الحرب الليبية مرشحة للاستمرار سنوات والجيش يضيف 4 طائرات «سوخوي» جديدة إلى أسطوله

خلافات داخل معسكر «فجر ليبيا».. وتململ في صفوف «عملية الكرامة»

رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

الحرب الليبية مرشحة للاستمرار سنوات والجيش يضيف 4 طائرات «سوخوي» جديدة إلى أسطوله

رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

كشفت قيادات عسكرية وقبلية وسياسية ليبية عن وجود خلافات داخل معسكر «فجر ليبيا» الذي يقوده متشددون من جماعة الإخوان ويضم مجموعات من المتطرفين، بالتزامن مع ظهور تململ في صفوف «عملية الكرامة» التي يقودها اللواء خليفة حفتر التي تجري ضد الإرهابيين تحت إشراف رئاسة الأركان التابعة للبرلمان الجديد.
وتعد «فجر ليبيا» وقوات «عملية الكرامة» التابعة للجيش، القوتين الرئيسيتين المتحاربتين في البلاد الغنية بالنفط. وتوقعت هذه المصادر التي كان بعضها في زيارة للعاصمة المصرية، القاهرة، أخيرا، استمرار الحرب الليبية لسنوات رغم ضم الجيش 4 طائرات «سوخوي» جديدة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو أمر يجري الكشف عنه للمرة الأولى.
ومن جانبها تحدثت مصادر سياسية من مدينة مصراتة خلال زيارة غير رسمية للقاهرة، عن خلافات بين قادة المدينة التي تعد المعقل الرئيسي لقوات «فجر ليبيا»، وذلك حول العمليات العسكرية التي بدأت هذه القوات تقوم بها في مناطق الشرق الليبي وما تسببت فيه من دمار هائل للخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي. وقالت هذه المصادر إن شخصيات في المجلس البلدي لمدنية مصراتة الذي يقوده تيار يضم معتدلين، أبلغ القادة العسكريين، وأغلبهم من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقتلة، أن العمليات القتالية والهجوم على منطقة الهلال النفطي الواقع إلى الغرب قليلا من مدينة بنغازي «تعيق الحوار» مع باقي الليبيين.
وتابعت هذه المصادر قائلة إن 4 (3 رجال وسيدة) من نواب مصراتة الذين فازوا في البرلمان الجديد الذي يعقد جلساته في طبرق، ما زالوا يصرون على مقاطعة جلساته والوقوف إلى جانب قوات «فجر ليبيا» المناوئة للبرلمان وللجيش الوطني وعملية الكرامة، وهؤلاء النواب هم: «ح.ش»، و«ع.ب»، و«م.ض» و«ع.س»، ويقودون حراكا مثيرا للقلق في مدينة مصراتة يهدف إلى إطالة أمد الحرب ضد برلمان طبرق والجيش ويدعمون مواقف المتطرفين بطريقة تدعو إلى الخطر من المستقبل، لأن «هذا الاتجاه لن يفضي إلى سيطرة فجر ليبيا على عموم البلاد، ولكنه سيؤدي إلى عداء من جانب الليبيين ضد مدينة مصراتة».
ووفقا للمصادر نفسها مارس النواب المتشددون المقاطعون لجلسات برلمان طبرق، وغالبيتهم من جماعة الإخوان، ضغوطا كبيرة، بمساعدة قادة عسكريين من «فجر ليبيا»، على المجلس البلدي لمدينة مصراتة لمنعه من إصدار بيان يؤيد الحوار السياسي، مشيرة إلى أن المجلس البلدي كان يريد أن يصدر الأسبوع الماضي بيانا يقول فيه إن الحوار «خيار استراتيجي لحل الأزمة الليبية»، وليس السلاح أو الاقتتال.
ومن بين من زاروا القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية قيادي ليبي من جماعة الإخوان المسلمين من الموالين لقوات «فجر ليبيا» وتوجهات المتشددين في مصراتة، يدعى «ع.ر».
وأفادت المصادر أن هذا الرجل دخل مصر بـ«تنسيق مسبق مع القاهرة، وبضمانات بعدم الملاحقة»، وأنه كان قريبا من مقابلات جرت قبل شهر بين فرقاء ليبيين عقد بعضها، بشكل غير رسمي، في دولة المغرب. ولم يعرف بعد ما إذا كان «ع.ر». قد التقى بأي من المسؤولين المصريين أم لا، مع العلم أن مصادر مصرية رسمية أبلغت «الشرق الأوسط» أن القاهرة لن تكون طرفا في أي حوار بين الليبيين تشارك فيه جماعة الإخوان أو القيادات المتطرفة، وأنها «لا تشجع على ذلك»، حتى لو عقد مثل هذا اللقاء في دول أخرى كالجزائر.
وبالعودة إلى الخلافات بين قادة مصراتة، أفادت المعلومات أن نواب المدينة المقاطعين لأعمال البرلمان، والذين شاركوا في مؤتمر «غدامس1» قبل شهرين، مع نواب من البرلمان، يتعرضون لهجوم كبير. وأضافت مصادر من مصراتة نفسها أن التيار المنحاز للحوار يقوده النائب المعتدل، فتحي باشاغا. وأضاف أن تيار النائب باشاغا في مصراتة تعرض، بسبب مواقفه المعتدلة، لاتهامات من جانب المتطرفين بالتكفير والتخوين. وقالت إن «أعضاء في جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة يقودون حملة ضد باشاغا مستخدمين في ذلك أيضا جيشا إلكترونيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غالبية أفراده من النساء وربات البيوت».
وتسير هذه المعركة الخافتة في أروقة مصراتة مع معركة أكبر تجري وقائعها في طرابلس بشأن المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) المنتهية ولايته، والذي يصر على الاستمرار في عقد جلساته حتى الآن، ويحاول إقناع العالم بأن «برلمان شرعي له حكومة»، ويريد أن يعزز سلطاته على الأرض بالسيطرة على المنشآت النفطية قرب سرت وبنغازي قرب منطقة السدرة والوادي الأحمر.
