لاجئون سوريون فجروا توترا بين الجزائر والرباط

المغرب احتج لدى السلطات الجزائرية بسبب ترحيلهم إلى أراضيه

لاجئون سوريون فجروا توترا بين الجزائر والرباط
TT

لاجئون سوريون فجروا توترا بين الجزائر والرباط

لاجئون سوريون فجروا توترا بين الجزائر والرباط

أبلغ المغرب مساء أول من أمس السلطات الجزائرية احتجاجه الرسمي على عمليات ترحيل اللاجئين السوريين إلى أراضيه، خلال الأيام القليلة الماضية، واستدعت الخارجية المغربية سفير الجزائر لدى الرباط، وأبلغته «استياء المغرب الشديد».
وتمكن نحو 101 مواطن سوري من العبور نحو التراب المغربي عبر الحدود مع الجزائر، عبر دفعات، وذلك في ظروف إنسانية صعبة، أغلبهم من إدلب وحمص وحماه. وتتكفل جمعيات محلية في مدينة وجدة (شرق البلاد) بإيواء هؤلاء إلى حين التحاقهم بأقارب لهم مقيمين في عدة مدن مغربية. وذكر بيان للخارجية المغربية أن مباركة بوعيدة، الوزيرة المنتدبة في الخارجية، استدعت سفير الجزائر لدى الرباط لإبلاغه الاستياء الشديد للمملكة المغربية، إثر ترحيل السلطات الجزائرية نحو التراب المغربي، ما بين الأحد والثلاثاء الماضيين، أكثر من 70 مواطنا سوريا.
وأضاف البيان أن «المغرب، إذ يطالب الجزائر بتحمل مسؤولياتها بالشكل الكامل، يعرب عن أسفه العميق لهذا التصرف اللاإنساني، لا سيما أن الأمر يتعلق بنساء وأطفال في وضعية بالغة الهشاشة».
وأفاد المصدر ذاته بأن «السلطات المغربية قدمت فورا المساعدة المطلوبة والعلاجات الضرورية للمواطنين السوريين في المنطقة الحدودية مع الجزائر».
من جهتها، أوضحت وزارة الداخلية المغربية أن السلطات المغربية سجلت، أخيرا، تكرار عمليات ترحيل اللاجئين السوريين (كما كان الشأن في السابق بالنسبة للمنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء) من قبل السلطات الجزائرية نحو التراب المغربي عبر الحدود الشرقية للمملكة.
وأضافت أنه بالنسبة للفترة الممتدة من 26 إلى 28 يناير (كانون الثاني) الحالي، رحلت السلطات الجزائرية 77 مواطنا سوريا، من بينهم 18 امرأة و43 طفلا (بعضهم تقل أعمارهم عن شهرين).
وأفاد بيان صدر مساء أول من أمس عن وزارة الداخلية بأن المغرب أعرب عن احتجاجه الرسمي لدى السلطات الجزائرية على عمليات الترحيل المتكررة للاجئين السوريين إلى التراب الوطني، وذلك «خلافا لقواعد حسن الجوار التي ما فتئت تدعو إليها المملكة»، معبرة في الوقت نفسه عن أسفها «للوضعية المزرية لهؤلاء المهاجرين».
وفي هذا السياق، قال حسن العماري، الناشط الحقوقي والمهتم بقضايا اللجوء والهجرة بمدينة وجدة (شرق البلاد)، لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ الأحد إلى غاية الثلاثاء الماضيين تمكن نحو 101 مواطن سوري من العبور نحو التراب المغربي عبر الحدود مع الجزائر، عبر ثلاث دفعات، وذلك في ظروف إنسانية صعبة، لا سيما في ظل برودة أحوال الطقس، وتساقط الأمطار في المنطقة، مشيرا إلى أنهم يتكونون من رجال ونساء وأطفال بينهم رضع.
وقال العماري إنه فور وصولهم قدمت لهم المساعدات والعلاجات الضرورية من قبل السلطات المحلية وعدد من الجمعيات، أبرزها «جمعية الوفاء للتنمية الاجتماعية» التي آوت الكثير منهم، إلى جانب جمعية دولية تعمل في المنطقة.
وأوضح العماري أنه من خلال لقائه بعدد من هؤلاء اللاجئين السوريين صرحوا بأنهم عبروا للسلطات الجزائرية عن رغبتهم في القدوم إلى المغرب، للالتحاق بأقارب لهم كانوا قد قدموا في وقت سابق هربا من الحرب، إما جوا وإما عن طريق البر، واستقروا في عدة مدن، منها أغادير ومراكش والدار البيضاء والرباط ووجدة، مشيرا إلى أن السلطات الجزائرية سهلت لهم عملية العبور ونقلتهم إلى الحدود المغربية.
وردا على سؤال حول عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى المغرب منذ اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، قال العماري إن الإحصائيات تشير إلى أن أعدادهم تتراوح ما بين 2500 و2700 لاجئ.
