{الشرق الأوسط} تكشف تفاصيل دقيقة عن البرنامجين الأميركيين لدعم المعارضة السورية

نقل ملف التدريب إلى البنتاغون.. ومساعدة شهرية بمليونين ونصف المليون دولار توزع على الجبهات الخمس

مواطن يتفقد الدمار الذي أحدثه سقوط صاروخ على منطقة سكنية في بلدة حريتان قرب حلب
مواطن يتفقد الدمار الذي أحدثه سقوط صاروخ على منطقة سكنية في بلدة حريتان قرب حلب
TT

{الشرق الأوسط} تكشف تفاصيل دقيقة عن البرنامجين الأميركيين لدعم المعارضة السورية

مواطن يتفقد الدمار الذي أحدثه سقوط صاروخ على منطقة سكنية في بلدة حريتان قرب حلب
مواطن يتفقد الدمار الذي أحدثه سقوط صاروخ على منطقة سكنية في بلدة حريتان قرب حلب

انطلق برنامج التدريب الأميركي لعناصر المعارضة السورية المعتدلة من تركيا، على أن يستكمل في عدة دول أخرى مؤيدة للمعارضة السورية.
إلا أن المعارضة السورية كشفت عن تحفظات كبيرة على البرنامج تتعلق بالإعداد وطبيعة البرنامج الذي سوف تعتمده هذه الفصائل، مشيرة إلى نقص كبير في هذا البرنامج الذي كشف معارض سوري بارز لـ«الشرق الأوسط»، أنه مشابه بالشكل لبرنامج آخر كانت الولايات المتحدة تشرف عليه.
البرنامج الحالي، هو البرنامج الثاني الذي تديره الولايات المتحدة لتدريب المعارضة السورية التي تصفها واشنطن بـ«المعتدلة». وكان البرنامج الأول بدأ قبل نحو سنة، بإدارة وكالة الاستخبارات المركزية، وهو ما جعل البرنامج الحالي الذي تديره وزارة الدفاع الأميركية موضع أمل للمعارضة، لأن الاستخبارات كانت عاجزة عن تدريب العدد الكافي من المقاتلين، فهي تعمل على تدريب محدود النطاق، خلافا لإمكانيات وزارة الدفاع التي تؤهلها لتدريب وتسليح عشرات الآلاف منهم. وكانت هناك مساعدة أميركية مالية تقدر بمليوني دولار ونصف المليون شهريا توزع على الجبهات القتالية الخمس بمعدل 500 ألف دولار لكل جبهة. وكان البرنامج الأول قد بدأ لتدريب التشكيلات المعتدلة في المعارضة السورية، وكانت كل دورة تضم من 60 إلى 70 مقاتلا، ينتقلون إلى الأردن أو قطر حيث يجري تدريبهم على الأسلحة الفردية، بالإضافة إلى تمارين رياضية لتقوية الأجسام ومحاضرات فكرية تتركز حول «أخلاقيات الحرب» والمواثيق الدولية والمعاهدات التي ترعى العمليات العسكرية. وكانت الدورة تدوم أسبوعين أو 3 أسابيع كحد أقصى يصار بعدها إلى اختيار شخصين أو 3 أشخاص من كل دورة من الذين تميزوا فيها لتدريبهم على الأسلحة المضادة للدروع.
ومن ثم، بعد أن تنتهي الدورة ينتقل المتخرجون إلى سوريا حيث تزودهم الاستخبارات الأميركية بأسلحة فردية لكل مقاتل، وشاحنة نقل كبيرة وسيارات نقل صغيرة مكشوفة من طراز تويوتا تحمل عليها الرشاشات المتوسطة من عياري 14.5 ملليمتر، و23 ملليمترا. كما يزودون بقاذف من نوع «ن 29» أو «ب 9». وتلتحق هذه المجموعات بالقتال بالطريقة التي تراها الفصائل التي تنضوي فيها مناسبة، أو بالجبهات التي ترى ضرورة العمل عليها، ويجري تذخيرها حسب احتياجات المعارك بإشراف الدول الداعمة. ولكن كانت هناك شكاوى مستمرة من النقص بهذا التذخير. وفي وقت لاحق، عندما تم تسليم المعارضة صواريخ «تاو» المضادة للدروع، بدأ التسليم للمقاتلين الذين تلقوا تدريبات في هذا الإطار.
لؤي المقداد، رئيس مركز «مسارات» المهتم بشؤون الثورة السورية والمجموعات المقاتلة، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التدريبات كانت خفيفة، وتشمل فقط الأساسيات في القتال وكان من الممكن تنفيذها في أي مكان»، مشيرا إلى أن «مجموع ما تم تخريجه من المقاتلين خلال السنة الماضية يقدر بالمئات لا بالآلاف». وأوضح المقداد، الذي شارك في اجتماعات عدة عقدت في عواصم غربية لبحث موضوع التدريب، أن «ما كنا نسمعه في عواصم القرار أنه طالما أن البرنامج بيد الاستخبارات، فسيكون نوعيا لا كميا، أما الإنجاز الحقيقي فهو أن ينتقل هذا البرنامج ليصبح بيد وزارة الدفاع البنتاغون التي تستطيع تسليح جيوش لا مجموعات فقط». ويشير المقداد إلى أن «البرنامج القديم كان يتيح للثوار الزج بمقاتليهم المدربين في مواجهة النظام، ولم يكن هناك من تحفظات على ذلك، بل على العكس. واعترف بأن البرنامج الأول تخللته بعض المشكلات، وسببها خشية الجانب الأميركي أحيانا من انضمام هؤلاء المقاتلين إلى جهات لا يرضى عن سلوكها».