وقال أحد أعضاء المؤتمر الوطني لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف من طرابلس، مشترطا عدم تعريفه بسبب حساسية الخلافات هناك، إنه «يوجد توتر كبير بين أعضاء المؤتمر الوطني السابق، بسبب اتهامهم لرئيسه نوري بو سهمين بالانقياد لسلطة أعضائه المتشددين»، قائلا إن من بين هؤلاء الأعضاء المتشددين محمد العماري، ومحمد بوسدرة، وعبد الوهاب القايد. وأضاف أن نحو 20 عضوا في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته «هددوا باستصدار بيان يؤيد الحوار مع البرلمان الجديد في حال استمرار قيادات المؤتمر في رفض الحوار».
ومن بين الخلافات التي بدأت تضرب في مصراتة أيضا، اشتراط عدد من قادة ميليشيات عسكرية مهمة في «فجر ليبيا»، ومنها كتيبة الحلبوص وكتيبة المحجوب، ابتعاد صلاح بادي، قائد «فجر ليبيا» ومن القيادات الإخوانية العسكرية المتشددة، عن المشهد العام الحالي، وذلك بسبب ضلوعه في معركة المطار والمعارك التي تبعتها في جنوب غربي طرابلس في الزنتان وورشفانة، وتشدده ضد أي فرص للحوار تشارك فيه أطراف من برلمان طبرق ومن الأطراف الأخرى الفاعلة في ليبيا.
وتعتمد قوة القيادات الإخوانية على عمليات التنسيق التي تجريها بين ميليشيات المتطرفين، سواء كانوا من الموالين لتنظيم القاعدة أو لتنظيم «داعش»، وهما تنظيمان يتركز وجودهما بشكل كبير في الوقت الحالي على مدن درنة وسرت وبنغازي. ويشن الجيش الوطني بقيادة حفتر، عمليات ضد هؤلاء المتطرفين في بنغازي، لكن المعركة طالت ولم تحسم بشكل نهائي بعد، بسبب «تململ» بين ضباط عدد من قادة العمليات داخل المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية ومهد الثورة التي انطلقت ضد العقيد معمر القذافي في 2011.
واستغلت «فجر ليبيا» بطء عمليات الجيش في بنغازي وحاولت تقديم دعم لجماعة أنصار الشريعة المحاصرة في المدينة. وقال ضابط كبير في الجيش الليبي كان ضمن وفد في زيارة للقاهرة قبل يومين إن المؤشر وراء توجه قوات «فجر ليبيا» إلى حقول النفط في المنطقة الشرقية «ليس هدفه الحقول في حد ذاتها، ولكن يريدون مناصرة أنصار الشريعة في بنغازي، لأن موضوع حسم المعارك في بنغازي تأخر بطريقة غريبة. وفي حال سيطرة «فجر ليبيا» على حقول النفط في الشرق فإنك تستطيع القول إنها تحقق نتائج كبيرة لصالحها، وهذا يزيد الأمور تعقيدا، سواء سياسيا أو عسكريا».
ويضيف أن «الناس في حرب بنغازي وقفت مع الجيش حين دخل المدينة منذ الشهر قبل الماضي. لكن ميدانيا الوضع في المدينة غير مطمئن.. كان هناك هجومان كبيران في بنغازي من جانب مجلس ثوار بنغازي (الذي يقوده المتطرفون).. المتطرفون يضغطون داخل بنغازي حتى لا يكون هناك دعم للجيش في منطقة وادي الأحمر قرب المنشآت النفطية وقرب سرت.. لا تستطيع أن ترسل قوة إلى الجبهة الواقعة غرب بنغازي بينما أنت لديك جبهات مفتوحة داخل بنغازي نفسها».
وقامت قوات فجر ليبيا بشن هجومين الشهر الماضي على القوات الموالية للجيش في منطقة رأس الأنوف، قرب المنشآت النفطية وعلى الطرق الشرقية لسرت، وتمكنت في الهجوم الثاني من حرق صهاريج ضخمة مما أثر بالسلب على عمليات التصدير وعلى مصادر الطاقة المغذية لشرق البلاد. ووفقا للمصدر العسكري المقرب من العمليات التي تقوم بها قوات حفتر والجيش الوطني، فإن القوات الموالية للجيش والتي كانت موجودة في الهلال النفطي هي «قوات معنوية» أكثر منها قوات قادرة على صد هجوم قوات فجر ليبيا.
واعتمد الجيش على القوات الجوية لضرب أرتال قوات فحر ليبيا وهي تتقدم إلى منطقة النفط، لكن طريقة تنفيذ «فجر ليبيا» للهجوم لم تكن متوقعة. وقال هذا الضابط إنه «يوجد مع قوات فجر ليبيا خبراء عسكريون سودانيون وربما أتراك في غرف العمليات، لأن الهجوم الثاني الذي قامت به (فجر ليبيا) بعد صد الهجوم الأول بطيران الجيش، استخدمت فيه 5 محاور في الهجوم، لتشتيت قدرات الطيران الحربي».
وتابع موضحا: «الهجوم من عدة محاور لم يكن موجودا في تكتيك قوات فجر ليبيا من قبل.. هذا حدث في الهجوم الثاني انطلاقا من مدينة سرت للاستيلاء على المنشآت النفطية، في مقابل قدرات متواضعة للسلاح الجوي الذي يملكه الجيش الوطني. وهو، أي الجيش، لا يستطيع أن يوجه ضرباته لأربعة أو خمسة أهداف مرة واحدة.. هذا يؤدي إلى إرهاق سلاح الجو الليبي واستنزاف قدراته، وحتى بالنسبة لعملية إعادة تذخير الطائرات، أضف إلى ذلك أن كميات الذخائر نفسها ليست بذلك القدر الذي قد يتخيله البعض، بالإضافة إلى الأعطال الكثيرة التي تصيب هذه الطائرات القديمة».