من جهتها، قالت صبيحة بصراوي، رئيسة «جمعية الوفاء للتنمية الاجتماعية» في وجدة التي آوت عددا من اللاجئين السورين، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن الجمعية استقبلت ثلاث مجموعات من اللاجئين في الأيام الماضية، المجموعة الأولى كانت تتكون من 27 فردا، بينهم 12 طفلا و10 نساء وخمسة رجال استقبلتهم الجمعية في 21 يناير الماضي، وبعد إقامة لمدة ثلاثة أيام، غادروا الجمعية للالتحاق بأقاربهم في عدد من المدن المغربية، من بينها الرباط والدار البيضاء والناظور، ومنهم من ظل في مدينة وجدة، وأوضحت أن هؤلاء اللاجئين كانوا قد أمدوا الجمعية بأرقام هواتف أقاربهم فجرى الاتصال بهم للتنسيق معم من أجل استقبالهم.
وأوضحت بصراوي أن معظم اللاجئين الذين يصلون إلى المغرب لديهم أقارب في مدن مغربية، والجمعية تقدم لهم مساعدات اجتماعية ونفسية إلى حين الالتحاق بأقاربهم.
من جهتها، قالت تركية حسن، لاجئة سورية من مدينة حماه، مقيمة في الجمعية، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إنها قدمت إلى المغرب عن طريق لبنان ومنه سافرت برفقة زوجها وأطفالها الخمسة جوا إلى الجزائر، وعندما نزلوا في مطار العاصمة لا أحد اهتم بهم ولا سأل عنهم، لذلك قدموا إلى وجدة حيث استقبلوا استقبالا جيدا من قبل السلطات، ثم آوتهم «جمعية الوفاء»، وأضافت: «نحن عاجزون عن شكرهم»، وقالت تركية: «إن الوضع في سوريا سيئ للغاية، وأنتم تشاهدون ذلك من خلال الفضائيات»، وأضافت بمرارة: «صحيح أننا غادرنا البلد، لكنا كنا مضطرين إلى ذلك، فلا أحد يرتاح سوى في بلده».
من جانبه، قال زوجها عماد، وعمره 37 سنة، إنه يعتزم الالتحاق بأقارب له في مدينة طنجة (شمال البلاد)، إذ سبق أن اتصل بهم عندما كان في لبنان وهم من شجعوه على المجيء إلى المغرب، وأضاف: «نحن لا نشعر أبدا أننا غرباء في هذا البلد، بل بين ذوينا وأهلنا».
وفي الجزائر، استدعت وزارة الخارجية الجزائرية أمس سفير المملكة المغربية لإبلاغه «رفض الجزائر التام للادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، التي تذرع بها المغرب بشأن الطرد المزعوم من قبل السلطات الجزائرية لرعايا سوريين نحو التراب المغربي».
ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن المتحدث باسم الخارجية عمار بلاني قوله إن أمين عام الوزارة استقبل السفير المغربي عبد الله بلقزيز، «وجرى لفت انتباهه إلى أن الجزائر تستنكر بشدة هذا الاستفزاز الجديد ذا الخلفية السياسية، وتأسف كثيرا لهذه المحاولة الجديدة غير المبررة لزيادة التوتر لعلاقة سبق وأن تضررت كثيرا في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي خلال الاعتداء على القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء»، في إشارة إلى إنزال علم الجزائر من مبنى قنصليتها من طرف أشخاص، على خلفية خطاب للرئيس عبد العزيز بوتفليقة في نيجيريا، بشأن نزاع الصحراء، أثار حفيظة الرباط.
وقال بلاني إن الجزائر «تضطلع بمسؤولياتها على أكمل وجه في إطار حسن الجوار، رغم العبء الكبير الذي تتحمله منذ سنوات بسبب العدد المتزايد للمهاجرين القادمين من الدول الواقعة جنوب الصحراء، والذين تقوم السلطات المغربية بطردهم باتجاه التراب الجزائري». وأضاف: «جرى إعلام السفير أن الجزائر ليست على الإطلاق في حاجة إلى من يلقنها دروسا، عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن العناية والاهتمام الكبير اللذين تخص بهما الرعايا السوريين الموجودين على ترابها، كضيوف للشعب الجزائري الذي استقبلهم تلقائيا بسخائه وحسن ضيافته المعهودين».
ومن جهته، ذكر العميد الطاهر عثماني، مسؤول قيادة الدرك في غرب الجزائر، أمس في مؤتمر صحافي في وهران (450 كلم غرب العاصمة)، أن حرس الحدود «لم يمنع دخول لاجئين أجانب إلى التراب الجزائري، أما بخصوص ما يدعيه المغاربة فالأمر يتعلق بأشخاص هربوا بمجرد أن لاحظوا دورية الدرك ولم يحاولوا أبدا الدخول إلى بلادنا، كما أننا لا نعرف جنسياتهم».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.