الغنوشي: هناك غاضبون داخل النهضة لكن قرارنا مؤسسي داخل الحركة

قال إن تعيينات الحركة في الدولة قانونية.. وتوقع الاستفادة من قرار التخلي عن الحكومة في الانتخابات المقبلة

راشد الغنوشي
راشد الغنوشي
TT

الغنوشي: هناك غاضبون داخل النهضة لكن قرارنا مؤسسي داخل الحركة

راشد الغنوشي
راشد الغنوشي

وصف راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية، التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد، الحكومة الجديدة برئاسة مهدي جمعة التي تسلمت مهامها قبل يومين، بأنها «حكومة توافقية محايدة لا تتبع النهضة ولا أي حزب آخر».
وقال الغنوشي في مقابلة أجرتها وكالة الأنباء الألمانية عبر الهاتف من القاهرة: «نحن كجزء من الحوار الوطني، شاركنا في اختيار هذه الحكومة، وهي ليست حكومة معارضة حلت محل حكومة النهضة المستقيلة بقيادة علي العريض، ولا عدوة لها.. أي أننا على نحو ما خلفنا أنفسنا في الحقيقة عبر هذه الحكومة التي ساهمنا في تشكيلها مساهمة كبيرة مع آخرين».
وركز الغنوشي على أن حركته، التي تصنفها بعض المصادر فرعا لجماعة الإخوان المسلمين في تونس، لا تزال تتمتع بالأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) صاحب السلطة الكبرى في البلاد «وبالتالي لن يمر شيء دون موافقتها».
ونفى الغنوشي حدوث أي صفقات خفية بين النهضة والمعارضة في عمليتي إقرار الدستور وتشكيل الحكومة تحت ضغط سرعة الحصول على الدفعة الثانية من قيمة القرض المقدم من صندوق النقد الدولي لتونس بقيمة 506 ملايين دولار، وشدد على أنه «لم تكن هناك صفقات تحت الطاولة في تشكيل الحكومة وإقرار الدستور.. والدستور كتب بأيادٍ تونسية، من دون أي مشاركة أجنبية».
ولم يبد الغنوشي اعتراضا على ما يطرحه البعض من أن خروج النهضة من الحكم هو أكبر هدية لها، لأن بقاءها بموقع السلطة يعرضها لمزيد من الانتقادات بدرجة تفقد معها أي فرصة لتحقيق أي فوز بالانتخابات البرلمانية المقبلة، وقال: «قد يكون هذا صحيحا بالنتيجة، ولكنه لم يكن الباعث لنا في قرار ترك الحكم».
أما فيما يتعلق بما يطرحه محللون سياسيون من أن النهضة نجحت في أن تنجو بنفسها من مأزق سياسي حاد دون خسائر تذكر ودون أن تترك للمعارضة فرصة تحقيق أي مكسب يحسب لها بالشارع، أوضح الغنوشي أن «هناك عملية سياسية وطنية ناجحة تمت وأخرجت البلاد من مأزق سياسي تردت فيه عقب اغتيال المعارض السياسي محمد البراهمي، رحمه الله، نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي وانسحبت المعارضة إثر ذلك من البرلمان وتوقفت عملية سن الدستور».
وتابع: «كان بإمكاننا أن نمضي في سن الدستور دون المعارضة، وكنا نستطيع ذلك بما نملكه مع حلفائنا من أغلبية في المجلس التأسيسي، ولكن حينها كنا سنكتب دستورا خاصا بالنهضة وحلفائها ونعمق الفرقة والاستقطاب بالبلاد، أو أن نقبل بشرط المعارضة القاضي بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة مستقلة للإشراف على الانتخابات واستكمال الدستور، وهو ما قبلنا به ضمن خارطة الطريق التي طرحها المجتمع المدني، مقدمين مصلحة الوطن على بقائنا بالحكم».