وكان الجيش الليبي الذي أعيد تأسيسه منذ الربع الأول من عام 2014 يملك أقل من 10 طائرات حربية من نوع «سوخوي» إلا أنها قديمة، وبعضها يحتاج إلى إصلاح. وكشف ضابط آخر في جيش حفتر، لـ«الشرق الأوسط»، لأول مرة، خلال زيارة للقاهرة قبل يومين، أن الجيش ضم إلى قواته الجوية 4 طائرات سوخوي جديدة، وأنها بدأت تشارك في المعارك «لكن ما زالت إمكانات القوات الجوية ضعيفة».
ويتوقع أن تستخدم الطائرات الجديدة في ضرب أهداف عسكرية للمتطرفين في طرابلس وفي مصراتة»، مشيرا إلى أن «الطائرة السوخوي الجديدة ذات كفاءة وتبقى في الأجواء فترة طويلة، ويمكنها أن تناور وتعاود الضرب مرة ومرتين وثلاث».
لكن إمكانات «السوخوي»، بما فيها الجديدة، تظل أقل من إمكانات ذلك النوع من الطائرات الذي كانت تمتلكه ليبيا قبل أن تتعرض لقصف حلف الناتو أثناء «الثورة» ضد القذافي، والمعروفة باسم الطائرة (U2) وكان لديها القدرة على الطيران لمسافة 4 آلاف كيلومتر. وكانت تعد من أسلحة الجو المهمة ليس في ليبيا فقط، ولكن في منطقة الشرق الأوسط. وما زال يوجد طيارون كثيرون في الجيش الوطني لكن لا يجدون طائرات للاشتراك في العمليات العسكرية ضد المتطرفين. وتجد ليبيا صعوبة في توفير السلاح بسبب إدراجها منذ 2011 تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وحيث أصبح محظورا عليها استيراد الأسلحة لكل أنواعها من الخارج، لكن مسؤولين عسكريين في الجيش يقولون، دون مواربة، إنهم يدبرون أمور التسليح من خلال السوق السوداء ومن خلال صفقات تجري من وراء ستار، ومنها صفقة السوخوي الأخيرة.
لكن يبدو أن عملية «فجر ليبيا» الأخيرة وجرأتها في استهداف المنشآت النفطية جعلت قيادات في البرلمان وفي الجيش الوطني تشعر بالقلق من سير عمليات الجيش وتأخرها في كسر شوكة الجماعات المتطرفة التي لا يتركز وجودها في بنغازي فقط، ولكنه يمتد إلى درنة وإلى سرت ومصراتة وطرابلس وصبراتة.
ووفقا لمصادر من نواب البرلمان التي التقطتها «الشرق الأوسط» في القاهرة أخيرا، فإنه جرى تقديم اقتراح إلى كل من رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الحكومة عبد الله الثني، بإيفاد مبعوث خاص إلى روسيا لعرض أمور محددة تتعلق، باختصار، بالسلاح مقابل النفط، قبل أن تتحول ليبيا إلى دولة يسيطر عليها الإرهابيون، وأن يتم إخطار الروس برسالة محددة أيضا وهي أنه في «حالة هيمنة المتطرفين على البلاد، ستكون هدفا سهلا للغرب لكي يتدخل بنفسه، وبالتالي لن تجد روسيا موضع قدم في ليبيا مستقبلا».
لكن صالح والثني ردا على النواب الذين تقدموا بهذا الاقتراح، وغالبيتهم من نواب الوسط والجنوب، بأن أصدقاء الروس من الليبيين ينطبق عليهم قانون العزل السياسي الذي سنه البرلمان السابق في عام 2013، ويمنع كل من عمل مع القذافي منذ سنة 1969 حتى 2011، من شغل أي موقع رسمي في الدولة، وأنهما ردا بأنه «في حالة إيفاد مبعوث خاص ينطبق عليه العزل السياسي، ستوضع الحكومة والبرلمان في حرج بالغ». وأضاف أحد هذه المصدر ممن كان مشاركا في اللقاء مع رئيسي البرلمان والحكومة قائلا للثني: «سيدي.. المبعوث الشخصي ليس مطلوبا أن يكون معلنا في وسائل الإعلام أو أن يعرفه الجميع»، مشيرا إلى أنه يوجد توافق في الجلسات المغلقة على أن «الرجال الذين يصلحون ويستطيعون حل مشكلة ليبيا ينطبق عليهم قانون العزل»، لكن التصريح بمثل هذا الرأي يجلب الانتقادات خاصة من خصوم البرلمان والجيش.
وجرى ترشيح إحدى القيادات التي لديها قدرة على التواصل مع الروس من أجل تسيير جلب السلاح الروسي إلى ليبيا بعيدا عن أنظار الحظر الدولي.. ويدعى هذا الرجل الذي كان يعمل فيما مضى في الدولة في عهد العقيد معمر القذافي، «س.ر».. والتقى بالفعل، في القاهرة، مع عدد من الأطراف المؤثرة في البرلمان والحكومة أثناء زيارتهم لمصر.
وأبلغ هذا الرجل الذي يقيم بالعاصمة المصرية أحد وزراء الحكومة الليبية حين التقى به بقوله: «لا يعنيني قانون العزل، لأنني لست مرشحا لموقع رسمي في الدولة.. أنت إذا كنت تريد شيئا فاطلبه مني حتى أقوم به، دون أن تعلن عن ذلك. المهم أن أربط بينك وبين الروس بحيث يمكن أن تجري اتفاقا معهم لكي يتدفق السلاح الروسي إلى السلطة الليبية الشرعية. هذا واجبي الوطني لا أريد وظيفة ولا أموالا ولا إعلاما».
وبدأ الجيش الليبي عملياته ضد المتطرفين في شهر مايو (أيار) الماضي، وأعلن وقتها أن مسألة حسم المعارك في بنغازي وباقي المدن، ستنتهي قبل بداية عام 2015، لكن طول أمد العمليات أصبح ينذر بوقوع خلافات بين القادة العسكريين المنخرطين في قوات الجيش الوطني وعملية الكرامة. وبدلا من الحديث عن الحسم بقوة السلاح، أصبح في الإمكان أن تسمع في حوارات المتحمسين الكبار الموالين للجيش، لغة جديدة تقول إن «الحسم العسكري لن يتم. هناك من يغذي المتطرفين وهناك سلاح منتشر، وهناك أيضا حساسيات قبلية. توجد مشكلات حتى بين قيادات حفتر، ولا نريد أن ندخل أنفسنا في هذه المتاهة».
