رئيس تحرير «زمان» التركية لـ «الشرق الأوسط»: قوانين الإعلام.. حبر على ورق

أكرم دومانلي قال إن الاتهامات الموجهة إليه سخيفة.. وغولن رجل سلام وحوار لا إرهاب

رئيس تحرير «زمان» التركية لـ «الشرق الأوسط»: قوانين الإعلام.. حبر على ورق
TT

رئيس تحرير «زمان» التركية لـ «الشرق الأوسط»: قوانين الإعلام.. حبر على ورق

رئيس تحرير «زمان» التركية لـ «الشرق الأوسط»: قوانين الإعلام.. حبر على ورق

سجن أكرم دومانلي، رئيس تحرير صحيفة «زمان» التركية المعارضة، مرتين. الأولى عند الانقلاب الذي نفذه الجيش في عام 1980، وكان عمره 16 عاما. والثانية منتصف الشهر الحالي عندما قبض عليه في إطار الحملة التي تشنها الحكومة التركية على الموالين للداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة التي تصفه بـ«الكيان الموازي». دومانلي المهدد بالعودة إلى السجن في أية لحظة بعد اعتراض النيابة العامة على قرار الإفراج عنه، يستخف بالاتهامات الموجهة إليه ويعتبرها سخيفة، مبديا أسفه لأن السجون تحسنت عما كانت عليه أيام الانقلابيين، لكن «سمعة القضاء تدهورت في المقابل فاهتز حس الثقة بالعدالة والجهاز القضائي الحالي».
ويؤكد دومانلي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن التهديد الحقيقي الموجه لحريات الفكر والتعبير والصحافة في تركيا «ليس ناجما عن نقص في القوانين»، معتبرا أننا «نمر اليوم بفترة بقيت فيها القوانين التي تضمن هذه الحريات مجرد حبر على ورق».
وفي ما يأتي نص الحوار:

* كيف كانت تجربة احتجازك؟
- في الحقيقة ليست هذه هي تجربتي الأولى مع السجن، فعندما وقع الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر (أيلول) 1980 كنت حينها طالبا يبلغ من العمر 16 عاما في المرحلة الثانوية. وفي تلك الفترة تم اعتقالي ولم تتم إحالتي إلى المحكمة إلا بعد مرور عام كامل على الاعتقال، ثم صدر قرار ببراءتي. وإذا ما عقدنا مقارنة بين السجن في تلك الفترة وما عليه اليوم فيمكنني أن أقول إن الشروط من الناحية الفنية كانت أفضل، إلا أن الفارق الذي كان يبعث على الحزن هو أن مراكز الشرطة كانت تشهد حالات من التعذيب في فترات الانقلاب العسكري، لكن على الرغم من ذلك كان عنصر الثقة بالمحاكم هو المسيطر على تصور الناس. والآن تم تحسين شروط تلك المراكز بمعدلات نسبية، غير أننا نشعر بقلق ومخاوف عميقة، ذلك لأن الهيكلة السياسية للجهاز القضائي هزت حس الثقة بالعدالة والجهاز القضائي الحالي.
* وما النقاط التي ارتكز عليها التحقيق معك؟
- لا شك أن التحقيقات تمت في عجالة واستندت إلى ادعاءات لا أصل ولا سند لها، وهذا أمر واضح للقاصي والداني، إذ إن الأدلة الموجودة لديهم ضدي هي مقالان وخبر واحد حسبما ذكر لي قاضي التحقيق بلسانه. لكن الأمر الذي يدعو للدهشة هو أنني لست من قام–أصلا–بكتابة المقالين أو الخبر التي اعتبرت ذريعة لإدانتي. كما أن التهمة الموجهة إلى السيد هدايت كراجا مدير مجموعة «سامان يولو» الإعلامية عبارة عن مسلسل تلفزيوني. وأرى أن اتهامنا بتشكيل تنظيم إرهابي مسلح بسبب مقالين وخبر ومسلسل، فوضى مريعة تظهر انعدام القانون وقرينة على غيابه.
* توجه الحكومة إليك اتهاما بكتابة أخبار تروج لـ«الكيان الموازي». ما ردك على هذه الاتهامات؟ وهل أنت أحد المنتسبين إلى حركة الخدمة؟
- حركة الخدمة معروفة في تركيا وفي أكثر من 160 بلدا بأنشطتها المدنية في مجال التعليم والسلام العالمي وتقديم مساعدات للفقراء والمساكين عبر جمعياتها الخيرية والحوار بين منتسبي الأديان الأخرى. وما اتهام هذه الحركة ووصمها بـ«الكيان الموازي» إلا مناورة سياسية هدفها التستر والتعتيم على أكبر فضيحة فساد في تاريخ الجمهورية التركية التي تكشفت وقائعها في 17 و25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 وتسببت في تقديم 4 وزراء لاستقالتهم.
والعجيب أنه حتى قبل عام–أي قبل الكشف عن الفساد–كانت الشخصيات البارزة الموجودة داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم بمن فيهم رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان يصفقون لحركة الخدمة وينعتونها بعبارات لامعة وبراقة جدا لما تقدمه من خدمات جليلة وأعمال ناجحة في سبيل النهوض بالبلاد، إلا أن كل من يعيش في تركيا، بل والعالم أجمع، يرى أن الحكومة التركية ابتعدت عن الديمقراطية وزادت معدلات الفساد في البلاد لا سيما في آخر عامين أو 3 أعوام. ولو كانت حركة الخدمة صفقت لهذا المسلك السيئ للحكومة لما كانت شهدت–الآن–أية مشكلة.
وبعد أن نفذت حكومة حزب العدالة والتنمية إصلاحات ديمقراطية مهمة اندفاعا وتأثرا بمفاوضات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، بدأت فيما بعد تسلك طريقا مخالفا وعادت لنهجها القديم وألغت كل خطواتها الإيجابية بممارساتها المعادية للديمقراطية، وبدأت تتجه للاستبداد والديكتاتورية في الفترة الأخيرة، إذ تم طرد الكثير من الصحافيين بسبب آرائهم وانتقاداتهم. كما تم الكشف عن الضغوط التي تمارس على مسؤولي وسائل الإعلام، وتبين ذلك عن طريق واقعة مكالمة إردوغان الهاتفية التي اشتهرت في الشارع التركي بـ«آلو فاتح». ومن خلال اعترافات رؤساء تحرير ومسؤولي الصحف، وعجز وسائل الإعلام المحلية عن تغطية أحداث القتل في احتجاجات جيزي بارك في وقت نقلتها وسائل الإعلام الدولية إلى مشاهديها كما حدثت. وبحسب التقرير الذي أعده حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، بعنوان: «الصحافيون المكسورة أقلامهم» تم فصل وطرد 1863 صحافيا من عمله خلال 12 عاما، أي أن 90 في المائة منهم خرجوا من عملهم أو فصلوا في الفترة الثالثة من حكم العدالة والتنمية التي أطلق عليها إردوغان فترة «الأستاذية». وزادت أعمال القمع والضغوط على القضاء المستقل ورجال الشرطة والإعلام الحر عقب الكشف عن ادعاءات الفساد الثقيلة في 17 و25 ديسمبر المتهم فيها بعض الوزراء السابقين وأبناء وزراء وبلال نجل إردوغان ورجال أعمال مقربون من الحكومة.
* ماذا تقول بخصوص ادعاء «الكيان الموازي»؟
- يرى البروفسور سامي سلجوق الرئيس الفخري السابق للمحكمة العليا–أعلى هيئة قضائية في تركيا–أن ادعاء «الكيان الموازي» مجرد هراء وكلام فارغ. والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: لماذا استهدفت حكومة العدالة والتنمية حركة الخدمة التي كانت تنظر إليها نظرة قبول وترحيب طيلة 12 عاما من حكمها عقب الكشف مباشرة عن أعمال الفساد واتهمتها بافتراءات تتنافى مع القانون والعقل والمنطق مثل تشكيل كيان موازٍ وتنظيم إرهابي مسلح؟