وحول تقديراته لفرص حصول حركته على أغلبية في الانتخابات البرلمانية المقبلة تمكنها من الوصول مجددا إلى الحكم، قال الغنوشي: «الجميع يتوقعون حدوث ذلك.. النهضة ستظل العمود الفقري للسياسة التونسية.. ولكننا ندرك أن مصلحة المسار الديمقراطي أن لا نحكم بمفردنا وأن نشارك الآخرين».
وتابع: «نتمنى أن لا نحتفظ فقط بنظام الائتلاف الحاكم الآن (الترويكا)، بل نتمنى أن تجري توسعته بحيث يشمل أحزابا أخرى.. بما في ذلك (نداء تونس) إذا ما استطعنا الوصول لتوافق معهم، فلم لا؟».
وأردف: «النهضة حصلت منذ الانتخابات السابقة وحتى اليوم على ثلث الناخبين في كل استطلاعات الرأي».
وحول تقييمه لاستطلاعات رأي عدة تبرز تقدم حزب «حركة النداء» بقيادة رئيس الوزراء الأسبق، الباجي قايد السبسي، وإمكانية فوزه بالأغلبية في الانتخابات، قال الغنوشي: «(النداء) حزب حديث ولم يكن موجودا بالانتخابات السابقة.. ثم تشكل وتقدم وبات الآن الحزب الثاني بالبلاد.. وأحيانا يقدم على أنه الحزب الأول.. ونحن ليس لدينا مشكلة في هذا».
وأوضح الغنوشي: «الحياة السياسية بتونس تتسم بالتعددية، ونحن قد نحصل على أغلبية نسبية كالتي حصلنا عليها بالانتخابات السابقة وربما نزيد، أو نقل قليلا، كل هذا محتمل.. في كل الأحوال، الدارسون للوضع التونسي يستبعدون أن يدار الأمر بالبلاد بمعزل عن النهضة.. ولم نتخذ قرارا بعد بشأن الترشح للانتخابات الرئاسية».
ورفض رئيس حركة النهضة ما يوجه من اتهامات لحركته بقيامها بتعيين ما يقرب من ستة آلاف شخص، ما بين عضو وموال لها، في مختلف قطاعات الدولة خلال حكومتي الحركة، وقال: «هذه مبالغات، والحقيقة أن النهضة قامت بتعييناتها الضرورية التي يخولها القانون».
وقال: «وقبلنا خلال الحوار الوطني بتشكيل لجنة محايدة لمراجعة التعيينات السياسية التي جرت، ليس في عهد حكومتي النهضة فقط، بل ستمتد أيضا لتشمل التعيينات التي جرت في عهد حكومة الباجي قايد السبسي، وفي عهد بن علي.. وكل من سيثبت عدم كفاءته ونزاهته سيعزل.. وسنلتزم بقرارات اللجنة».
واستبعد الغنوشي (72 سنة) ثبوت وقوف أي قيادات أو أعضاء بحركة النهضة بشكل أو بآخر وراء عمليتي اغتيال المعارض السياسي شكري بلعيد في فبراير (شباط) 2013، والمعارض محمد البراهمي، على ضوء تعهد الحكومة الجديدة بمحاربة الإرهاب والعنف والوصول لقتلة المعارضين السياسيين، مشددا على أنه «لا يمكن أن يحدث هذا وأنا أستبعده بشكل مطلق.. ولو حدث، فالقانون يسري على الجميع».
وقال: «ولكن القضية الآن واضحة والفعلة معروفون بالأسماء، وبعضهم في قبضة الأمن، والجزء الآخر هارب وتجري ملاحقته، ولكن البعض في إطار المنافسة السياسية حاول إلصاق التهم بنا».
ورفض الغنوشي ما يتردد حول أن حكومتي النهضة بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض هما من دعمتا التيارات المتشددة ومنها التيار السلفي، أو على الأقل، لم تتصديا لها من البداية بجدية، وبالتالي تتحملان مسؤولية حدوث تلك الاغتيالات، وقال: «الدولة ضحية لهؤلاء، وحكومتا النهضة سقطتا بسبب الإرهاب.. وحكومة النهضة هي من صنفت جماعة أنصار الشريعة ضمن الحركات الإرهابية».
