سلام لـ («الشرق الأوسط») : ما يشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهاب في الوسط السني «مقولة كاذبة»

رئيس الحكومة اللبنانية قال إنه يسعى لإيجاد حل لـ«الفيتو الوزاري» الذي يمنع الكثير من الإنجازات

تمام سلام
تمام سلام
TT

سلام لـ («الشرق الأوسط») : ما يشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهاب في الوسط السني «مقولة كاذبة»

تمام سلام
تمام سلام

أكد رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام أنه لم يعد من الممكن استمرار العمل في مجلس الوزراء اللبناني على قاعدة «الفيتو» الوزاري، والتوافق بين كل أعضاء الحكومة لاتخاذ القرارات، في ظل الشغور الرئاسي المستمر منذ 8 أشهر بعد فشل البرلمان المتكرر في انتخاب خلف للرئيس المنتهية ولايته ميشال سليمان.
وأشاد سلام في حوار موسع مع «الشرق الأوسط» بالحوار الدائر بين تيار المستقبل الذي يرأسه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري وحزب الله، معتبرا أن عمليات التفجير التي شهدها لبنان كانت تهدف إلى زرع الفتنة بين السنة والشيعة لزعزعة الوضع الداخلي. ورأى سلام أن موضوع مشاركة حزب الله في الحرب السورية «يحتاج إلى الكثير من العناية والمعالجة في مقاربته، «لأننا تبنينا في حكومتنا سياسة النأي بالنفس تجاه الأحداث في سوريا».
وقد استهل الرئيس سلام الحوار بالإشادة بكلام خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز عما مرت به السعودية منذ أيام عبد العزيز إلى اليوم، من تداول السلطة بين عدة ملوك تسنى لهم خدمة المملكة وخدمة العرب والمسلمين، معتبرا أن ما يجير «هو تكريس وتثبيت للخط المستمر منذ مئات السنين في المملكة». وقال: «من جهتنا نزيد تعلقنا وتمسكنا بالمملكة وقيادتها، التي لم تبخل يوما في دعم قضايا العرب والمسلمين وبالأخص في دعم قضيتنا في لبنان، والمحطات البارزة معروفة لهذا الدعم ومشكورة وهي لا تعد ولا تحصى، فنتمنى للمملكة ولخادم الحرمين المزيد من التقدم والنمو بما يفيد السعودية وشعبها وكل العرب والمسلمين، وبما يزيد ويوطد العلاقة بين لبنان والسعودية»، مشيرا إلى أنه لن يقصر «عندما تحين الفرصة لزيارة المملكة وتوطيد العلاقة في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز».
وفيما يأتي نص الحوار:

* ما تقييمك لعمل الحكومة خلال هذه المرحلة، وقدرتها على مواجهة العواصف الداخلية والإقليمية؟
- نحن مقبلون بعد أيام على مرور سنة كاملة على تشكيل الحكومة، وفي هذه السنة كان هناك وضعان مختلفان. وضع في البداية كان بحضور ووجود رئيس الجمهورية، وبعدها، في الأشهر الثمانية الأخيرة، في ظل شغور رئاسي، ومعاناة كبيرة في البلد، سواء كان على المستوى الأمني أو الاقتصادي والاجتماعي. التصدي لهذا الوضع، بالتالي، يتطلب جهوزية ومعالجة مميزة، علما أنه في البداية (ضمن الوجود الرئاسي) كان الإقبال على المعالجة متقدما وناجحا، وأعطى نتائج كبيرة وإيجابية فورية، لكن في ظل الشغور الرئاسي دخلنا في مرحلة المعاناة في تيسير أمورنا، وتطلب الكثير من المقاربات وتفعيل التواصل مع القوى السياسية من أجل تفعيل دور مجلس الوزراء، وقيام الحكومة بمستلزمات تسهيل أمور البلاد. ورغم ذلك هناك الكثير من الأمور التي لم نتمكن حتى اللحظة من معالجتها جذريا، لأننا اعتمدنا في الحكومة، في ظل الشغور الرئاسي، التوافق على كل شيء. فكل المواضيع غير المتفق عليها، نضعها جانبا، وهي كثيرة مع الأسف. لكن رغم هذه الآلية الصعبة والثقيلة في أداء الحكومة، تمكنّا إلى اليوم من تحصين الوضع الداخلي. من الناحية الأمنية، الوضع متماسك، ومن الناحية الاقتصادية، هو أيضا في شكل مقبول، وكذلك اجتماعيا، إذ ساد جو من الحوار وتهدئة الأجواء بين الطوائف اللبنانية.
