سلام لـ («الشرق الأوسط») : ما يشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهاب في الوسط السني «مقولة كاذبة»

رئيس الحكومة اللبنانية قال إنه يسعى لإيجاد حل لـ«الفيتو الوزاري» الذي يمنع الكثير من الإنجازات

تمام سلام
تمام سلام
TT

سلام لـ («الشرق الأوسط») : ما يشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهاب في الوسط السني «مقولة كاذبة»

تمام سلام
تمام سلام

أكد رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام أنه لم يعد من الممكن استمرار العمل في مجلس الوزراء اللبناني على قاعدة «الفيتو» الوزاري، والتوافق بين كل أعضاء الحكومة لاتخاذ القرارات، في ظل الشغور الرئاسي المستمر منذ 8 أشهر بعد فشل البرلمان المتكرر في انتخاب خلف للرئيس المنتهية ولايته ميشال سليمان.
وأشاد سلام في حوار موسع مع «الشرق الأوسط» بالحوار الدائر بين تيار المستقبل الذي يرأسه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري وحزب الله، معتبرا أن عمليات التفجير التي شهدها لبنان كانت تهدف إلى زرع الفتنة بين السنة والشيعة لزعزعة الوضع الداخلي. ورأى سلام أن موضوع مشاركة حزب الله في الحرب السورية «يحتاج إلى الكثير من العناية والمعالجة في مقاربته، «لأننا تبنينا في حكومتنا سياسة النأي بالنفس تجاه الأحداث في سوريا».
وقد استهل الرئيس سلام الحوار بالإشادة بكلام خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز عما مرت به السعودية منذ أيام عبد العزيز إلى اليوم، من تداول السلطة بين عدة ملوك تسنى لهم خدمة المملكة وخدمة العرب والمسلمين، معتبرا أن ما يجير «هو تكريس وتثبيت للخط المستمر منذ مئات السنين في المملكة». وقال: «من جهتنا نزيد تعلقنا وتمسكنا بالمملكة وقيادتها، التي لم تبخل يوما في دعم قضايا العرب والمسلمين وبالأخص في دعم قضيتنا في لبنان، والمحطات البارزة معروفة لهذا الدعم ومشكورة وهي لا تعد ولا تحصى، فنتمنى للمملكة ولخادم الحرمين المزيد من التقدم والنمو بما يفيد السعودية وشعبها وكل العرب والمسلمين، وبما يزيد ويوطد العلاقة بين لبنان والسعودية»، مشيرا إلى أنه لن يقصر «عندما تحين الفرصة لزيارة المملكة وتوطيد العلاقة في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز».
وفيما يأتي نص الحوار:

* ما تقييمك لعمل الحكومة خلال هذه المرحلة، وقدرتها على مواجهة العواصف الداخلية والإقليمية؟
- نحن مقبلون بعد أيام على مرور سنة كاملة على تشكيل الحكومة، وفي هذه السنة كان هناك وضعان مختلفان. وضع في البداية كان بحضور ووجود رئيس الجمهورية، وبعدها، في الأشهر الثمانية الأخيرة، في ظل شغور رئاسي، ومعاناة كبيرة في البلد، سواء كان على المستوى الأمني أو الاقتصادي والاجتماعي. التصدي لهذا الوضع، بالتالي، يتطلب جهوزية ومعالجة مميزة، علما أنه في البداية (ضمن الوجود الرئاسي) كان الإقبال على المعالجة متقدما وناجحا، وأعطى نتائج كبيرة وإيجابية فورية، لكن في ظل الشغور الرئاسي دخلنا في مرحلة المعاناة في تيسير أمورنا، وتطلب الكثير من المقاربات وتفعيل التواصل مع القوى السياسية من أجل تفعيل دور مجلس الوزراء، وقيام الحكومة بمستلزمات تسهيل أمور البلاد. ورغم ذلك هناك الكثير من الأمور التي لم نتمكن حتى اللحظة من معالجتها جذريا، لأننا اعتمدنا في الحكومة، في ظل الشغور الرئاسي، التوافق على كل شيء. فكل المواضيع غير المتفق عليها، نضعها جانبا، وهي كثيرة مع الأسف. لكن رغم هذه الآلية الصعبة والثقيلة في أداء الحكومة، تمكنّا إلى اليوم من تحصين الوضع الداخلي. من الناحية الأمنية، الوضع متماسك، ومن الناحية الاقتصادية، هو أيضا في شكل مقبول، وكذلك اجتماعيا، إذ ساد جو من الحوار وتهدئة الأجواء بين الطوائف اللبنانية.