وأشار إلى أن مئات المساجد بعد الثورة هيمنت عليها الجماعات السلفية التي خرجت من السجون «إلا أن وزارة الشؤون الدينية حرصت على استرداد تلك المساجد تباعا في إطار الحرص على تحييد دور المساجد عن العمل السياسي»، وهو ما تدعمه حركته، لافتا إلى أنه «لم يتبق الآن سوى بضع عشرات خارج السيطرة».
ورأى الغنوشي أن التيار السلفي وفكر تنظيم القاعدة «بات ينحصر بتونس أخيرا»، لافتا إلى أن ذلك التيار «تمتع بفرص كبيرة عندما عمل بالمجتمع المدني، وتحديدا في الجمعيات الخيرية والمساجد، ولكن بمجرد أن قام بتهريب السلاح والتدريب عليه واستخدامه، بدأ المجتمع يتوجس منه ومن ثم بدأ حجمه في التقلص».
أما فيما يتعلق بكثرة المطالبات الشعبية والنقابية بحل لجان حماية الثورة، فقال الغنوشي إن «الجمعيات والأحزاب تقوم وتحل بقرار من القضاء». ونفى الغنوشي وجود أي صلة للنهضة باحتفاظ وزير الداخلية لطفي بن جدو بموقعه في الحكومة الجديدة رغم اعتراض المعارضة عليه واتهامه بالإهمال في حماية البراهمي، موضحا: «نحن لم نرشحه ولم نعترض عليه أيضا.. هو يتمتع بسمعة جيدة بسبب تحسن الوضع الأمني كما يشهد الجميع، وقد تمسكت به النقابات والأجهزة الأمنية، ولا صحة لما تردد من أن بقاءه جاء للحفاظ على تعيينات النهضة بالداخلية».
كما نفى الغنوشي حدوث أي استقالات داخل حركته إثر اعتراض بعض قياداتها على الفصل السادس من الدستور الذي ينص على «تحجير التكفير»، فضلا عن تضمين المجلة الأحوال الشخصية بالدستور التي تعد الضامن لحقوق المرأة، وفي مقدمتها منع تعدد الزوجات، وأوضح: «هناك تهديدات بالاستقالة، وغاضبون داخل الحركة، والدستور ليس كله محل رضا الجميع بالنهضة.. ولكن القرار بالنهضة قرار مؤسسي، ونحن حركة يسودها التيار الوسطي المعتدل الرافض للعنف والذي يتمتع بقدر كبير من العقلانية».
ونفى الغنوشي أن يكون أسلوب التوافق الوطني الذي انتهجته النهضة خلال الأزمة السياسية جاء تخوفا من تكرار النموذج المصري، مشددا على أن التوافق كأسلوب اتبع منذ قيام الثورة، ومشددا أيضا على أنه حتى قبل إجراء الانتخابات «كانت النهضة واعية بأن تونس لا ينبغي أن تحكم من قبل حزب واحد حتى لو كان حزبا إسلاميا».
وأشار إلى أن الائتلاف الحاكم في تونس اليوم هو «ثمرة التوافق بين التيارين الرئيسيين اللذين تشكلا بعد الثورة، وهما التيار الإسلامي المعتدل والتيار العلماني المعتدل».
وحول تصريحاته التي أدلى بها أخيرا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بشأن إمكانية منح بلاده حق اللجوء لقيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي أثارت ردود فعل غاضبة بمصر، خاصة في ظل قرار الحكومة المصرية تصنيف «الإخوان» تنظيما إرهابيا، وتوجيه القضاء المصري لعدد غير قليل من قيادات الجماعة وأعضائها تهما بارتكاب جرائم جنائية، قال الغنوشي: «النهضة كحزب لا تملك إعطاء حق اللجوء، ولكن الحكومة التونسية هي من تقدر على إعطاء هذا الحق لمن يُعَدّ، طبقا لنظام الأمم المتحدة، مضطهدا سياسيا باعتبار أن تونس عضو بالأمم المتحدة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.