أحداث العام 2014: المغرب.. عودة شبح الإرهاب وحوادث تهز البلاد

مغاربة يعبرون أحد الجسور في اقليم مراكش الذي شهد احد أسوأ الفيضانات منذ عقود وخلف 32 قتيلا على الأقل في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
مغاربة يعبرون أحد الجسور في اقليم مراكش الذي شهد احد أسوأ الفيضانات منذ عقود وخلف 32 قتيلا على الأقل في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

أحداث العام 2014: المغرب.. عودة شبح الإرهاب وحوادث تهز البلاد

مغاربة يعبرون أحد الجسور في اقليم مراكش الذي شهد احد أسوأ الفيضانات منذ عقود وخلف 32 قتيلا على الأقل في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
مغاربة يعبرون أحد الجسور في اقليم مراكش الذي شهد احد أسوأ الفيضانات منذ عقود وخلف 32 قتيلا على الأقل في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

شهد المغرب أحداثا استثنائية خلال عام 2014 سواء على المستوى الأمني أو السياسي، واختتمت السنة بحوادث موت مفجعة. تمثلت في وفاة أكثر من 47 شخصا بسبب الفيضانات، ورحيل شخصيتين سياسيتين في ظروف صادمة هما عبد الله بها وزير الدولة، والنائب أحمد الزايدي.
فعلى المستوى الأمني عاد شبح الإرهاب ليخيم على المغرب من جديد، بسبب تدهور الأحوال الأمنية في بلدان الجوار لا سيما في ليبيا، ثم بسبب التهديدات الجدية التي أصبح يشكلها تنظيم داعش بعد إعلانه قيام دولة الخلافة في سوريا والعراق، والتحاق المئات من المغاربة للقتال في صفوفه.
وفي هذا السياق رفع المغرب منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي، حالة التأهب الأمني إلى أقصى درجاتها، تحسبا لتعرض البلاد لهجمات إرهابية، إذ نصب الجيش المغربي وللمرة الأولى بطاريات ومنصات صواريخ مضادة للطائرات ومدرعات في الهواء الطلق بمدينة الدار البيضاء على الساحل الأطلسي، وكانت هذه الإجراءات العسكرية غير المسبوقة مفاجئة للمغاربة، وامتدت إلى مدن أخرى.
وفي 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كشفت السلطات المغربية عن خطة أمنية جديدة أطلقت عليها اسم «حذر» قالت إنها تدخل في إطار السياسة الأمنية الاستباقية التي يتبناها المغرب في مجال محاربة الإرهاب ومختلف أشكال العنف إذ جرى وللمرة الأولى أيضا نشر وحدات أمنية وعسكرية مسلحة أمام المؤسسات الحساسة في 6 مدن كبرى، هي فاس والرباط وأغادير ومراكش والدار البيضاء وطنجة، وذلك من أجل التدخل في حالة وقوع أي حدث إرهابي. إذ اعتاد المغاربة بعد ذلك على رؤية عناصر مسلحة من الجيش تتجول في الشوارع.
وعلى ذكر موضوع الإرهاب كان لتصريح محمد حصاد وزير الداخلية المغربي أمام البرلمان، في 15 يوليو (تموز) الماضي الذي كشف فيه للمرة الأولى عن عدد المغاربة الذين ذهبوا للقتال في سوريا والعراق إلى جانب التنظيمات الإرهابية، وقع كبير على المشهد السياسي والأمني في البلاد، بعد أن تبين أن 1122 مغربيا يقاتلون في صفوف «داعش» وتنظيمات متشددة أخرى، يضاف إليهم المغاربة الذين ذهبوا من أوروبا، ويقدر عددهم ما بين 1500 و2000 مقاتل، بحسب وزير الداخلية، الذي كشف أيضا أن المغاربة أكثر المقاتلين تنفيذا للعمليات الانتحارية.