* هل نجحت الحكومة بالحد الأدنى في إدارة البلاد؟
- نعم يمكن قول ذلك، والحكومة نجحت في إدارة البلاد وتحصين الوضع الداخلي بالحد الأدنى المقبول، ولكن هذا ما يفرض علينا متابعة انتخابات رئاسة الجمهورية بشكل حثيث.
* إلى متى يستطيع لبنان أن يستمر دون رئيس للجمهورية؟
- هناك الكثير من التقدير الذي نسمعه داخليا وخارجيا، لأداء الحكومة وتمرير هذه المرحلة الصعبة، لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن الشغور في مركز رئاسة الجمهورية له انعكاس سلبي قد لا نحصد أضراره اليوم، لكنه ولا بد سيترك تبعات على المدى الطويل إذا ما طال الموضوع، ولم نتمكن من انتخاب رئيس، لأن أي جسم دون رأس، لا يكون مكتمل القدرات أو سليما. هذا أمر يجب أن يحصل بالأمس قبل اليوم لنستكمل التزامات تحصين الوطن، بل أيضا لدفعه إلى أوضاع أفضل تبعا للمستجدات التي تترك أوزارها في لبنان، وأبرزها موضوع النزوح السوري الذي يبقى عبئا كبيرا على لبنان.
* خلال الأشهر الثمانية، اتفقتم على توافق داخل مجلس الوزراء، لكن هذا لم يحصل بشكل متواصل.. هل شعرت أنك في - مرحلة ما كنت تخوض مجموعة من التناقضات في مكان واحد؟ كيف كانت هذه التجربة تحديدا؟
طبعا، هذه التجربة حتى الآن صعبة ومعقّدة، وأنا أفضل كثيرا أن تكون مستلزمات جسمنا الديمقراطي مكتملة، من انتخاب رئيس للجمهورية، إلى إجراء انتخابات نيابية عامّة وأن يكون مجلس الوزراء يتعاطى مع صلاحياته بحسب الدستور، وليس من خلال ما توصّلنا إليه على مستوى التعايش السياسي داخل مجلس الوزراء بضرورة التوافق على كل شيء. هناك موضوعات حياتية وموضوعات إنمائية وإدارية بحاجة إلى أن نمضي بها، ويتم تحقيقها حتى وإن اعترض أحد الوزراء أو اعترضت إحدى القوى السياسية. لكن اليوم هذا التوافق المطلوب، يعرقل المضي فيها وهذا شيء مزعج جدا.
* في لحظة من اللحظات أنت اعترضت وقلت لهم إنه لا يمكن المضي على هذا المنوال؟
- وصلنا إلى مكان في إحدى الجلسات بعد نقاش طويل لملف حساس وكبير جدا، وأعطينا أكثر من جلسة وأكثر من مقاربة على مدى أشهر ووصلنا إلى مكان (على أساس أننا انتهينا من هذا الملف).. وفجأة، اعترضت إحدى القوى السياسية في الحكومة ولم توافق، فاضطررت إلى المضي في هذا الأمر سواء كانت موافقة أم لم تكن، لأن الوقت كان يداهمنا بهذا الملف ولم يعد يحتمل التأجيل.
* هل هناك استمرارية للفيتو الوزاري؟
- يتطلب مراجعة ومقاربة جديدة، وأنا أسعى إلى ذلك مع القوى السياسة لنتمكن من مساعدة أنفسنا وتسهيل أعمالنا بشكل أفضل.