ويضيف ضابط على صلة بغرفة عمليات الجيش الليبي قائلا: «الآن، حين تكون قد قطعت شوطا كبيرا في بنغازي، وتفاجأ أن هناك قوات من الإسلاميين بدأت تأتي لتقديم الدعم للمتطرفين في المدينة، قد ينقلب الموقف ولا يكون لصالحك. الذي هز الموقف وأربك عمليات الجيش في بنغازي هو نقص الذخائر. الذخائر موجودة لدى طرف ولا يريد أن يعطي منها للأطراف الأخرى، والمتشددون يستفيدون من هذه التصرفات التي لا تليق».
ويتابع قائلا في حديث موثق مع «الشرق الأوسط»: «توجد حقيقة لا يمكن السكوت عليها.. ضباط في الميدان في بنغازي أبلغونا بأنهم انسحبوا من بعض أحياء المدينة التي تتحصن فيها مجموعات متطرفة، لأنه ليس لديهم ذخائر. الذخائر نفدت من أيدي الجنود ومن أيدي المتطوعين (ما يعرف بالصحوات) وقالوا لنا إنهم حين طلبوا ذخيرة من الجيش لم يعطونا.. هذه مشكلة.. لا يصح أن يكون هناك تنابذ ونيات غير طيبة وصراع على مواقع بشأن مرحلة ما بعد تحرير بنغازي».
ويضيف أنه في حال عدم إعادة الانضباط إلى عمل أفرع الجيش فإن المعركة بهذا الشكل ستطول لسنوات.. «ليس بسبب الحساسيات التي بدأت تظهر بين بعض القادة في الجيش وفي عملية الكرامة، ولكن أيضا بسبب الانقسامات المتوقعة بين الميليشيات الإسلامية. هنا ستتحول ليبيا إلى مناطق للحروب الصغيرة التي لا يمكن السيطرة عليها، ونتمنى ألا يحدث ذلك».
ويلفت هذا الضابط الانتباه إلى أنه أصبح يوجد فرع من الجيش له عقيدة مختلفة عن جيش حفتر رغم أنه يتعاون معه في الوقت الرهان، في قتال المتطرفين و«فجر ليبيا»، في منطقة غرب طرابلس، وهو «جيش القبائل» الذي يتكون من عناصر كانت في الجيش الليبي القديم وترفض العمل تحت قيادة حفتر علانية، «لأنه مستمر في تبني ثورة فبراير (شباط) 2011 التي أطاحت بالقذافي، وهو ما يرفضه قيادات الجيش السابق، ولذلك ومنعا للحساسيات واحتراما للمشاعر، تم تسمية الجيش في الغرب باسم جيش القبائل لكنه يعمل بالتنسيق والتعاون تحت رئاسة أركان الجيش الليبي».
وحقق تعاون جيش القبائل مع الجيش الوطني تقدما كبيرا جدا على الأرض في غرب طرابلس. وأصبحت هناك غرفة عمليات في الغرب فيها مجموعة من الضباط وأصبح يأتيهم سلاح من منطقة الشرق من جيش حفتر. ويخضعون لأوامر بالتقدم أو الانسحاب، وأصبحت تجري حرب تكتيكية في مناطق غرب طرابلس وليست حربا عشوائية كما كان في السابق حين نشبت الحرب بين ميليشيات فجر ليبيا وميليشيات الزنتان التي انضمت هي الأخرى إلى الجيش الوطني وتعمل بالتنسيق مع جيش القبائل.
وفي المقابل يتوقع قيادات في الجيش الوطني الليبي أن يؤدي التضييق المالي على قوات «فجر ليبيا» إلى انقسامات في داخلها، وفي حال تقوية الجيش وزيادة تسليحه، فإنه سيكون قادرا على حسم الكثير من المعارك، لكن هذا قد يستغرق عدة سنوات، بسبب ما تملكه قوات المتطرفين من أسلحة ومعدات وتحصنها في المدن التي يصعب على القوات النظامية خوض حرب شوارع فيها.
وكان قادة المتطرفين يهيمنون على الحكم في عامي 2012 و2013 وقاموا بضخ ملايين الدولارات للميليشيات المسلحة.. وجاء التضييق المالي على المتطرفين بعد قيام البرلمان الجديد بالإشراف على البنك المركزي والسيطرة على منابع النفط. ويقع حقلا الفيل والشرارة، في المنطقة الجنوبية تحت سلطة قوات الزنتان الموالية للجيش الوطني والبرلمان.. كما أن الأنابيب النفطية التي تأتي من الجنوب تمر من منطقة نفوذ الزنتان.
ويقول أحد القادة من جيش القبائل: «الآن أصبحت خطوط النفط في المنطقة الغربية، والقادمة من الجنوب، تحت سلطة جيش القبائل التي هي مع الزنتان. وقامت بوقف النفط عن موانئ التصدير للخارج في مليتة وزوارة وغيرها. وفي المنطقة الشرقية النفط تحت سيطرة جيش الكرامة ومقاتلي الشرق»، مشيرا إلى أن قوات فجر ليبيا «تسدد مبالغ كبيرة للمقاتلين الذين معها. في كل يوم تدفع ملايين الدولارات.. وكل مجموعة تعمل على نوع من أنواع الأسلحة لها سعر.. من يعمل على مدفع 14.5 يحصل على 500 دينار في اليوم، ومن يعمل على كلاشنيكوف يحصل على 200 دينار في اليوم. والأرقام مهولة».
ويضيف أن من بين هذه العناصر من المقاتلين الذين يعملون مع فجر ليبيا «تونسيون وجزائريون ومصريون وأجانب من دول شتى. هذا يحتاج لضخ أموال باستمرار، وإلا فإن هؤلاء المقاتلين إن لم يحصلوا على مستحقاتهم سيتركون القتال مع أولئك المتطرفين». ويقول إن «فجر ليبيا» شعرت بالضائقة المالية وعدم القدرة على الدفع للمرتزقة الذين يعملون معها، بعد أن جرى سحب التوقيع من محافظ البنك المركزي السابق، وأصبح محافظ البنك المركزي الجديد يعمل وفقا لأوامر البرلمان الموجود في طبرق. وبعد فشل «فجر ليبيا» في محاولة الوصول لحقل الفيل والشرارة في الجنوب شعرت بالاختناق، فاتجهت إلى حقول البترول في الشرق، مما أدى إلى خلافات بين قادة مصراتة، لتبقى الخيارات في البلاد مفتوحة على جميع الاحتمالات.



