قلق أميركي ـ فرنسي من تأخير تسليم الأسلحة الكيماوية السورية

لا اختراق في جنيف.. وترحيل القضايا العالقة للجولة المقبلة

فاطمة خان، والدة الدكتور البريطاني عباس خان الذي قتل في سجن تابع للحكومة السورية، تواجه صحافية من وسيلة إعلام موالية للنظام السوري في جنيف أمس، بعد أن التقت خان مجموعة من الصحافيين في المقر الأوروبي للأمم المتحدة للحديث عن مقتل ابنها العام الماضي (أ.ب)
فاطمة خان، والدة الدكتور البريطاني عباس خان الذي قتل في سجن تابع للحكومة السورية، تواجه صحافية من وسيلة إعلام موالية للنظام السوري في جنيف أمس، بعد أن التقت خان مجموعة من الصحافيين في المقر الأوروبي للأمم المتحدة للحديث عن مقتل ابنها العام الماضي (أ.ب)
TT

قلق أميركي ـ فرنسي من تأخير تسليم الأسلحة الكيماوية السورية

فاطمة خان، والدة الدكتور البريطاني عباس خان الذي قتل في سجن تابع للحكومة السورية، تواجه صحافية من وسيلة إعلام موالية للنظام السوري في جنيف أمس، بعد أن التقت خان مجموعة من الصحافيين في المقر الأوروبي للأمم المتحدة للحديث عن مقتل ابنها العام الماضي (أ.ب)
فاطمة خان، والدة الدكتور البريطاني عباس خان الذي قتل في سجن تابع للحكومة السورية، تواجه صحافية من وسيلة إعلام موالية للنظام السوري في جنيف أمس، بعد أن التقت خان مجموعة من الصحافيين في المقر الأوروبي للأمم المتحدة للحديث عن مقتل ابنها العام الماضي (أ.ب)