* هل نجحت الحكومة بالحد الأدنى في إدارة البلاد؟
- نعم يمكن قول ذلك، والحكومة نجحت في إدارة البلاد وتحصين الوضع الداخلي بالحد الأدنى المقبول، ولكن هذا ما يفرض علينا متابعة انتخابات رئاسة الجمهورية بشكل حثيث.
* إلى متى يستطيع لبنان أن يستمر دون رئيس للجمهورية؟
- هناك الكثير من التقدير الذي نسمعه داخليا وخارجيا، لأداء الحكومة وتمرير هذه المرحلة الصعبة، لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن الشغور في مركز رئاسة الجمهورية له انعكاس سلبي قد لا نحصد أضراره اليوم، لكنه ولا بد سيترك تبعات على المدى الطويل إذا ما طال الموضوع، ولم نتمكن من انتخاب رئيس، لأن أي جسم دون رأس، لا يكون مكتمل القدرات أو سليما. هذا أمر يجب أن يحصل بالأمس قبل اليوم لنستكمل التزامات تحصين الوطن، بل أيضا لدفعه إلى أوضاع أفضل تبعا للمستجدات التي تترك أوزارها في لبنان، وأبرزها موضوع النزوح السوري الذي يبقى عبئا كبيرا على لبنان.
* خلال الأشهر الثمانية، اتفقتم على توافق داخل مجلس الوزراء، لكن هذا لم يحصل بشكل متواصل.. هل شعرت أنك في - مرحلة ما كنت تخوض مجموعة من التناقضات في مكان واحد؟ كيف كانت هذه التجربة تحديدا؟
طبعا، هذه التجربة حتى الآن صعبة ومعقّدة، وأنا أفضل كثيرا أن تكون مستلزمات جسمنا الديمقراطي مكتملة، من انتخاب رئيس للجمهورية، إلى إجراء انتخابات نيابية عامّة وأن يكون مجلس الوزراء يتعاطى مع صلاحياته بحسب الدستور، وليس من خلال ما توصّلنا إليه على مستوى التعايش السياسي داخل مجلس الوزراء بضرورة التوافق على كل شيء. هناك موضوعات حياتية وموضوعات إنمائية وإدارية بحاجة إلى أن نمضي بها، ويتم تحقيقها حتى وإن اعترض أحد الوزراء أو اعترضت إحدى القوى السياسية. لكن اليوم هذا التوافق المطلوب، يعرقل المضي فيها وهذا شيء مزعج جدا.
* في لحظة من اللحظات أنت اعترضت وقلت لهم إنه لا يمكن المضي على هذا المنوال؟
- وصلنا إلى مكان في إحدى الجلسات بعد نقاش طويل لملف حساس وكبير جدا، وأعطينا أكثر من جلسة وأكثر من مقاربة على مدى أشهر ووصلنا إلى مكان (على أساس أننا انتهينا من هذا الملف).. وفجأة، اعترضت إحدى القوى السياسية في الحكومة ولم توافق، فاضطررت إلى المضي في هذا الأمر سواء كانت موافقة أم لم تكن، لأن الوقت كان يداهمنا بهذا الملف ولم يعد يحتمل التأجيل.
* هل هناك استمرارية للفيتو الوزاري؟
- يتطلب مراجعة ومقاربة جديدة، وأنا أسعى إلى ذلك مع القوى السياسة لنتمكن من مساعدة أنفسنا وتسهيل أعمالنا بشكل أفضل.