تحت رعاية ولي العهد... «الداخلية» السعودية تنظّم «القمة العالمية للأمن والتقنية»

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
TT

تحت رعاية ولي العهد... «الداخلية» السعودية تنظّم «القمة العالمية للأمن والتقنية»

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

تنظّم وزارة الداخلية السعودية القمة العالمية للأمن والتقنية، تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في حدث عالمي يجمع قادة الأمن والتقنية والابتكار وصنّاع القرار والخبراء والمبتكرين من مختلف دول العالم، ويُقام بالشراكة مع أكاديمية طويق، خلال الفترة من 18 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) المقبل بمدينة الرياض.

وأوضح الأمير عبد العزيز بن سعود أن القمة تمثل منصة دولية لتبادل الخبرات واستشراف مستقبل الأمن والتقنية، وامتداداً لجهود السعودية في بناء منظومة أمنية وتقنية متقدمة ترتكز على المعرفة والابتكار، وتواكب المتغيرات المتسارعة والتحديات المستقبلية.

وبيَّن وزير الداخلية السعودي أن القمة ستسهم في تعزيز التعاون الدولي، وتوحيد الجهود، وتبادل أفضل الممارسات، وتمكين المشاركين من استكشاف الفرص الواعدة واستباق التحولات في المجالات الأمنية والتقنية، بما يدعم رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز الجاهزية وصون المكتسبات الوطنية.

وتتضمن القمة حزمة من الفعاليات النوعية المصاحبة التي تُعد من الأكبر على مستوى المنطقة، وفي مقدمتها «شهر الأمن والتقنية» الإثرائي، الذي يشتمل على برامج متخصصة ولقاءات معرفية وورش عمل تقنية تُنفذ بالشراكة مع جهات عالمية رائدة، بهدف إثراء المحتوى المعرفي وبناء القدرات الوطنية في المجالات الأمنية والتقنية.

ورفع الأمير عبد العزيز بن سعود، وزير الداخلية السعودي، الشكر والامتنان لولي العهد على رعايته للقمة، مؤكداً أن هذه الرعاية تعكس حرص القيادة على تعزيز منظومة الأمن الداخلي، وتطوير الحلول التقنية التي تسهم في حماية المجتمع، وتمكين التحول الرقمي في القطاعات الأمنية الوطنية والإقليمية والدولية.