إن فتح الله غولن كعالِم إسلامي يدعم القيم الإنسانية العالمية التي يدعمها الإسلام في جوهره مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون ويرفض العنف تماما أيا كان الهدف منه، فضلا عن أنه يعرب دائما عن رأيه كلما سنحت له الفرصة بأن «المسلم لا يمكن أن يكون إرهابيا ولا يمكن أن يكون الإرهابي مسلما». لذا فإن اتهام الناس الموقرين المنتمين إلى حركة الخدمة بتشكيل تنظيم إرهابي على الرغم من أنها لم تشارك في أية أعمال عنف حتى الآن يعتبر أمرا سخيفا لأنه يفتقد إلى دليل قانوني. إن صحيفة «زمان» تؤدي وظيفتها الصحافية بمصداقية طيلة 30 عاما في اتجاه تحقيق الديمقراطية الحقيقية في تركيا، وسنواصل بعد الآن نشر الأخبار والحقائق في هذا الاتجاه.
* بعد هذه التجربة التي تعرضتم لها، هل سيتغير نهج «زمان»؟ وهل حقا أنتم جزء من الصراع كما تقول الحكومة؟
- تمارس الحكومة أعمال تمييز ضد مراسلي الصحيفة، وبدا ذلك في قراراتها بعدم السماح لهم بحضور المؤتمرات الصحافية المنعقدة في رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والكثير من الوزارات والبلديات منذ نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، أي اعتبارا من تولي إردوغان منصب رئاسة الجمهورية حتى الآن. وقد تعرضنا كذلك لحملات شنيعة تهدف إلى تشويه سمعة الصحيفة قبل أعمال التمييز الصريحة. كما طلبت شخصيات تجلس في أعلى منصب في الدولة من الشعب التركي عبر شاشات التلفزيون عدم شراء صحيفتنا، ودعت العاملين لدينا بالاستقالة من أعمالهم. ومع وجود كل هذه الضغوط شهدنا مزيدا من أعمال الظلم يوما بعد يوم بسبب موقفنا الصريح الرامي إلى البحث عن الحقائق وتقديمها للرأي العام. وتم اعتقالي بتهم ملفقة ووهمية أمام أعين العالم أجمع. ومن الآن فصاعدا سنواصل بحثنا عن الحقائق–كما كنا نفعل دائما–مهما كان الشخص أو الجهة التي أمامنا. وإضافة إلى ما سبق أود أن أقول إننا لسنا جزءا أو طرفا في أي صراع، كما أن ما نفعله ليس معارضة لحكومة أو حزب بعينه. ونحن ما زلنا وسنظل أيضا نتعامل مع الأحزاب السياسية على قدم المساواة ونقف على مسافة متساوية منها جميعا.
* الحكومة تقول إن حرية الفكر محمية، وإنها توجه الاتهام للمتهمين بارتكاب جرائم حتى ولو كانوا صحافيين. حسنا، لماذا تشعر بقلق على حرية الفكر في تركيا؟
- ينبغي أن تكون الأدلة التي يتم من خلالها إدانة المشتبه فيهم ملموسة ومؤكدة كما يحدث في جميع التحقيقات. أما تهمة «إدارة تنظيم إرهابي» الموجهة ضدي وضد زميلي هدايت كاراجا فلا تستند إلى أية أدلة قانونية إطلاقا. وهذا الموقف يكفي لأن يكون بمفرده سببا للقلق والخوف من التراجع المشهود في حرية الفكر والتعبير والصحافة، مع أن هناك أسبابا كثيرة أخرى وعلى نطاق أوسع تستوجب هذا القلق أيضا. ويمكن أن نستدل على ذلك باستقالة وطرد المئات من الصحافيين المعارضين من أعمالهم لاختلاف أفكارهم وبالحظر المفروض على «تويتر» و«يوتيوب».
* كيف تقيم القوانين المتعلقة بالصحافة في تركيا؟ هل تؤمن بأن هذه القوانين من شأنها أن تحمي الصحافيين؟
- التهديد الحقيقي الموجه إلى حريات الفكر والتعبير والصحافة في بلدنا ليس ناجما عن نقصان في القوانين، لكننا نمر اليوم بفترة تحكم فيها حكومة لا تعترف بالقوانين، وتنتهك جميع المبادئ المحلية والعالمية.. إنها فترة بقيت فيها القوانين التي تضمن هذه الحريات مجرد حبر على ورق، وأضفت فيها الحكومة الصبغة القانونية على جميع عمليات القمع والترهيب التي تقوم بها عن طريق امتداداتها في جهازي الشرطة والقضاء. وللأسف الشديد تشهد الدولة حاليا توحيد السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وتجميعها في يد واحدة وليس الفصل بينها. وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك غياب المؤسسات والآليات التي تؤمن الاتزان والتوازن في البلاد يتبين لنا بوضوح أنه لم يعد هناك سوى عدة صحف وقنوات قادرة على أن تقول «قف» لهذه المسيرة الخاطئة. ولذلك لم يكن من قبيل المفاجأة أن يتم استهداف هذه المؤسسات مباشرة في الآونة الأخيرة لتحقيق مآرب معينة.
* ماذا تتوقع أن يحدث في الفترة المقبلة؟ هل تشعر بقلق من إغلاق صحيفة «زمان» والصحف المعارضة الأخرى؟
- تعد تركيا بمثابة جسر في غاية الأهمية من الناحية الجيوسياسية والثقافية بين العالم الإسلامي والغرب. وحسب قناعتي الشخصية أرى أن الأنسب والأمثل لتركيا أن تحظى باحترام في الغرب والعالم الإسلامي في الوقت نفسه، إذ إن تركيا لو تصالحت مع القيم الإسلامية والتاريخ ودول الجوار وقامت بإرساء الديمقراطية في البلاد لأصبحت دولة لا غنى عنها من أجل السلام العالمي.
وبالفعل، عندما تقدمت حكومة العدالة والتنمية في هذا الاتجاه في أولى فتراتها لمع نجم تركيا في الشرق والغرب. فعلى سبيل المثال عندما أصبحت تركيا عضوا في مجلس الأمن الدولي عام 2008 دعمتها 151 دولة، إلا أنها كلما ابتعدت عن هذا المنوال وزادت استبداديتها، وانزلقت في سياسة التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها والانحياز لأطراف بعينها بدلا عن انتهاج سياسة العلاقات المتساوية، أصيب وضعها بجروح غائرة وشوهت صورتها على الصعيد الخارجي. ولذلك فعندما أصبحت مرشحة لعضوية مجلس الأمن الدولي غير الدائمة، هذا العام، لم تحصل على دعم إلا من 60 دولة ولم يتم اختيارها. وسيظل أملي هو أن يتم العدول عن هذا الطريق الخاطئ قبل أن تصاب الدولة بأضرار أكثر من ذلك.



«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».