* ألا تتوجس من أن يولد هذا المسعى نوعا من الحساسيات، خاصة موضوع المسيحيين ومشاركتهم بالسلطة؟
- كلا، هذا الأمر المشار إليه له علاقة بكل ما يعتبر أمرا حياتيا وإنمائيا وإداريا للبلد، أما المواضيع السيادية أو الميثاقية، فمن الأفضل أن تبقى لتوافق الجميع عليها، لأنه لا يمكن أن نفسح المجال أمام اختلال أي جهة أو قوى سياسية، خاصة عندما تكون ممثلة لمكون أساسي في البلد، لأن المواضيع الميثاقية والسياسية حساسة جدا، وهي من طبيعتها في لبنان أنها وفاقية. أساسا، لم يتكون لبنان بعد الاستقلال إلا بنفس توافقي، وديمقراطيتنا الخاصة بنا ذات بُعد توافقي أيضا، وهذا شيء يؤمن التعايش في لبنان ويحسدنا عليه الكثيرون، خاصة إسرائيل التي ترى في هذا النموذج للتعايش نقيضا للعنصرية التي تمارسها عندها.
* هناك اتهام للبنان بأنه أخذ مواقف عنصرية تجاه النزوح السوري.. كيف وجدتم أنكم مضطرون لاتخاذ هذا القرار الذي يشمل الفيزا للسوريين؟
- هذا القرار أثير من حوله الكثير من اللغط في غير محله، ولم نطلب تأشيرة دخول ولا أي شيء آخر. لكن كل ما في الأمر أنه في مواجهة التدفق غير المنضبط والعفوي والمتكاثر والمتزايد على مدى سنوات، والذي أوصل الأمر إلى أن أصبح هناك ما يقارب مليونا ونصف المليون نازح سوري في لبنان، ذهبنا إلى تنظيم هذا الأمر وضبطه في طبيعة السوري الذي يأتي إلى لبنان. فمنهم من يأتي عابرا بغرض السفر إلى الخارج بسبب عدم توفر الرحلات من مطار دمشق إلى كثير من بلدان العالم، وهناك السوري الذي يقيم في لبنان منذ زمن، وهناك السوري الذي يعمل في لبنان، ومنهم من يأتي للاستشفاء، وبعضهم من لديه استثمارات في لبنان، والبعض يأتي إلى زيارة عادية. فهذا ما يتطلب منّا معرفة طبيعة هذا السوري الذي يدخل إلى الوطن، فالأمر ليس سائبا. من هنا، اتخذنا قرارا ببدء التدقيق بطبيعة كل سوري يريد دخول لبنان، علما أنه تبين لنا أن عددا لا بأس به من السوريين الذين أتوا كنازحين اقتصاديين، أي من مناطق بعيدة جدا عن لبنان، وكان يجب أن يذهبوا إلى دول مجاورة لمناطقهم وليس إلى لبنان، لكن لأن لبنان يوفر جوا من الحرية والديمقراطية وواحة من العمل والإنتاج، فيأتون إلى لبنان. وهذا لم يعد نازحا، فقد أصبح يأتي ليستفيد ويسترزق، بالتالي كان علينا أن نفرز هذه الأمور وأن نتعرف على طبيعة هذا النزوح. ومن هنا، الخطوة كانت واضحة بأن يتم التدقيق عند معابر الحدود، وهناك عدد كبير من النازحين السوريين المسجلين لدى الدوائر كنازحين، وخصوصا لدى المنظمات الدولية، ويستفيدون من الكثير من الأوضاع التي تأتي لمساعدة النازحين بينما بعضهم يذهب ويأتي إلى سوريا، والذي يمكنه أن يعود فهذا ليس نازحا. لذلك هذا يتطلب فرزا وتدقيقا، وهذه هي الإجراءات لا أكثر ولا أقل، ومن المؤكد أنها ساهمت في الحد من تدفق النزوح الذي خرج عن السيطرة في فترة ما.