كما تستعرض القمة أحدث الابتكارات والحلول التقنية في القطاعات الأمنية، وتوفر منصة للتواصل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية، بما يعزز الشراكات الاستراتيجية وتبادل الخبرات في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتقنيات الناشئة، وتقنيات المراقبة الذكية وإدارة الأزمات، إلى جانب جلسات رئيسية وحوارات متخصصة ومعارض تفاعلية تستعرض أحدث ما توصلت إليه الصناعات الأمنية والتقنية عالمياً.

وتشهد أجندة القمة تنظيم مسابقة «سيف» العالمية للابتكار الأمني والتقني، التي تُعد الأضخم عالمياً في مجال الأمن والتقنية، وتقام بمدينة الرياض خلال الفترة من 19 إلى 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026م، بمشاركة نخبة من المبتكرين والباحثين والمواهب التقنية من مختلف دول العالم.

وتركز المسابقة على تطوير حلول مبتكرة في عدد من المجالات الحيوية، تشمل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، والتقنيات الناشئة وتطبيقاتها الأمنية، والأدلة الجنائية الرقمية والتحقيقات التقنية، والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية، والتحول الرقمي في القطاع الأمني، فيما تبلغ قيمة جوائزها خمسة ملايين ريال، بما يعزز تنافسية المشاركين ويدعم تطوير حلول تقنية نوعية تسهم في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.

ويأتي تنظيم القمة استكمالاً للنجاحات التي حققها مؤتمر «أبشر» 2025، الذي سجّل ثلاثة أرقام قياسية في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكبر هاكاثون في العالم، وضم أكثر من 60 جلسة رئيسية شارك فيها مسؤولون وخبراء وقادة فكر، إضافة إلى 80 ورشة عمل قدّمها نحو 150 متحدثاً ومتحدثة، إلى جانب 10 مناطق تفاعلية أسهمت في إثراء تجربة الزوار والمشاركين.

ومن المنتظر أن تُرسّخ القمة العالمية للأمن والتقنية، مكانة مدينة الرياض مركزاً عالمياً للابتكار الأمني والتقني، وأن تعزز حضور المملكة بصفتها شريكاً دولياً مؤثراً في صياغة مستقبل الأمن والتقنية، ومنصة رائدة لتطوير الحلول المبتكرة وبناء الشراكات النوعية على المستوى العالمي.


العليمي: السلام يبدأ باستعادة الدولة لا تقاسمها مع الحوثيين

العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
TT

العليمي: السلام يبدأ باستعادة الدولة لا تقاسمها مع الحوثيين

العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ
العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ

جدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي تمسك بلاده بخيار السلام، لكنه شدد على أن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تقوم على تقاسم السلطة بين الدولة والجماعة الحوثية، وإنما على استعادة مؤسسات الدولة لصلاحياتها الحصرية، وإنهاء الانقلاب، ومعالجة جذور الأزمة اليمنية.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، الذي أطلعه على نتائج اتصالاته الأخيرة المتعلقة بجهود إحياء العملية السياسية، واستكمال تنفيذ اتفاق الإفراج عن 1750 محتجزاً، إلى جانب المساعي الدولية الرامية إلى تحريك مسار السلام المتعثر.

وأفاد الإعلام الرسمي بأن العليمي استمع إلى إحاطة أممية حول الخطوات الجارية لاستكمال تنفيذ اتفاق الإفراج عن المحتجزين، معرباً عن تقديره للجهود التي بذلتها الأمم المتحدة، والشركاء الإقليميون، والدوليون، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، لإنجاز الاتفاق.

جانب من لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مع المبعوث الأممي (إعلام رسمي)

ووصف رئيس مجلس القيادة اليمني الاتفاق بأنه خطوة إنسانية مهمة تعيد الأمل إلى آلاف الأسر اليمنية، داعياً إلى البناء على هذا الإنجاز، وعدم السماح لأي عراقيل أو مماطلات لإفراغه من مضمونه الإنساني، أو تعطيل تنفيذه الكامل.

وأكد أن نجاح الاتفاق يمكن أن يشكل مدخلاً لتعزيز الثقة في الملفات الإنسانية، شريطة عدم توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية على حساب معاناة اليمنيين.

خطر المشروع الحوثي

وتوقف العليمي خلال لقائه مع المبعوث الأممي عند التطورات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها إعلان الحوثيين انخراطهم في الدفاع عن إيران وحلفائها في المنطقة، معتبراً أن ذلك يمثل دليلاً جديداً على ارتهان الجماعة للمشروع الإيراني، واستخدامها اليمن ساحة لخدمة أجندات خارجية لا ترتبط بمصالح اليمنيين.

وقال إن المجتمع الدولي مطالب باستيعاب حقيقة الأزمة اليمنية بوصفها صراعاً بين الدولة وجماعة مسلحة انتزعت صلاحياتها بالقوة، وليست مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة يمكن تسويته عبر ترتيبات لتقاسم النفوذ.

وأضاف أن الجماعة الحوثية ترتبط بمشروع إقليمي عابر للحدود، الأمر الذي يجعل معالجة الملف اليمني مرتبطة أيضاً بفهم الأبعاد الإقليمية للصراع ومخاطره على الأمن والاستقرار في المنطقة.

الحوثيون أعلنوا مساندتهم لإيران خلال أحدث هجماتها المتبادلة مع إسرائيل (أ.ب)

وجدد العليمي التزام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في بلاده بالسلام القائم على المرجعيات المعترف بها دولياً، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216.

