أحداث العام 2014: مصر.. تراجع نفوذ «الإسلام السياسي»

انقسام داخل «الإخوان».. و«تحالف دعم الشرعية» يخفق في حشد مؤيدين

صبي مصري يجلس على ركام احدى البنايات المدمرة خلال عملية عسكرية في رفح 30 أكتوبر (أ.ف.ب)
صبي مصري يجلس على ركام احدى البنايات المدمرة خلال عملية عسكرية في رفح 30 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

أحداث العام 2014: مصر.. تراجع نفوذ «الإسلام السياسي»

صبي مصري يجلس على ركام احدى البنايات المدمرة خلال عملية عسكرية في رفح 30 أكتوبر (أ.ف.ب)
صبي مصري يجلس على ركام احدى البنايات المدمرة خلال عملية عسكرية في رفح 30 أكتوبر (أ.ف.ب)

«الحركة الإسلامية لن تتجاوز الأزمة الراهنة إلا بتجاوز مدرسة الإخوان التي انتهى دورها التاريخي».. جزء من رسالة بعث بها مجدي أحمد حسين رئيس حزب الاستقلال الإسلامي (العمل سابقا)، من محبسه قبل نحو شهر، مثنيا فيها على قرار حزبه الانسحاب من تحالف الإسلاميين المناهض للسلطة حاليا، ومعبرا فيها أيضا عن واقع أليم يعيشه تيار الإسلام السياسي.
تفكك تحالف الإخوان، كان أبرز تداعيات ظاهرة التراجع الكبير التي مني بها تيار الإسلام السياسي في مصر خلال عام 2014 المنصرم، بعد أن لمع نجمه عاليا وهيمن على كافة الأمور خلال ثورات الربيع العربي، بلغت أوجها بانتخاب القيادي الإخواني محمد مرسي رئيسا لمصر، وبدأت أولى خطوات الانهيار بعزله من الحكم في يوليو (تموز) 2013.
عام الإخفاق الشديد، كما وصفه بعضهم، شهد تفكك معظم الأحزاب الإسلامية وفقدانها للكثير من شعبيتها، في حين أجهزت الملاحقات الأمنية والقضائية المتواصلة على المتبقي من قادتها وأنصارها. فنال المئات من مؤيدي الرئيس المعزول، أحكاما بالسجن والإعدام، 3 إعدامات منها (أولية)، صدرت بحق المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع، ذلك الرجل الذي كان ينظر إليه قبل يوليو 2013 على أنه الحاكم الفعلي للبلاد.
يشير تقرير لجنة تقصي الحقائق (الرسمية) في أحداث ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013. الذي تم إعلانه في السادس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى أن عدد المحكوم عليهم في أحداث العنف التي تشهدها مصر حاليا بلغ 1697 شخصا، وأن المحكوم ببراءتهم بلغوا 3714 شخصا، وعدد المحبوسين احتياطيا بلغ 7389 شخصا، وفقا لكتاب مصلحة السجون بتاريخ 21 يوليو 2014.
وحتى الآن لم يصدر حكم قضائي بحق الرئيس الأسبق مرسي، الذي يحاكم حاليا في 4 قضايا تتعلق بعدة تهم منها التخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على قتل المتظاهرين السلميين.
تفسر سكينة فؤاد مستشارة الرئيس المصري السابق عدلي منصور، ذلك التحول قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «دون شك رصيد هذا التيار لدى معظم الشعب المصري، الذي بطبيعته لديه بعد إيماني وديني، انتهى تماما في الوقت الراهن، فهو لم يكن يتصور أن يكون هناك كل هذا الاتجار بالدم والدين، لقد اكتشف المصريون الخداع والأكاذيب التي مورست عليهم في السنوات الماضية، فأسقط عنهم غطاء الدين». وترى فؤاد أن «الشعب المصري، عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011. عقد معهم أكبر مصالحة في التاريخ عندما صعد بهم للحكم متجاهلين عن تسامح تاريخهم المليء بالدم والأخطاء.. لكنهم لم يحترموا هذه المصالحة، وساروا وراء مصالحهم ومصالح الجماعة، فكان جزاؤهم العزل الشعبي».