* ألا تتوجس من أن يولد هذا المسعى نوعا من الحساسيات، خاصة موضوع المسيحيين ومشاركتهم بالسلطة؟
- كلا، هذا الأمر المشار إليه له علاقة بكل ما يعتبر أمرا حياتيا وإنمائيا وإداريا للبلد، أما المواضيع السيادية أو الميثاقية، فمن الأفضل أن تبقى لتوافق الجميع عليها، لأنه لا يمكن أن نفسح المجال أمام اختلال أي جهة أو قوى سياسية، خاصة عندما تكون ممثلة لمكون أساسي في البلد، لأن المواضيع الميثاقية والسياسية حساسة جدا، وهي من طبيعتها في لبنان أنها وفاقية. أساسا، لم يتكون لبنان بعد الاستقلال إلا بنفس توافقي، وديمقراطيتنا الخاصة بنا ذات بُعد توافقي أيضا، وهذا شيء يؤمن التعايش في لبنان ويحسدنا عليه الكثيرون، خاصة إسرائيل التي ترى في هذا النموذج للتعايش نقيضا للعنصرية التي تمارسها عندها.
* هناك اتهام للبنان بأنه أخذ مواقف عنصرية تجاه النزوح السوري.. كيف وجدتم أنكم مضطرون لاتخاذ هذا القرار الذي يشمل الفيزا للسوريين؟
- هذا القرار أثير من حوله الكثير من اللغط في غير محله، ولم نطلب تأشيرة دخول ولا أي شيء آخر. لكن كل ما في الأمر أنه في مواجهة التدفق غير المنضبط والعفوي والمتكاثر والمتزايد على مدى سنوات، والذي أوصل الأمر إلى أن أصبح هناك ما يقارب مليونا ونصف المليون نازح سوري في لبنان، ذهبنا إلى تنظيم هذا الأمر وضبطه في طبيعة السوري الذي يأتي إلى لبنان. فمنهم من يأتي عابرا بغرض السفر إلى الخارج بسبب عدم توفر الرحلات من مطار دمشق إلى كثير من بلدان العالم، وهناك السوري الذي يقيم في لبنان منذ زمن، وهناك السوري الذي يعمل في لبنان، ومنهم من يأتي للاستشفاء، وبعضهم من لديه استثمارات في لبنان، والبعض يأتي إلى زيارة عادية. فهذا ما يتطلب منّا معرفة طبيعة هذا السوري الذي يدخل إلى الوطن، فالأمر ليس سائبا. من هنا، اتخذنا قرارا ببدء التدقيق بطبيعة كل سوري يريد دخول لبنان، علما أنه تبين لنا أن عددا لا بأس به من السوريين الذين أتوا كنازحين اقتصاديين، أي من مناطق بعيدة جدا عن لبنان، وكان يجب أن يذهبوا إلى دول مجاورة لمناطقهم وليس إلى لبنان، لكن لأن لبنان يوفر جوا من الحرية والديمقراطية وواحة من العمل والإنتاج، فيأتون إلى لبنان. وهذا لم يعد نازحا، فقد أصبح يأتي ليستفيد ويسترزق، بالتالي كان علينا أن نفرز هذه الأمور وأن نتعرف على طبيعة هذا النزوح. ومن هنا، الخطوة كانت واضحة بأن يتم التدقيق عند معابر الحدود، وهناك عدد كبير من النازحين السوريين المسجلين لدى الدوائر كنازحين، وخصوصا لدى المنظمات الدولية، ويستفيدون من الكثير من الأوضاع التي تأتي لمساعدة النازحين بينما بعضهم يذهب ويأتي إلى سوريا، والذي يمكنه أن يعود فهذا ليس نازحا. لذلك هذا يتطلب فرزا وتدقيقا، وهذه هي الإجراءات لا أكثر ولا أقل، ومن المؤكد أنها ساهمت في الحد من تدفق النزوح الذي خرج عن السيطرة في فترة ما.