ونظرا للأعداد الكبيرة من المغاربة الذين يلتحقون بالجماعات الإرهابية صادقت الحكومة وللمرة الأولى على مشروع قانون يقضي بتجريم الالتحاق أو محاولة الالتحاق بمعسكرات التدريب التابعة للجماعات الإرهابية، وهو مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم مجموعة أحكام القانون الجنائي، والمسطرة الجنائية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وجرت أيضا إضافة فصل جديد إلى مجموعة القانون الجنائي، بهدف إدراج مجموعة من الأفعال ذات الصلة بمعسكرات التدريب داخل بؤر التوتر الإرهابية، بوصفها جنايات يعاقب عليها بالسجن من 5 إلى 15 سنة، ويتعلق الأمر «بالالتحاق أو محاولة الالتحاق بشكل فردي أو جماعي في إطار منظم، أو غير منظم، بكيانات أو تنظيمات، أو جماعات إرهابية، أيا كان شكلها أو هدفها أو مكان وجودها، حتى لو كانت الأفعال المنبثقة عنها لا تستهدف الإضرار بالمملكة المغربية ومصالحها، وكذا تلقي تدريبات أو تكوينات كيفما كان شكلها أو نوعها أو مدتها داخل وخارج المغرب، أو محاولة ذلك بقصد ارتكاب أفعال إرهابية داخل المغرب أو خارجه، سواء وقع الفعل المذكور أو لم يقع. وأيضا تجنيد أو تدريب، أو دفع شخص أو أكثر من أجل الالتحاق بكيانات أو تنظيمات أو عصابات أو جماعات إرهابية داخل أو خارج المغرب، أو محاولة ذلك». كما جرى بموجب مشروع هذا القانون تجريم القيام بأي فعل من أفعال الدعاية، أو الإشادة أو الترويج لفائدة الجماعات الإرهابية، وتخصيصها بالعقوبات المقررة لفعل الإشادة بالجريمة الإرهابية.
وفككت السلطات الأمنية المغربية العام الحالي ما مجموعه 11 خلية إرهابية، كانت تعد لارتكاب أعمال إجرامية تستهدف أمن وسلامة البلاد، وتجند شبابا للقتال في المناطق التي تنشط فيها الجماعات المتشددة. وجرى تفكيك عدد من هذه الخلايا بتعاون وتنسيق مع السلطات الأمنية الإسبانية.
وبما أن خطر الإرهاب لا يهدد المغرب وحده بل المنطقة العربية ككل، قرر المغرب في 28 أكتوبر الماضي إرسال وحدات عسكرية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل دعمها في مواجهة الإرهاب، وذلك في إطار التعاون العسكري والأمني الذي يجمعه بأبوظبي وغيرها من العواصم الخليجية. وجاءت المبادرة تنفيذا لتعليمات من العاهل المغربي الملك محمد السادس من أجل تقديم دعم فعال لدولة الإمارات العربية المتحدة في حربها على الإرهاب والحفاظ على السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.
وإذا كان خطر تنظيم داعش أخذ حيزا هاما من اهتمام المجتمع الدولي، وأنشئ تحالف دولي لمحاربته، فإن المغرب ما فتئ يحذر من خطر المجموعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، ويربط تدهور الوضع الأمني في المنطقة بعدم إيجاد حل لنزاع الصحراء، وفي هذا السياق، وجه الملك محمد السادس انتقادات غير مسبوقة إلى الأمم المتحدة والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، وطالبها في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الـ39 للمسيرة الخضراء بموقف واضح من النزاع، وقال إنه «في الوقت الذي يؤكدون فيه أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية». وعد مراقبون الخطاب «ثوريا» في مضمونه، لا سيما أنه أكد أن السنة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل المنطقة محملا الجزائر مسؤولية حل هذا النزاع، ومؤكدا أن مبادرة الحكم الذاتي هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، وعبر عن رفض بلاده لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، وإعادة النظر في مهام (مينورسو) أو توسيعها لتشمل مراقبة حقوق الإنسان.
وتواجه الرباط محاولات من عدة أطراف تسعى لإقصاء الحل السياسي المقترح من قبل المغرب. ونتيجة لذلك طلب المغرب من كريستوفر روس المبعوث الأممي إلى الصحراء إرجاء زيارته إلى البلاد التي كانت مقررة في يونيو (حزيران) الماضي، إلى حين توضيح مدى احترامه ضوابط المسلسل التفاوضي بشأن النزاع.
ويرفض المغرب بشدة محاولة تغيير طبيعة هذا النزاع وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار، كما تطالب بذلك جبهة البوليساريو، كما يرفض بشكل قاطع محاولة مراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، كما يطالب بتحميل الجزائر المسؤولية في عرقلة حل النزاع، بالإضافة إلى رفضه الموازاة بينه كدولة عضوة في الأمم المتحدة، وبين حركة انفصالية.
وبالإضافة إلى الأحداث الأمنية والسياسية، عرف المغرب في الأشهر الأخيرة من عام 2014 حوادث مفجعة، تمثلت في وفاة 47 شخصا بسبب الفيضانات في المناطق الجنوبية للبلاد، أواخر شهر أكتوبر وبداية شهر ديسمبر (كانون الأول)، ومات عدد من الضحايا بعد أن جرفتهم سيول الأودية فيما لقي آخرون حتفهم بعد انهيار منازلهم الطينية. وتناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صورا مأساوية عن الكارثة، بالإضافة إلى انهيار طرق وقناطر بشكل دراماتيكي، وأعلنت السلطات المغربية منطقة كلميم في الجنوب منطقة منكوبة. ومكنت عمليات الإنقاذ، التي ساهمت فيها مروحيات تابعة للدرك والجيش، مئات من السكان لا سيما في منطقتي كلميم السمارة، وسوس ماسة درعة.
