمرار التحذيرات من مخاطر التضخم.

ورغم أن الذهب يُعد تقليدياً ملاذاً للتحوُّط من التضخم، فإن بيئة أسعار الفائدة المرتفعة تقلص جاذبيته، كونه أصلاً لا يدرّ عائداً.

وفي المعادن الأخرى، ارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 0.5 في المائة إلى 73.37 دولار للأونصة، بينما تراجع البلاتين بنسبة 0.7 في المائة إلى 1972.32 دولار، وانخفض البلاديوم بشكل طفيف بنسبة 0.1 في المائة إلى 1523 دولار.