أبدت واشنطن قلقها حيال التعاون السوري مع منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، فيما كشفت مصادر غربية أن دمشق سلمت «أقل من خمسة في المائة من مخزونها فقط» رغم اقتراب الموعد النهائي في الخامس من فبراير (شباط) المقبل، وهو الموعد المتفق عليه لتسليم هذه المواد بموجب عملية نزع السلاح الكيماوي.
وقال وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل أمس بأن الولايات المتحدة «قلقة من تأخر الحكومة السورية عن المواعيد المقررة لنقل مواد الأسلحة الكيماوية المقرر تدميرها»، وحض سوريا على الالتزام بالاتفاق الدولي الخاص بالتخلص من هذه المواد. وأوضح هيغل أن بلاده قلقة أيضا من تأخر الحكومة السورية في تسليم تلك المواد التي تصنع منها أسلحة كيماوية في المواعيد المقررة حسب الجدول المتفق عليه».
وكشف هيغل أنه ناقش هذه المسألة في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف وطلب منه «أن يقوم بما يستطيع القيام به لحمل الحكومة السورية على الالتزام بالاتفاق المبرم على تدمير الأسلحة الكيماوية».
وقال البيت الأبيض بأنه يجب على سوريا تكثيف جهودها لنقل الأسلحة الكيماوية إلى ميناء اللاذقية. وأشار المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني للصحافيين إلى أن «نظام بشار الأسد هو المسؤول عن نقل تلك المواد الكيماوية لتسهيل إخراجها من سوريا». وأردف «نتوقع منه الوفاء بالتزامه بعمل ذلك».
وقال هيغل بأن السفينة الأميركية كيب راي التي جهزت خصيصا للتخلص من الأسلحة الكيماوية السورية في البحر غادرت ميناء أميركيا في وقت سابق هذا الأسبوع. وأضاف «نحن نعتقد أن هذا الجهد يمكن أن يستمر من أجل العودة إلى المسار برغم تأخرنا عن المواعيد المقررة لكن ينبغي للحكومة السورية أن تضطلع بالمسؤولية عن الوفاء بالالتزام الذي قطعته على نفسها».
وفي الإطار نفسه، دعا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إلى «اليقظة» بشأن خطة تدمير الأسلحة الكيماوية السورية التي يتأخر تطبيقها بحسب مصادر مقربة من منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية. وقال فابيوس للصحافيين «يبدو أن الحركة تباطأت. على المجتمع الدولي أن يكون يقظا جدا لجهة وفاء سوريا لتعهداتها».
وحسب خطة تدمير الأسلحة الكيميائية السورية التي وافقت عليها الأمم المتحدة، كان يتعين على سوريا أن تنقل إلى خارج أراضيها بتاريخ 31 يناير (كانون الثاني) 700 طن من العناصر الكيماوية الأكثر خطورة التي أعلنت عنها دمشق، وخصوصا تلك التي تستعمل في صناعة غاز الخردل وغاز السارين.
من جهة أخرى، قال رئيس لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بأن السلطات السورية التي تتهم المعارضة بالمسؤولية عن هجوم بغاز السارين وقع في أغسطس (آب) الماضي، لم تقدم تفسيرا معقولا يبين من وجهة نظرها طريقة حصول مقاتلي المعارضة على هذا المركب الكيماوي.
ولم يحدد كبير محققي الأمم المتحدة أكي سلستروم بشكل قاطع الطرف المسؤول عن استخدام الغاز، لكنه قال: إنه «من الصعب تصور تمكن المعارضة من تعبئة الغاز السام في سلاح». وقال في مقابلة مع دورية «سي بي أر إن إي وورلد» المتخصصة في التهديدات الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية بأنه طلب من السلطات السورية عدة مرات تقديم أدلة تدعم زعمها أن مقاتلي المعارضة أطلقوا الأسلحة. وأضاف: «لديهم نظريات ضعيفة للغاية فهم يتحدثون عن التهريب عن طريق تركيا ومعامل في العراق، وسألتهم تحديدا ماذا عن مخازنكم أنتم؟ هل نقص شيء من مخازنكم، هل فقدتم قنبلة استولى عليها أحد أو قنابل يمكن أن تكون المعارضة عثرت عليها؟ فنفوا ذلك. إنني أجد هذا غريبا. إن كانوا يريدون حقا اتهام المعارضة فينبغي أن تكون لديهم قصة معقولة تفسر طريقة حصولها على الذخائر وهم لم يقدموا مثل هذه القصة».
وكان تقرير للأمم المتحدة قال العام الماضي بأن الأسلحة الكيماوية استخدمت على الأرجح في خمس هجمات حقق فيها خبراؤها في سوريا. وأضاف أن غاز السارين استخدم على الأرجح في أربع حالات أكبرها هجوم 21 أغسطس على ضواح يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في دمشق. واقتصر التحقيق على تحديد ما إذا كانت الأسلحة الكيماوية استخدمت بالفعل ولم يتطرق إلى المسؤول عن استخدامها.