* في ظل الإجراءات الجديدة، هل لبنان قادر على تحمل عبء النازحين أم أن المشكلة ما زالت تهدده؟
- المشكلة ما زالت كبيرة، ومن الممكن أن تكون أصعب لولا هذه الإجراءات، لأنه يقدر عدد النازحين السوريين اليوم بمليون ونصف المليون، بينهم مليون ومائة ألف مسجلون في سجلات مفوضية اللاجئين، و350 ألفا غير مسجلين. ولو لم نفرض تلك الإجراءات، لربما كانوا وصلوا إلى المليونين. وليست لدينا طاقة في تحمل هذا العدد على الإطلاق، علما أن عدد النازحين الموجودين اليوم يشاركوننا في مياهنا وكهربائنا ومدارسنا ومستشفياتنا وكل وسائل الحياة، لأن الغالبية الكبرى منهم 85 في المائة منتشرة في البيوت والأحياء والقرى اللبنانية بين أهلنا، وتمت مساعدتهم والترحيب بهم وما زال الوضع هكذا عند اللبنانيين، ولم نسمع أنه حصلت ردود فعل أو أي تذمّر تجاه السوريين. لكن لا أنفي أن هذا عبء كبير، لأنه بالكاد نمتلك الإمكانات المالية والاقتصادية لمواجهة حاجات اللبنانيين، عدا عن وجود نحو نصف مليون فلسطيني وغيرهم من الجنسيات الموجودة في لبنان نتيجة الأحداث في المنطقة.
* هل المجتمع الدولي يقوم بواجباته؟
- المجتمع الدولي يسعى ويعقد مؤتمرات ويرسل وفودا ويقيم هيئات، لكن ما زال بعيدا جدا عن الاستحقاقات المطلوبة. منذ سنة تقريبا كان البنك الدولي قد شخّص الخسارة اللبنانية من جراء النزوح السوري بنحو 7 مليارات ونصف المليار دولار، واليوم وصلت المساعدات إلى مليار ومائة مليون كحد أقصى، خلال فترة النزوح إلى اليوم. وهناك خطة طريق وضعتها المنظمات الدولية على رأسها الأمم المتحدة لتأمين ما يقارب مليارين ومائة مليون دولار في السنتين المقبلتين لمساعدة لبنان، ونأمل أن توضع مكان التنفيذ للاستفادة منها.
* الأزمة السورية ترخي بظلالها على الوضع اللبناني من كل الجهات ومنها الجانب الأمني.. كيف تصفون المشهد؟
- الجانب الأمني كان له طابع داخلي وآخر على الحدود. الطابع الداخلي تمثل لفترة من الزمن بمحاولات عديدة من استهداف داخلي عبر اغتيالات وتفجيرات وأشكال مختلفة من العنف، وزرع الفتنة بين السنة والشيعة لزعزعة الوضع الداخلي، فتم التصدي لذلك بحزم. وتم اعتماد خطط أمنية نجحت إلى حد بعيد، وكان للأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، قدرة مميزة على تعقّب وإحباط العديد من هذه المحاولات وكشف شبكات إرهابية، وما زلنا نواجه الشبكات الإرهابية بشكل فعّال جدا. ويمكنني أن أقول إن مستلزمات المواجهة الأمنية متوفرة، وكل مستلزمات المواجهة الوطنية على مستوى إحباط أي محاولة لزرع الفتنة في البلد أيضا تأمنت، وأصبح واضحا أمام الجميع أن ما كان يُشاع عن وجود بيئة حاضنة للإرهابيين في لبنان، وخصوصا في وسط المجتمع السني وفي الشمال، تم تبديده كاملا. ولا شك أنه تم تسجيل مواقف متقدّمة من القيادات السنية وفي مقدمها الرئيس سعد الحريري في اتخاذ مواقف حازمة، تحملنا جميعا المسؤولية وأنهينا هذه المقولة الكاذبة. اليوم الأمن مستقر ومنتشر في كافة أنحاء الوطن في الداخل، ولكن لا زالت هناك مواجهة مع الإرهابيين في مناطق سلسلة جبال لبنان الشرقية، والمواجهة التقليدية مع عدونا إسرائيل في الجنوب الذي يخترق أجواءنا ويتصرف بحرية كاملة غير آبه لأي اعتبار مع الأسف.