* في ظل الإجراءات الجديدة، هل لبنان قادر على تحمل عبء النازحين أم أن المشكلة ما زالت تهدده؟
- المشكلة ما زالت كبيرة، ومن الممكن أن تكون أصعب لولا هذه الإجراءات، لأنه يقدر عدد النازحين السوريين اليوم بمليون ونصف المليون، بينهم مليون ومائة ألف مسجلون في سجلات مفوضية اللاجئين، و350 ألفا غير مسجلين. ولو لم نفرض تلك الإجراءات، لربما كانوا وصلوا إلى المليونين. وليست لدينا طاقة في تحمل هذا العدد على الإطلاق، علما أن عدد النازحين الموجودين اليوم يشاركوننا في مياهنا وكهربائنا ومدارسنا ومستشفياتنا وكل وسائل الحياة، لأن الغالبية الكبرى منهم 85 في المائة منتشرة في البيوت والأحياء والقرى اللبنانية بين أهلنا، وتمت مساعدتهم والترحيب بهم وما زال الوضع هكذا عند اللبنانيين، ولم نسمع أنه حصلت ردود فعل أو أي تذمّر تجاه السوريين. لكن لا أنفي أن هذا عبء كبير، لأنه بالكاد نمتلك الإمكانات المالية والاقتصادية لمواجهة حاجات اللبنانيين، عدا عن وجود نحو نصف مليون فلسطيني وغيرهم من الجنسيات الموجودة في لبنان نتيجة الأحداث في المنطقة.
* هل المجتمع الدولي يقوم بواجباته؟
- المجتمع الدولي يسعى ويعقد مؤتمرات ويرسل وفودا ويقيم هيئات، لكن ما زال بعيدا جدا عن الاستحقاقات المطلوبة. منذ سنة تقريبا كان البنك الدولي قد شخّص الخسارة اللبنانية من جراء النزوح السوري بنحو 7 مليارات ونصف المليار دولار، واليوم وصلت المساعدات إلى مليار ومائة مليون كحد أقصى، خلال فترة النزوح إلى اليوم. وهناك خطة طريق وضعتها المنظمات الدولية على رأسها الأمم المتحدة لتأمين ما يقارب مليارين ومائة مليون دولار في السنتين المقبلتين لمساعدة لبنان، ونأمل أن توضع مكان التنفيذ للاستفادة منها.
* الأزمة السورية ترخي بظلالها على الوضع اللبناني من كل الجهات ومنها الجانب الأمني.. كيف تصفون المشهد؟
- الجانب الأمني كان له طابع داخلي وآخر على الحدود. الطابع الداخلي تمثل لفترة من الزمن بمحاولات عديدة من استهداف داخلي عبر اغتيالات وتفجيرات وأشكال مختلفة من العنف، وزرع الفتنة بين السنة والشيعة لزعزعة الوضع الداخلي، فتم التصدي لذلك بحزم. وتم اعتماد خطط أمنية نجحت إلى حد بعيد، وكان للأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، قدرة مميزة على تعقّب وإحباط العديد من هذه المحاولات وكشف شبكات إرهابية، وما زلنا نواجه الشبكات الإرهابية بشكل فعّال جدا. ويمكنني أن أقول إن مستلزمات المواجهة الأمنية متوفرة، وكل مستلزمات المواجهة الوطنية على مستوى إحباط أي محاولة لزرع الفتنة في البلد أيضا تأمنت، وأصبح واضحا أمام الجميع أن ما كان يُشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهابيين في لبنان، وخصوصا في وسط المجتمع السني وفي الشمال، تم تبديده كاملا. ولا شك أنه تم تسجيل مواقف متقدّمة من القيادات السنية وفي مقدمها الرئيس سعد الحريري في اتخاذ مواقف حازمة، تحملنا جميعا المسؤولية وأنهينا هذه المقولة الكاذبة. اليوم الأمن مستقر ومنتشر في كافة أنحاء الوطن في الداخل، ولكن لا زالت هناك مواجهة مع الإرهابيين في مناطق سلسلة جبال لبنان الشرقية، والمواجهة التقليدية مع عدونا إسرائيل في الجنوب الذي يخترق أجواءنا ويتصرف بحرية كاملة غير آبه لأي اعتبار مع الأسف.