وعلى صعيد اخر، من المرتقب أن تختتم اليوم الجولة الأولى من المفاوضات بين النظام السوري والائتلاف السوري الوطني في جنيف اليوم، من دون نتائج ملموسة، على أن تعقد الجلسة الثانية بعد نحو أسبوع. وأعلن ممثل الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي أن وفدي النظام السوري والائتلاف الوطني السوري بحثا في الجلسة المشتركة التي عقداها أمس في جنيف في المسائل الأمنية في بلادهما، مشيرا إلى أنهما غير متفقين على كيفية «معالجة الإرهاب». وقال الإبراهيمي في مؤتمره الصحافي اليومي «ناقشنا أمورا مهمة وحساسة تتعلق بالمسائل الأمنية في سوريا والإرهاب». وأضاف: «هناك اتفاق على أن الإرهاب موجود في سوريا وهو مشكلة جدية، لكن لا اتفاق حول كيفية التعامل معه». وتابع: «كما أنه بديهي القول: إنه لا بد من معالجة مسائل الأمن للوصول إلى حل للأزمة». وقال: إن الجلسة شهدت «لحظات توتر وأخرى واعدة».
ووزع المكتب الإعلامي لوفد الائتلاف معلومات عن مجريات الجلسة جاء فيها أن وفد المعارضة قال داخل جلسة أمس «إن براميل القنابل هي إرهاب، تجويع السكان حتى الموت إرهاب، التعذيب والاعتقال أيضا إرهاب». وقال مصدر في الوفد المعارض بأن فريقه يعتبر أن «أكبر إرهابي في سوريا هو (الرئيس السوري) بشار الأسد». وقال عضو وفد المعارضة المفاوض لؤي صافي للصحافيين بعد الجلسة، بأن الوفد عرض «وثائق» وصورا عن «المجازر» التي ارتكبها النظام. وقال: «عرضنا ملفات كاملة والتقرير الذي صدر اليوم عن منظمة هيومان رايتس ووتش».
وأشار الإبراهيمي إلى أن جلسة أخيرة ستعقد قبل ظهر اليوم، يليها مؤتمر يقدم فيه بعض «الخلاصات»، معربا عن أمله في «أن نستخلص دروسا مما فعلنا وأن نقوم بعمل أفضل في الجولة المقبلة». إلا أنه لم يحدد تاريخ تلك الجولة كما أنه لا يتوقع الخروج ببيان حول ختام الجولة الأولى.
وبعد أن فشلت الجولة الأولى من إحداث خرق على الصعيد الإنساني أو السياسي، سيكون الأسبوع المقبل مخصصا لبحث الطرفين بإمكانية التوصل إلى مقترحات جديدة تدفع العملية السياسية المراوحة محلها. وأعلن الائتلاف الوطني السوري أمس أن رئيس الائتلاف أحمد الجربا سيتوجه إلى موسكو للقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بناء على دعوة روسية. وأكد مدير مكتب الجربا، منذر اقبيق، لوكالة الصحافة الفرنسية أن رئيس الائتلاف «قبل الدعوة الروسية لزيارة موسكو وسيزورها في الرابع من فبراير (شباط)». وكان الجربا قال في مقابلة مع تلفزيون «الآن»: «نحن نتواصل طبعا مع الروس.. وتواصلنا.. وسنتواصل أيضا.. وأعتقد أن العلاقة مع الروس يجب أن تتطور إيجابيا». ويذكر أن الجربا التقى بوزير الخارجية الروسي في باريس.
وبحث المفاوضون في الأيام الستة الماضية في مواضيع فك الحصار عن مدينة حمص وإطلاق المعتقلين والمخطوفين وهيئة الحكم الانتقالي والإرهاب، من دون أن يكون لهم جدول أعمال واضح أو محدد مسبقا. ولم يتفقوا على أي من هذه المواضيع. وعبر الإبراهيمي عن أمله في أن تكون «الجولة المقبلة بناءة.. ومنظمة بشكل أكثر».
ورغم الخلافات العملية بين الطرفين، وقف وفدا الحكومة والائتلاف السوري في مستهل جلسة أمس دقيقة حدادا على أرواح عشرات الآلاف الذين قتلوا في الصراع المستمر منذ ثلاث سنوات في خطوة رمزية موحدة نادرة بعد مرور أسبوع على بدء محادثات السلام التي لم تثمر عن أي تسوية حتى الآن.
وقال مندوب المعارضة أحمد جقل بأن كبير المفاوضين من قبل الائتلاف هادي البحرة اقترح الوقوف دقيقة حدادا ووقف جميع الأطراف بمن فيهم أعضاء وفد الأسد وفريق الإبراهيمي. ونقلت «رويترز» عن جقل قوله: «وقف الجميع حدادا على أرواح الشهداء. كان ذلك رمزا طيبا».
وقال دبلوماسيون بأنه لم يحرز أي تقدم في القضايا الإنسانية وأن قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة ما زالت تنتظر السماح لها بدخول مدينة حمص الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة والتي تقول الولايات المتحدة بأن سكانها يتضورون جوعا. وأوضح الإبراهيمي: «لم ننتبه لأي تغيير كبير في مواقف الطرفين، أما بالنسبة إلى دعوة أطراف أخرى إلى المفاوضات.. وإذا دخل الوفد (الائتلاف) ناس آخرون عندما نعود هذا أمر سنرحب به». وعبر الإبراهيمي عن «إحباط» لعدم إيصال مساعدات إلى حمص المحاصرة بسبب رفض الحكومة لإدخال مساعدات للبلدة القديمة. ولفت إلى أنه «يتمنى» أن «في الجولة الثانية سيكون لدينا مفاوضات ومحادثات منظمة بشكل أفضل.. وآمل أن خلال الفترة التي لا نجتمع أن نبقى على اتصال وأتمنى أن تكون المفاوضات بناءة» في الجولة المقبلة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.