* ماذا عن المواجهات عند الحدود السورية مع التنظيمات المتطرفة؟
- مواجهة الإرهابيين في السلسلة الشرقية أمر تطلب الكثير من الاستنفار والتجهيز والعناية، خصوصا في دعم الجيش والقوى الأمنية، ولا بد من تسجيل الدعم السعودي المميز، ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، عندما قرر بشكل غير مسبوق أن يكون هناك دعم على مستوى دولة بحجم لبنان بقيمة 3 مليارات دولار للجيش اللبناني، مما أعطانا الكثير من المعنويات، بالإضافة إلى مليار إضافي فيما بعد، وهذا أمر تشكر عليه السعودية التي احتضنت لبنان ماديا ومعنويا ووطنيا، إذ لم توفر مناسبة للتأكيد على حرصها على لبنان.
المواجهة مع الإرهابيين قائمة على قدم وساق، والجيش اللبناني يتصدى ويواجه ببسالة وجرأة رغم سقوط العديد من الشهداء من قبل مجموعات لا تملك لا عقلا ولا دينا في حروبها. ويجب ألا ننسى أن هناك لا يزال حتى اللحظة نحو 26 عسكريا لبنانيا أسرى ومحتجزين عند الإرهابيين، أعدموا منهم 4 (اثنين ذبحا واثنين قتلا بدم بارد) ويهددون من وقت إلى آخر.
* يُقال إن الجماعات المسلحة تحتل نحو 4 في المائة من مساحة لبنان، إلى أي مدى هذا الكلام دقيق وكيف تكون المواجهة؟
- امتزج المسلحون مع سكان بلدة عرسال، فعدد سكان عرسال 35 ألفا والنزوح السوري بعرسال ومحيطها يقارب الـ100 ألف، والمجموعات المسلحة تستفيد من هذا التمازج.
* أنت تحدثت عن تعزيز الحاضنة الوطنية، لكن لا تزال هناك شكوى من تورط جزء من اللبنانيين في سوريا، فإلى أي مدى هذه المسألة تهدد التفاهم أو الحاضنة الداخلية؟
- هو موضوع يحتاج إلى الكثير من العناية والمعالجة في مقاربته، لأننا تبنينا في حكومتنا سياسة النأي بالنفس تجاه الأحداث في سوريا، لكن بين هذا الموقف والواقع على الأرض، ثمّة مساحة ملتبسة وتتطلب متابعة ومعالجة، وهذا الواقع تنتج عنه أضرار سلبية بما يخص لبنان. المتابعة قائمة، لكن الأمور لم يتم حسمها باتجاه تأكيد ممارسة سياسة النأي بالنفس فعلا وليس قولا. وهذا الأمر ليس سهلا، إذ يتطلب الكثير من العناية والجهود لكي لا يذهب بنا إلى أوضاع قد يأتي منها ضرر كبير على اللبنانيين.
* مع حزب الله؟
- أؤكد أن المساعي والاتصالات مع المعنيين قائمة مع حزب الله وغيره، ونأمل أن يكون فيها خير، لكن الآن لا يمكن الاعتماد كليا على ذلك، وعلينا الحذر من أن تذهب الأمور إلى الأسوأ، وهي مسؤولية الجميع، وأمانة عند الجميع لعدم تعرض أي أحد للأذى خصوصا وأن أعداءنا لن يوفروا فرصة أو مناسبة لاستهدافنا.
* بعد عملية حزب الله في شبعا، هل خشيتم انفلات الوضع الأمني ودخول لبنان في حرب جديدة؟
- عطفا عما حدث عام 2006، طبعا المخاوف حضرت فورا في أذهان الكثير من الناس، لكننا بذلنا جهودا لكي لا تتطور الأمور وتصبح شبيهة بما حصل عام 2006، والمحاولات دائما موجودة لتفويت الفرصة عمن يريدون الضرر بلبنان.
* الكلام عن توحيد الجبهات ونظرية سياسة الردع التي يحاول حزب الله ممارستها، إلى أي مدى يمكن أن تكون مفيدة للبنان؟
- الموقف والتصور ليس نابعا من جهة رسمية، بالتالي نسعى كمسؤولين إلى العناية بما يجنب لبنان المخاطر، وبالتالي موقفنا واضح من القرار 1701 والحدود بيننا وبين إسرائيل وما يعرف بالخط الأزرق، وطبعا هي أرض محتلة وليس هناك مبرر لإسرائيل بإبقاء هذا الاحتلال، وهذا ما يجب أن نطالب به دائما.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.