* ماذا عن المواجهات عند الحدود السورية مع التنظيمات المتطرفة؟
- مواجهة الإرهابيين في السلسلة الشرقية أمر تطلب الكثير من الاستنفار والتجهيز والعناية، خصوصا في دعم الجيش والقوى الأمنية، ولا بد من تسجيل الدعم السعودي المميز، ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، عندما قرر بشكل غير مسبوق أن يكون هناك دعم على مستوى دولة بحجم لبنان بقيمة 3 مليارات دولار للجيش اللبناني، مما أعطانا الكثير من المعنويات، بالإضافة إلى مليار إضافي فيما بعد، وهذا أمر تشكر عليه السعودية التي احتضنت لبنان ماديا ومعنويا ووطنيا، إذ لم توفر مناسبة للتأكيد على حرصها على لبنان.
المواجهة مع الإرهابيين قائمة على قدم وساق، والجيش اللبناني يتصدى ويواجه ببسالة وجرأة رغم سقوط العديد من الشهداء من قبل مجموعات لا تملك لا عقلا ولا دينا في حروبها. ويجب ألا ننسى أن هناك لا يزال حتى اللحظة نحو 26 عسكريا لبنانيا أسرى ومحتجزين عند الإرهابيين، أعدموا منهم 4 (اثنين ذبحا واثنين قتلا بدم بارد) ويهددون من وقت إلى آخر.
* يُقال إن الجماعات المسلحة تحتل نحو 4 في المائة من مساحة لبنان، إلى أي مدى هذا الكلام دقيق وكيف تكون المواجهة؟
- امتزج المسلحون مع سكان بلدة عرسال، فعدد سكان عرسال 35 ألفا والنزوح السوري بعرسال ومحيطها يقارب الـ100 ألف، والمجموعات المسلحة تستفيد من هذا التمازج.
* أنت تحدثت عن تعزيز الحاضنة الوطنية، لكن لا تزال هناك شكوى من تورط جزء من اللبنانيين في سوريا، فإلى أي مدى هذه المسألة تهدد التفاهم أو الحاضنة الداخلية؟
- هو موضوع يحتاج إلى الكثير من العناية والمعالجة في مقاربته، لأننا تبنينا في حكومتنا سياسة النأي بالنفس تجاه الأحداث في سوريا، لكن بين هذا الموقف والواقع على الأرض، ثمّة مساحة ملتبسة وتتطلب متابعة ومعالجة، وهذا الواقع تنتج عنه أضرار سلبية بما يخص لبنان. المتابعة قائمة، لكن الأمور لم يتم حسمها باتجاه تأكيد ممارسة سياسة النأي بالنفس فعلا وليس قولا. وهذا الأمر ليس سهلا، إذ يتطلب الكثير من العناية والجهود لكي لا يذهب بنا إلى أوضاع قد يأتي منها ضرر كبير على اللبنانيين.
* مع حزب الله؟
- أؤكد أن المساعي والاتصالات مع المعنيين قائمة مع حزب الله وغيره، ونأمل أن يكون فيها خير، لكن الآن لا يمكن الاعتماد كليا على ذلك، وعلينا الحذر من أن تذهب الأمور إلى الأسوأ، وهي مسؤولية الجميع، وأمانة عند الجميع لعدم تعرض أي أحد للأذى خصوصا وأن أعداءنا لن يوفروا فرصة أو مناسبة لاستهدافنا.
* بعد عملية حزب الله في شبعا، هل خشيتم انفلات الوضع الأمني ودخول لبنان في حرب جديدة؟
- عطفا عما حدث عام 2006، طبعا المخاوف حضرت فورا في أذهان الكثير من الناس، لكننا بذلنا جهودا لكي لا تتطور الأمور وتصبح شبيهة بما حصل عام 2006، والمحاولات دائما موجودة لتفويت الفرصة عمن يريدون الضرر بلبنان.
* الكلام عن توحيد الجبهات ونظرية سياسة الردع التي يحاول حزب الله ممارستها، إلى أي مدى يمكن أن تكون مفيدة للبنان؟
- الموقف والتصور ليس نابعا من جهة رسمية، بالتالي نسعى كمسؤولين إلى العناية بما يجنب لبنان المخاطر، وبالتالي موقفنا واضح من القرار 1701 والحدود بيننا وبين إسرائيل وما يعرف بالخط الأزرق، وطبعا هي أرض محتلة وليس هناك مبرر لإسرائيل بإبقاء هذا الاحتلال، وهذا ما يجب أن نطالب به دائما.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.