وأكد أن السلام المستدام لا يتحقق عبر إعادة إنتاج أسباب الأزمة، أو شرعنة وجود الميليشيات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، بل من خلال استعادة المؤسسات الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وضمان العدالة، واحترام الحقوق، والحريات.

كما شدد على أن أي مقاربة لا تعالج جذور المشكلة ستؤدي إلى هدنة مؤقتة سرعان ما تعيد إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً، وخطورة.

وفي هذا السياق، انتقد استمرار الحوثيين في حملات الاعتقال، والإخفاء القسري، والتجنيد، وانتهاك الحريات العامة، وملاحقة الخصوم، ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل أحد أبرز معوقات السلام، ويجب أن تبقى حاضرة في تقارير الأمم المتحدة، وتقييماتها للوضع اليمني.

وحذر من أن استمرار ضعف مؤسسات الدولة، وتأخر استعادة سلطتها يمنحان الجماعة مساحة أكبر لترسيخ نفوذها، ويزيدان من خطر تحول اليمن إلى منصة دائمة للصراعات الإقليمية، وتهديد الملاحة الدولية، والأمن الجماعي.

دعوة لدعم الإصلاحات

وبحسب ما نقلته المصادر الرسمية، تطرق لقاء العليمي مع غروندبرغ كذلك إلى الأوضاع الداخلية، وجهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، والمضي في برنامج الإصلاحات المالية والإدارية والمؤسسية الشاملة.

وأعرب العليمي عن تطلعه إلى دور أممي ودولي أكثر فاعلية في حشد الدعم لبرنامج الإصلاحات الحكومية، وحماية المرجعيات الأساسية للحل الشامل، والتعامل مع الترابط المتزايد بين الملف اليمني والتطورات الإقليمية باعتباره عاملاً رئيساً في أي مسار مستقبلي للسلام.

وفي سياق متصل، بحث فريق يمني برئاسة وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، في العاصمة المؤقتة عدن، مع وفد من البنك الدولي برئاسة المديرة الإقليمية للبنية التحتية ألمود ويتز سبل تعزيز الشراكة لدعم قطاعات النقل والطرق والصناعة والتجارة والتنمية، وفي إطار جهود الحكومة لتحسين الخدمات، ودفع مسار التعافي الاقتصادي.

اجتماع فريق حكومي يمني في عدن مع مسؤولين في البنك الدولي (إعلام رسمي)

واستعرض الاجتماع الذي حضره وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول المشاريع الممولة من البنك الدولي، وأثرها في دعم البنية التحتية، والخدمات الأساسية، إلى جانب مناقشة الاحتياجات والأولويات المستقبلية للقطاعات الحيوية، فيما أكد الوزراء المشاركون أهمية استمرار الدعم الفني والتمويلي للمشاريع ذات الأولوية بما يساند خطط الإصلاح والتنمية، ويعزز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وأكدت الزوبة –بحسب الإعلام الرسمي- أن الحكومة تعمل على إيجاد فرص تنموية واعدة، وإعداد خطة وطنية للتنمية خلال السنوات المقبلة، مشيرة إلى ما يتمتع به اليمن من موقع استراتيجي يؤهله للعب دور مهم في حركة التجارة والربط الإقليمي. من جانبها، جددت المسؤولة في البنك الدولي التزام المؤسسة بمواصلة دعم اليمن، وبناء قدرات المؤسسات الحكومية، وتطوير خطط مشتركة تسهم في جذب التمويلات التنموية، وتعزيز جهود التعافي، وإعادة البناء.


الصحافة اليمنية... مستقبل غامض وذاكرة مثقلة بالضحايا

مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
TT

الصحافة اليمنية... مستقبل غامض وذاكرة مثقلة بالضحايا

مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)
مسلح حوثي في صنعاء خلال حشد لمناسبة ما تسميه الجماعة «يوم الولاية» (إ.ب.أ)

يحل اليوم الوطني للصحافة اليمنية هذا العام في ظل واقع يوصف بأنه الأكثر قسوة في تاريخ المهنة، بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، وهي عوامل دفعت الصحافة إلى هامش المشهد العام، وحوَّلت عشرات الصحافيين إلى ضحايا للقتل والاعتقال والتشريد، فيما وجد المئات أنفسهم خارج المهنة التي شكَّلت لسنوات إحدى أهم ساحات التعبير والحياة العامة في البلاد.

ويصادف التاسع من يونيو (حزيران) ذكرى تأسيس النقابة الموحدة للصحافيين اليمنيين قبل 36 عاماً، وهو التاريخ الذي اعتُمد يوماً وطنياً للصحافة اليمنية. غير أن المناسبة جاءت هذا العام وسط مشهد مختلف تماماً عمَّا عرفته البلاد خلال العقود الماضية، مع تراجع مساحة العمل الإعلامي المستقل وانحسار المؤسسات الصحافية وتفاقم الأوضاع المعيشية للعاملين في القطاع.

وتشير بيانات نقابية إلى مقتل 45 صحافياً منذ اندلاع الحرب، إضافةً إلى اعتقال آخرين وتشريد مئات الصحافيين داخل اليمن وخارجه، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً التي مرت بها المهنة منذ عقود.

ومثّل اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014 نقطة تحول حاسمة في واقع الصحافة اليمنية، فمع سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة، أغلقت الصحف المستقلة والمعارضة، وأوقفت أنشطة عديد من وسائل الإعلام المحلية، كما أغلقت مكاتب عدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية.

مناطق سيطرة الحكومة اليمنية تتميز بمساحة معقولة من الحريات (إعلام محلي)

وأدى ذلك إلى فقدان مئات الصحافيين وظائفهم ومصادر دخلهم، خصوصاً أولئك الذين رفضوا العمل في المؤسسات الإعلامية الرسمية بعد إخضاعها لسيطرة الحوثيين وتحويلها إلى منصات دعائية تخدم مشروع الجماعة السياسي والآيديولوجي.

وفي المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لم تنجح السلطات في استيعاب الأعداد الكبيرة من الصحافيين الذين فقدوا أعمالهم، كما تعثرت عملية إعادة بناء المؤسسات الإعلامية الرسمية وإعادة تشغيلها بصورة فاعلة، مما ترك فجوة كبيرة في سوق العمل الإعلامي.

ومع استمرار الصراع لعامه الثاني عشر، اضطر كثير من الصحافيين اليمنيين إلى ترك المهنة نهائياً والعمل في مجالات أخرى لتأمين احتياجاتهم المعيشية، بينما اختار آخرون مغادرة البلاد.

وباستثناء عدد محدود من الصحف المستقلة التي تصدر في العاصمة المؤقتة عدن، وصحيفة حكومية واحدة، تبدو الصحافة المطبوعة شبه غائبة عن المشهد، في وقت أصبح فيه ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حضوراً وتأثيراً من المؤسسات الإعلامية التقليدية.

أكثر من ألفي انتهاك

وتقول نقابة الصحافيين اليمنيين إن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالحريات الإعلامية، مؤكدةً أنها وثَّقت أكثر من ألفَي انتهاك ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية خلال السنوات الماضية.

وتشمل هذه الانتهاكات القتل والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات ذات الدوافع السياسية والتهديدات الأمنية، إضافةً إلى إغلاق المؤسسات الإعلامية والاستيلاء على مقراتها ومصادرة ممتلكاتها وحجب المواقع الإلكترونية.

وتحمّل النقابة الجماعة الحوثية المسؤولية عن النسبة الكبرى من تلك الانتهاكات، مؤكدةً استمرار احتجاز عدد من الصحافيين حتى اليوم، في ظل مطالبات حقوقية متواصلة بالإفراج عنهم.

الحوثيون تسببوا في إجهاض تجربة صحافية واعدة في اليمن (إعلام محلي)

كما تؤكد النقابة أن عام 2025 لم يشهد تحسناً ملحوظاً، بل استمرت خلاله الانتهاكات والضغوط الأمنية والقضائية ضد الصحافيين، الأمر الذي انعكس سلباً على حرية العمل الإعلامي واستقلاليته.

وترى النقابة أن ما تعرضت له الصحافة اليمنية خلال سنوات الحرب جعل هذه المرحلة واحدة من أسوأ الفترات التي مرت بها المهنة منذ تأسيسها، ليس فقط بسبب حجم الانتهاكات، بل أيضاً بسبب تآكل البيئة المهنية التي كانت تتيح تعددية إعلامية ومساحات أوسع للتعبير.

تجويع واعتقالات

وإلى جانب الانتهاكات الأمنية، يواجه الصحافيون اليمنيون أزمة معيشية خانقة باتت تشكل تهديداً مباشراً لاستمرار المهنة.

وتشير دراسات واستبيانات حديثة أجرتها نقابة الصحافيين إلى أن غالبية العاملين في القطاع يعانون من تدني الأجور أو انقطاع الرواتب بصورة كاملة، فضلاً عن غياب الضمانات الوظيفية والاجتماعية والعمل في ظروف تفتقر إلى أبسط الحقوق القانونية والمهنية.

وتصف النقابة هذا الواقع بأنه «تجويع ممنهج» يدفع الكفاءات الصحافية إلى البحث عن مصادر دخل بديلة أو مغادرة المجال الإعلامي بشكل نهائي، وهو ما ينعكس على جودة المحتوى الإعلامي وعلى قدرة المؤسسات الصحافية على الاستمرار.

وتؤكد أن حرية الصحافة لا يمكن فصلها عن الظروف الاقتصادية للعاملين فيها، إذ يصبح الدفاع عن الاستقلال المهني أكثر صعوبة في ظل أوضاع معيشية متدهورة وانعدام الحماية الوظيفية.

آخر مؤتمر عام لنقابة الصحافيين اليمنيين عُقد في 2009 (إعلام محلي)

وترى أوساط إعلامية أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى خسارة مزيد من الكفاءات الصحافية التي راكمت خبرات طويلة خلال العقود الماضية، مما يهدد مستقبل العمل الإعلامي في البلاد.

وحسب نقابة الصحافيين اليمنيين، لا يزال تسعة صحافيين رهن الاحتجاز، بينهم ثمانية لدى جماعة الحوثي، إضافةً إلى الصحافي ناصح شاكر، المعتقل لدى المجلس الانتقالي الجنوبي منذ نهاية عام 2023.

وجددت النقابة مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحافيين المعتقلين والمخفيين قسراً، داعيةً السلطات المختلفة إلى وقف الانتهاكات واحترام حرية الرأي والتعبير.

كما طالبت الحكومة اليمنية بالاضطلاع بمسؤولياتها تجاه العاملين في القطاع الإعلامي، من خلال معالجة أوضاعهم المعيشية وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة وتوفير بيئة عمل أكثر أمناً واستقراراً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended