سنة «نوبل» والمتاحف الجديدة والمعارض الكبرى

أحداث 2014 الثقافية في فرنسا

ميراي ماتيو تعود إلى الغناء في باريس و كتاب عنصري  لإريك زمور يحقق أعلى المبيعات و الفائز بـ«نوبل» باتريك موديانو
ميراي ماتيو تعود إلى الغناء في باريس و كتاب عنصري لإريك زمور يحقق أعلى المبيعات و الفائز بـ«نوبل» باتريك موديانو
TT

سنة «نوبل» والمتاحف الجديدة والمعارض الكبرى

ميراي ماتيو تعود إلى الغناء في باريس و كتاب عنصري  لإريك زمور يحقق أعلى المبيعات و الفائز بـ«نوبل» باتريك موديانو
ميراي ماتيو تعود إلى الغناء في باريس و كتاب عنصري لإريك زمور يحقق أعلى المبيعات و الفائز بـ«نوبل» باتريك موديانو

جاء فوز الروائي الفرنسي باتريك موديانو بجائزة «نوبل في الأدب»، خريف العام الحالي، ليتوج سنة من النشاط الثقافي الذي كاد يخلو من أحداث كبرى أو معارك تتداولها الصحف، إلا إذا اعتبرنا الرواج الكبير لكتاب الصحافية فاليري تريرفيلر خبطة هزت عالم النشر. لقد روت تفاصيل علاقتها مع الرئيس فرنسوا هولاند وصدمة خيانته لها، فصارت مليونيرة بين ليلة وضحاها، يتصدر كتابها واجهات المكتبات، وتتجاوز مبيعاته مبيعات الروائيين المكرسين الذين تحظى كتبهم بانتشار واسع بين صفوف القراء.
لم يكتشف الفرنسيون موديانو، كما هي الحال خارج فرنسا، فهم يعرفونه ويقتنون رواياته ويحبون أُسلوبه الخافت النبرة في الكتابة والعيش، لكنهم تعرفوا أكثر على الرجل، في البرهة الإعلامية القصيرة التي أعقبت الفوز، ووجدوا كاتبا يرتبك في الكلام ويتلعثم في الرد على أسئلة الصحافيين وكأنه تورط بـ«نوبل». لقد أجبرته الجائزة على الخروج من عزلته المختارة ودأبه في الابتعاد عن وهج الإعلام، وبعدها عاد إلى شرنقته. أما الاكتشاف الأدبي الحقيقي لعام 2014، فكان الكاتب الجزائري كامل داود وروايته «ميرسو تحقيق مضاد» التي نافست بقوة وجدارة على جائزة «غونكور»، أرفع مكافآت الروايات الفرنسية. ورغم أن الجائزة ذهبت إلى الكاتبة ليدي سالفير عن روايتها «لا بكاء»، فإن المدائح التي كيلت لداود والمقالات النقدية، والمراجعات التي نشرت عن روايته، فاقت ما كتب عن رواية سالفير، كما أنها ألقت الضوء على جزائري يكتب بالفرنسية، يقيم في بلاده وينشر فيها ويتناول في رواياته أفكارا متجددة بلغة ذكية.
هناك دائما، في فرنسا، أحداث هامشية تتحول إلى قضايا مركزية تتداولها وسائل الإعلام، منها هفوة لا تغتفر لوزيرة الثقافة فلور بيلران التي كانت صريحة إلى حد الاعتراف بأنها لم تقرأ روايات مواطنها الفائز بـ«نوبل»، بل ولم تقرأ خلال السنتين الماضيتين أي كتاب أدبي. إن فرنسا، مثل غيرها من بقاع العالم، تعيش في مرحلة غريبة يختلط فيها الاستعراض (الشو) بالأصيل من النتاجات. وبهذا فإن فضيحة أدبية هنا أو هناك قد تنفع في تسويق الصحف التي ما عاد يمكن التمييز بينها أو تصنيفها ما بين رصينة وشعبية. فمجلة من نوع «النوفيل أوبزرفاتور»، صحيفة النخبة الفكرية والسياسية، عمدت إلى اختصار اسمها إلى «لوبز» واعتماد إخراج جديد يعتمد على الصور الكبيرة والموضوعات المثيرة بشكل يكاد يدفعها في اتجاه «باري ماتش». وفي السياق نفسه تقلصت البرامج الثقافية في قنوات التلفزيون الفرنسي كافة، ونفيت إلى ساعات متأخرة من الليل، ولم يبق سوى برنامج واحد يجري بثه في ساعة المشاهدة الكثيفة، أي بحدود الثامنة مساء.
حتى الكتب التي تتناول ظواهر اجتماعية وفكرية لافتة، كالعنصرية وتقدم اليمين المتطرف و«الإسلاموفوبيا» أو تفشي الخوف من الإسلام بين الفرنسيين العاديين، حتى هذه الكتب دخلت حلقة التشويق والفضيحة أملا في الحصول على قارئ بات عصفورا نادرا في طريقه إلى الانقراض؛ لذلك فإن أكثر كتاب «فكري» يتصدر قوائم المبيعات، منذ أشهر، هو «الانتحار الفرنسي» للصحافي المثير للجدل إريك زمور، وفيه يلعب الكاتب على الوتر الحساس للهجرة وما يمكن أن تشكله من حبل يلتف على عنق فرنسا، حسب رأي المؤلف.