وتابعت: «أحزاب الإسلام السياسي ينسحبون الآن من أجل أن يعبروا من العاصفة الموجهة ضدهم، لكنهم لن يصمدوا كثيرا في مواجهة هذا الرفض الكبير من القطاع الأكبر من المصريين.. فلا أظن أن لهم عودة». وخلال عام 2014 استمرت الملاحقات القضائية ضد الأحزاب الإسلامية، فصدر حكم قضائي للمحكمة الإدارية العليا أوائل أغسطس (آب) الماضي، بحل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان، الذي حصل على الأغلبية البرلمانية عام 2011.
وسبق أن أعلنت الحكومة المصرية نهاية عام 2013 «الإخوان» جماعة إرهابية، وشكلت لجنة لحصر وإدارة ممتلكات الجماعة، كما صدر حكم قضائي بحظر أنشطة الجماعة. وخلال عام 2014 تحفظت لجنة حصر أموال «الإخوان» على الكثير من الشركات والمتاجر والمدارس المملوكة لقيادات وأعضاء الإخوان، من بينها سلسلة متاجر لخيرت الشاطر نائب المرشد وكذلك رجل الأعمال عبد الرحمن سعودي.
الحدث الأبرز خلال عام 2014 هو الانتكاسة الكبيرة لتحالف دعم الشرعية، الذي تقوده جماعة الإخوان لمناصرة مرسي، بعد أن أعلنت أحزاب الوسط والاستقلال والوطن والجهاد والجبهة السلفية، انسحابها منه، متهمة «الإخوان» بالهيمنة على قراراته، وفشله في تحقيق أي نتائج ملموسة حتى الآن.
ودأب تحالف دعم الشرعية منذ إنشائه على دعوة أنصاره للتظاهر بصورة شبه أسبوعية للتنديد بالسلطة الحالية، وعادة ما تشهد هذه المظاهرات مواجهات عنيفة مع قوات الأمن كما قتل خلالها المئات من أعضاء جماعة الإخوان ومؤيديها. لكنه (التحالف) بات يواجه صعوبات في الاستمرار عقب القبض على عدد من رموزه وإعلان أحزاب الانسحاب منه إضافة إلى الانخفاض الكبير في حجم المشاركين في المظاهرات والفاعليات التي يدعو إليها.
يقول مجدي حسين، حول أسباب انسحاب حزبه من التحالف: «استمرارنا في هذا التحالف يعني العمل تحت راية الإخوان لأنهم هم التنظيم الأكبر ولهم الدور الأكبر في الفعاليات وهم يفعلون ما يريدون، ولا يستجيبون لأي من مطالبنا الأساسية، وهم يفسرون دعم الشرعية في نقطة واحدة هي عودة مرسي، وهم غير مشغولين بأي قضية أخرى غير استعادة أوضاعهم في الحكم وفق نفس السياسات».
وذكر رئيس حزب الاستقلال، في رسالته التي كتبها من محبسه، حيث يحاكم بتهم التحريض على العنف: «استمرارنا في هذا التحالف الذي لا يأخذ برأينا في أمور نعتبرها جوهرية وأساسية بل سبب ضياع الثورة يضعنا في موقف ذيلي للإخوان.. وأنا غير مستعد أن أنهي حياتي بالسجن بتهمة التبعية لـ(الإخوان)، لطالما كانت لدي آمال كبيرة أن يتغيروا لكن القيادة الراهنة لا أمل فيها».
يقول الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، إن «تلك التنظيمات المنضوية تحت لواء تحالف دعم مرسي عجزت خلال الفترة السابقة عن حشد أعداد كبيرة من المواطنين خلال مظاهراتها، رغم رفعها شعارات مختلفة من قبيل إسقاط الحكم وعودة الشرعية ورفض ارتفاع الأسعار، مما دفعها إلى اللجوء في النهاية إلى سلاح الدين، والدعوة والنزول للشوارع للمطالبة بتطبيق الشريعة عبر رفع المصاحف، لكنها فشلت أيضا».
وأضاف السيد لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الجماعات كانت تظن أن شعاراتهم حول الشرعية والثورة من شأنها أن تنجح في التفاف كل القوى حولهم، لكنهم أخفقوا، فاعتقدوا أن الدعوة للشريعة أمر سيثير عواطف المصريين»، موضحا «المصريون يدركون أنه ليس هناك خطر على الإسلام في مصر حاليا».
أزمة التيار الإسلامي وفشل تحالف دعم الشرعية في إحراز أي تقدم في مواجهة الدولة، ترتب عليها موجة انقسامات شديدة داخل جماعة الإخوان، بحسب إخوان منشقين، وأشاروا إلى رسالة مسربة نشرت أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2014 لأعضاء الجماعة، تعلن انتخاب مكتب إرشاد انتقالي وإقالة محمود حسين من منصب أمين الجماعة، بسبب خلافات حول الطريقة التي تُدار بها «الإخوان» مؤخرا.
ورغم نفي «الإخوان» إقالة حسين حتى الآن، فإن المصادر أكدت أن الرسالة كانت عبارة عن بالون اختبار لامتصاص حالة الغضب في قطاع الشباب من القيادات الحالية التي تدير الجماعة ومنهم محمود عزت، نائب المرشد العام، وأن تغيرات قادمة في تلك القيادات إرضاء للشباب.
أخطاء تيار الإسلام السياسي المتشدد في مصر وممارساته غير الموفقة، تسببت في اتهامه بالمسؤولية عن تزايد ظاهرة «الإلحاد» في مصر، عبر تقديم صورة غير حقيقية عن الإسلام. فوفقا لمركز «ريد سي» التابع لمعهد «غلوبال»، فقد احتلت مصر المرتبة الأولى عربيا في معدلات الإلحاد بـ866 ملحدا. وذكر تقرير لمرصد الفتاوى التكفيرية، التابع لدار الإفتاء المصرية، ونشر في ديسمبر (كانون الأول) 2014. أن تزايد ظاهرة الإلحاد بين الشباب يرجع لتشويه الجماعات الإرهابية التكفيرية صورة الإسلام من خلال تطبيق مفهوم خاطئ له، وتقديم العنف والقتل وانتهاك حقوق الإنسان على أنها من تعاليم الإسلام.
ورصد التقرير تصريحات لعدد من الملحدين الشباب الذين جاهروا بإلحادهم، مؤكدين أنهم لا يعارضون الدين، لكنهم يرفضون استخدامه كنظام سياسي، داعين إلى فصل الدين عن الدولة، في حين رفض فريق آخر منهم الدين ككل، فيما ترك فريق ثالث الإسلام إلى ديانات أخرى. ولفت التقرير إلى أن من أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد الخطاب الديني المتشدد الذي تصدره التيارات الإسلامية المتزمتة التي تؤصل لأهم مشكلات التدين في العصر الحاضر، موضحا أن الإحصاءات أظهرت أن الإلحاد في السنوات الـ4 الماضية شهد نشاطا كبيرا.
في المقابل، يرى المحلل السياسي مشهور إبراهيم أحمد ضرورة إدراك حجم التيار الإسلامي ووزنه السياسي الواقعي، باعتبار أن التضخيم والمبالغة أدى إلى اتخاذ خطوات خاطئة من الآخرين، فجماعة الإخوان وحزبها الحرية والعدالة باعتبارها أضخم مكونات هذا التيار، كانت قادرة بعد 25 يناير على الحصول على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، لكنها لم تكن أبدا قادرة على الحصول على الأغلبية منفردة، فحصلت في الانتخابات البرلمانية 2012 على 47.2 في المائة من المقاعد، وذلك ضمن الجبهة التي كانت تضمها مع عدة أحزاب وشخصيات مدنية أخرى، وفي الانتخابات الرئاسية 2012. لم يحصل مرسي في الجولة الأولى إلا على 24.9 في المائة، ولو لم يكن جزء من التيار الثوري، وتحديدا من مؤيدي عبد المنعم أبو الفتوح قد دعموه في الإعادة، انحيازا لثورة 25 يناير، لم يكن سيتحقق الفوز.
ويضيف مشهور لـ«الشرق الأوسط» هناك الكثير من الأسباب، أضعفت تيار الإسلام السياسي خلال الفترة الماضية، يمكن تقسيمها على 3 مراحل، الأولى، بعد 25 يناير وقبل الانتخابات الرئاسية، إذ جاء إعلان جماعة الإخوان ترشيح مرشح رئاسي ليشعل الصراع بينها وبين القوى السياسية الأخرى من جهة، ومن جهة أخرى ليفقد الجماعة الكثير من مصداقيتها في الشارع، باعتبار أنها أعلنت من قبل عدم ترشحها.
والثانية، بعد فوز مرسي بالانتخابات، وحتى عزله في 3 يوليو، فقد تعرض نظام الإخوان في تلك الفترة، للكثير من الضربات والأزمات، نتيجة الدخول في صدامات عنيفة مع بعض أجهزة الدولة، ناهيك عن الصدام مع القوى المدنية، التي كانت تتشكك في نوايا تيار الإسلام السياسي نحو هوية الدولة، خاصة بعد الإعلان الدستوري وأحداث الاتحادية.
وأخيرا المرحلة الثالثة، بعد عزل مرسي وخلال عام 2014، إذ تعرض تيار الإسلام السياسي لحملة إقصاء عنيفة أضعفت قواه، بسبب الاعتقالات والملاحقات الأمنية، وإغلاق الأذرع الإعلامية، فضلا عن التحفظ على أمواله. وحول مستقبل ذلك التيار الإسلامي وأحزابه يقول إبراهيم، الرؤية لم تتضح بعد بصورة كاملة، في ظل هلامية المشهد الحالي.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.