ولم تمر سوى أيام قليلة على كارثة الفيضانات حتى تلقى المغاربة بذهول كبير خبر وفاة عبد الله بها وزير الدولة المغربي ورفيق درب عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة في 7 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. ومات الوزير بها الذي كان يطلق عليه لقب الحكيم وكاتم أسرار ابن كيران، بطريقة مفجعة وصادمة في بلدة بوزنيقة (جنوب الرباط)، وذلك بعد أن صدمه قطار كان قادما من الدار البيضاء في اتجاه الرباط. وكان الراحل حسب التحقيقات التي أعلن عنها الوكيل العام للملك (النائب العام) لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بصدد عبور خط السكة الحديدية مشيا على الأقدام أثناء مرور القطار رقم 45 المتجه نحو مدينة الرباط، وأن «سائق القطار استعمل الإشارات الضوئية والمنبه الصوتي لتحذير الفقيد، الذي حاول الرجوع إلى الخلف، غير أن القطار أدركه ورمى بجثته على بعد عدة أمتار من خط السكة الحديدية». وحسمت التحقيقات النهائية في أسباب وفاة الوزير بها، مؤكدة أن وفاته نجمت عن حادث قطار، ووضعت بذلك حدا للتساؤلات التي أثارتها طريقة موته.
والمثير في قضية موت الوزير بها أنها جرت في مكان يقع على بعد أمتار قليلة من القنطرة التي توفي بها في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي النائب أحمد الزايدي والقيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض. حيث كان يعتزم تفقد القنطرة التي توفي فيها الزايدي لأخذ العبرة من موته بحسب قياديين في حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية الذي ينتمي إليه. وتحول بيت ابن كيران إلى بيت العزاء الرئيسي للفقيد، وأقيمت جنازة شعبية كبيرة للراحل بها وشيعه الآلاف من المغاربة، إلى مثواه الأخير، حيث ووري الثرى بمقبرة الشهداء في الرباط وحضر الجنازة الأمير مولاي رشيد شقيق الملك محمد السادس وعدة شخصيات سياسية ومسؤولون كبار في الدولة، وكان العاهل المغربي قد وصفه في برقية العزاء بـ«رجل الدولة الكبير».
ولم يكن موت النائب الزايدي أقل فجاعة فقد توفي السياسي المغربي غرقا داخل سيارته وهو يحاول عبور قنطرة تمر تحت خط السكة الحديدية ببلدة بوزنيقة حيث يقيم، وشكل موته بتلك الطريقة صدمة ومفاجأة للوسط السياسي المغربي والشارع المغربي بشكل عام، إذ كان مقدما لنشرات الأخبار الرئيسية بالتلفزيون المغربي لأزيد من 20 عاما. وظل وفيا لانتمائه لحزب الاتحاد الاشتراكي إلى أن تقدم لانتخابات اختيار أمين عام جديد للحزب منافسا إدريس لشكر الذي فاز بالمنصب. ومنذ ذلك الحين أسس الراحل تيار الديمقراطية والانفتاح المناوئ للشكر معترضا على طريقة تسيير القيادة الجديدة للحزب ومواقفها. وهو ما كلفه منصبه كرئيس للفريق النيابي للحزب حيث أعفي من منصبه الذي تولاه لشكر نفسه. وكان الزايدي ومؤيدوه يعتزمون الانشقاق عن الحزب قبل أن يفاجأوا بموته.
واحتضن المغرب خلال 2014 حدثين هامين استضافتهما مدينة مراكش هما انعقاد قمة ريادة الأعمال، من 19 إلى 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، التي حضرها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، واستقبلت 3000 ضيف من 50 دولة من رجال الأعمال والسياسيين وصناع القرار الاقتصادي، والثاني هو المنتدى العالمي الثاني لحقوق الإنسان. وعرف مشاركة أزيد من 7000 شخص يمثلون 96 بلدا وينتمون لمؤسسات حقوقية ومنظمات غير حكومية. وناقش قضايا المساواة بين الجنسين والمناصفة وحقوق الشباب والأطفال وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وحقوق المهاجرين. وقضايا التعذيب وعقوبة الإعدام.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.