على صعيد مواز، كانت سنة 2014 سنة مميزة للمتاحف الفرنسية التي جدد بعضها شبابه، واستضاف البعض الآخر معارض مهمة استقطبت مئات الآلاف من الزوار. فقد أُعيد افتتاح متحف «بيكاسو» بعد طول أخذ ورد، كما شهد ربيع العام الحالي افتتاح صالات جديدة في متحف «اللوفر» الطامح لأن يكون الأكبر في العالم. واستقبلت الصالات الجديدة مجموعات من الأثاث الفرنسي والتحف العائدة للحقبة الملكية، من لويس الرابع عشر وحتى لويس السادس عشر. وكعادتها خلال العقود الأخيرة، اعتمدت إدارة المتحف في تطويره على تبرعات كبار الأثرياء وعلى المساهمات الصغيرة لجمعية «أصدقاء اللوفر».
حدث مهم آخر تمثل في تدشين متحف فريد من نوعه للفن المعاصر، في غابة بولونيا المحاذية لباريس، يضم الأعمال الثمينة التي اقتناها رجل الأعمال برنار آرنو، صاحب المجموعة الاستثمارية التي تملك شركة «فويتون» للصناعات الجلدية والحقائب. وقيمة المتحف تكمن في مبناه الحداثي الذي يشكل تحفة معمارية حملت توقيع المهندس الأميركي فرانك غيري. ومع هذا المتحف الجديد الذي يضاف إلى عدة متاحف للفن المعاصر، لم تعد باريس تخفي طموحها في أن تصبح عاصمة الفنون الحديثة في العالم، وتنافس نيويورك على هذا اللقب.
ضمن هذا السياق، جاء معرض جيف كونز في مركز «بومبيدو» في باريس ليشكل أول معرض شامل لأعمال هذا الفنان الأميركي المثير للجدل. وعلى مساحة زادت على 2000 متر مربع عرضت أكثر من 100 قطعة للنحات والرسام الذي يتعامل مع الفن بعقلية رجل الأعمال. كما أنها واحدة من المرات القليلة التي يحتفي بها المركز الذي يعد المتحف الوطني الفرنسي للفن الحديث، بفنان ما زال على قيد الحياة، وقد جمع الملايين في سنوات قلائل من بيع أعمال تبدو أشبه بفقاعات دعائية جرى إنتاجها في ورشة تضم 100 عامل.
على صعيد الغناء، كانت عودة ميراي ماتيو إلى الغناء في باريس، هي الحدث الأبرز، بعد غياب سنوات عن الغناء في بلدها والاكتفاء بالجولات الخارجية. وقدمت ماتيو (68 عاما) 3 حفلات على مسرح «أولمبيا» العريق، مستعيدة جمهورا زحف البياض على رؤوسه لكنه ذهب ليستمع إليها ويتذكر فترات الشباب وزمن الأغنية «العاقلة». كما ظل مغني «الروك» جوني هاليداي صامدا في الساحة وقادرا على ملء أكبر الصالات في استعراضات غنائية مرهقة، رغم تجاوزه الـ70، وأصدر أسطوانة رقمية جديدة بعنوان «البقاء حيا»، وبدأ جولة عالمية منطلقا من لوس أنجليس. ويبدو أن «عواجيز» الغناء الفرنسي ينافسون الأصوات الشبابية فعلا، فقد احتفت الصحافة بالأسطوانة المشتركة لكل من المغنيين ألان سوشون ولوران فولزي، اللذين تجاوزا زمن الشاب لكن موسيقاهما ونصوصهما ترتقي بالفن الغنائي إلى مراتب رفيعة.
كان للثقافة العربية نصيب من عام 2014، تمثل في إقامة معرض عن الحج، نظمته مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالتعاون مع معهد العالم العربي، وافتتحه الرئيس فرنسوا هولاند. ومن خلال إلقاء الضوء على شعيرة أساسية من شعائر الدين الإسلامي، وعلى مدينة مكة التي يقصدها ملايين الحجاج والمعتمرين كل عام، سعى المعرض لتبيان الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية للتواصل المعرفي بين الثقافات وإرساء قيم العدل والسلام والاحترام بين الشعوب. ولم يكد صيف 2014 ينقضي حتى استضاف معهد العالم العربي معرضا كبيرا آخر، عن المغرب هذه المرة، يقدم للجمهور الفرنسي، ولعرب عاصمة النور، طائفة واسعة من العروض التشكيلية والمسرحية والموسيقية، والندوات الأدبية التي تعكس حيوية بلد يقع على الضفة المقابلة للمتوسط ويشكل الشباب عماد سكانه.
الحضور العربي في الثقافة الفرنسية جاء أيضا في بادرة قدمتها دولة الإمارات العربية لترميم المسرح الإمبراطوري في قصر «فونتنبلو». وبفضل منحة كريمة قدرها 10 ملايين يورو، أُعيد في أبريل (نيسان) افتتاح الصالة التي كانت قد شيدت في عهد نابليون الثالث ثم تدهورت أبهاؤها وظلت مغلقة طوال 150 عاما. وعلى عادة المؤسسات الثقافية في إطلاق أسماء كبار المانحين على المرافق التي يساهمون في إحيائها، فقد بات المسرح يحمل اسم رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.