وبعد الهجمات التي نفذتها «جبهة النصرة» ضد تشكيلات الجيش الحر أواخر العام الماضي، سرعت الاستخبارات الأميركية وتيرة عمليات التدريب بحيث بدأت تشمل المئات وصلت مع أحد التشكيلات المقاتلة إلى 400 مقاتل دفعة واحدة، ما خلق نوعا من التفاؤل لدى المقاتلين.
ويستغرب المقداد، الموجود حاليا في الولايات المتحدة، كيفية تعاطي الإدارة الأميركية مع المقاتلين، الذين كانت تشترط في وقت سابق تدريبهم وتثقيفهم لشهور قبل تسليمهم السلاح، لكنها في عين العرب (كوباني) رمت الأسلحة بالمظلات لمقاتلين لم يسبق تدريبهم أو التأكد من توجهاتهم، وأشار إلى أن هذا الواقع خلق نوعا من التشكيك لدى مقاتلي «الحر» الذين يواجهون النظام منذ 4 سنوات لم ترها الاستخبارات كافية للوثوق بهم وتقديم أسلحة نوعية لهم.
وتابع المقداد القول إن «ما تسرب للمعارضة حتى الآن هو أن البرنامج سيشمل نحو 5 آلاف مقاتل سنويا»، كاشفا أن «المعلومات تقول بأن التسليح في المقابل لن يكون أكثر من التسليح الذي كان يؤمنه البرنامج الأول، وبنفس الآلية السابقة». وأردف: «إذا كان الرقم المعلن هو 5 آلاف في العام الحالي و5 آلاف آخرين في العام المقبل، فهذا رقم هزيل جدا لتشكيلات يفترض بها أن تقاتل (داعش)، بينما يتراوح عدد أفراد هذا التنظيم – وفق التقارير الأميركية – بين 20 ألفا إلى 30 ألف مقاتل؛ أي أننا نحتاج إلى 10 سنوات لتدريب ما تدربه (داعش) بسنة واحدة». وأشار إلى أنه لا يفهم الحرص على أن تكون الأرقام قليلة، بما يصب في مصلحة مشروع إطالة أمد الحرب.
أيضا أوضح المقداد أن «ما يتردد في واشنطن الآن هو أن هذه القوى سوف تعمل بعد انتهاء التدريب بالتنسيق مع غارات التحالف، في مهاجمة التنظيمات المتطرفة بمعنى إعطائها غطاء جويا بحيث تزداد فعالية مقاتليها على الأرض مقارنة بمثلهم من الأعداد التي تواجههم من المقاتلين». غير أنه أشار إلى أن «السؤال الأساسي هو من يحمي هؤلاء من غارات النظام الجوية؟». واستطرد أن «مجموعات من (الجيش الحر) كانت في وقت سابق تتجه إلى الرقة لمواجهة (داعش) عندما استهدفها طيران النظام، وهذه الواقعة تعلم بها الدول الأصدقاء للشعب السوري». ورأى المقداد أن هؤلاء المقاتلين الذين يواجهون التنظيمات المتشددة على الأرض السورية «لا يقاتلون نيابة عن الشعب السوري فقط، بل عن كوكب الأرض كله». واعتبر أن «إرسال هؤلاء من دون تأمين غطاء جوي لهم بمثابة انتحار». واقترح إقامة معسكرات تدريب داخل الأراضي السورية بحيث يمكن أن تزداد فاعلية التدريب إلى حد كبير ويرفع عدد المتدربين إلى أعداد كبيرة جدا تكون نواة الجيش السوري الجديد بعد سقوط النظام.
كذلك أشار المقداد إلى أنه «في حالات سابقة، عندما تم تسليم المقاتلين صواريخ «تاو» المضادة للدروع، كان التشكيل الذي يتسلم هذا السلاح مطالبا بتوثيق استخدامه لهذا السلاح، وكان هذا يحدث بكاميرتين أو 3 في بعض الأحيان. وفي حال كانت هناك مشكلة في الصاروخ أدت إلى تعذر إطلاقه كان يتم إعادة الصاروخ المعطل». وأوضح أن «هذا الترتيب أثبت جدواه»، متسائلا: «لماذا لا يعتمد مع المقاتلين عبر تزويدهم بأسلحة مضادة للطائرات وفق الصيغة نفسها، بما يساهم في تحييد طائرات النظام وحماية التشكيلات؟». ثم تابع أن حوادث سابقة أظهرت وجود تشكيلات من «الجيش الحر» في جنوب البلاد «أظهرت انضباطا لافتا في هذا المجال، وحسا عاليا بالمسؤولية، وهي مواقف تعلمها جيدا الدول الحليفة».
وحول ما نسب إلى اللواء سليم إدريس، وزير الدفاع في حكومة الائتلاف السوري، أوضح المقداد أن «كلام إدريس عن 60 ألف مقاتل، ليس مقصودا به من سيتخرج من البرنامج الأميركي، بل هو عبارة عن مشروع أعده إدريس بالتعاون مع رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الطعمة، يهدف إلى إعداد قوة مؤلفة من نحو ألفي مقاتل يكونون نواة الجيش المنوي تشكيله لمواجهة النظام والفصائل المتحالفة معه، وهذا رقم قابل للتطوير ليصل إلى 60 ألف مقاتل في حال تأمنت المقومات اللازمة». وأضاف أن «وعودا قطعت من قبل الأميركيين بالمساعدة في هذا المجال المنفصل تماما عن مشروع التدريب القائم». وأوضح أن «إدريس عمل على إعادة تنظيم غرف العمليات العسكرية لتواجه القوى المناوئة للثورة سواء النظام أو (داعش)، وفقا لمكان وجودها، وأن العائق الأساسي في هذا المجال هو تأمين الموارد».



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended