أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

عام 2014 كان ذروة قوته.. وشهد فيه بداية انحداره

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا
TT

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

شغل تنظيم داعش العالم في عام 2014.. من المرجح أن يستمر في ذلك في عام 2015. قساوة هذا التنظيم المتطرف جعلت النظر إلى «القاعدة» الذي دوخ العالم لسنوات كثيرة كأنه يبدو تنظيما «وديعا» مقارنة بأداء تنظيم داعش؛ فالتنظيم الأم تراجع أمام المد الداعشي الكبير، وبدأ يفقد أتباعه ومريديه حول العالم لصالح التنظيم الابن الذي بدأ يجذب بخطابه المتطرف آلاف المتشددين من مختلف أصقاع العالم ويأتي بهم إلى سوريا متسلحا بجاذبية القضية السورية.
غير أن الأهم هو ما حققه هذا التنظيم لهؤلاء من «حلم» دولة الخلافة التي أقامها على أجزاء من البلدين المتجاورين اللذين حكمهما حزب واحد لعقود من الزمن، ويتحكم بجزء كبير منهما اليوم حزب آخر، تجمعهما «العقيدة»: البعث و«داعش». وتسيطر «دولة» أبو بكر البغدادي اليوم على نحو 90 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة أكبر بنحو 90 مرة من مساحة بلد صغير كلبنان، وتوازي مساحة الأردن، حيث استطاع إنشاء مؤسساته عليها رغم الحملة الضارية التي يشنها عليه خصومه، في العراق وسوريا، ومن خلفهما تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة.
لم تكن بداية العام مبشرة لتنظيم داعش في سوريا، خلافا للعراق.. ففي سوريا كان يتعرض لحملة غير مسبوقة من قبل الجيش الحر، الذي أخرج التنظيم من مدينة حلب ومحيطها، لكن الأخطر بالنسبة للتنظيم المتطرف هو مشاركة جماعات متشددة أخرى تعمل وفق المنهج الفكري نفسه؛ ففي 4 يناير (كانون الثاني) 2014، شنّت «الجبهة الإسلامية» و«جيش المجاهدين» حملة عسكرية واسعة ضد «داعش». حتى جبهة «النصرة» التي حاولت الظهور بمظهر المحايد، انخرطت لاحقا في هذه الحرب بشكل علني وشرس.
تعاطى التنظيم بمرونة لافتة مع الحملة، فسحب قواته من كثير من المناطق السورية، وركز وجوده في مناطق أخرى مهمة استراتيجيا بالنسبة إليه لقربها من الحدود العراقية. أدت المعارك في البداية إلى تقهقر التنظيم سريعا في ريف حلب، لكن على حساب محافظة الرقة التي سيطر عليها التنظيم بشكل كامل؛ ففي 12 يناير، عقدت «حركة أحرار الشام الإسلامية» هدنة مع التنظيم في الرقة، سلمته بموجبها أسلحتها ومقارّها، وسيطر «داعش» على المدينة بشكل كامل.
وفي المقابل، كان «داعش» يزداد قوة في العراق.. فللمفارقة أن تاريخ الحملة عليه في سوريا (4 يناير) 2014، كانت الفلوجة تقع تحت سيطرته بشكل كامل.
غير أن موسم «داعش» الحقيقي بدأ في يونيو (حزيران) 2014، فحينها فقط بدأ التنظيم المتطرف يقطف ثمار أخطاء وممارسات النظامين، السوري والعراقي؛ ففي العاشر منه سيطر مسلحوه على محافظة نينوى، ودخلت عناصره مدينة الموصل بمساعدة من عناصر بعثية سابقة وبعض الحلفاء الآخرين (انقض عليهم بعد أن دانت له السيطرة الكاملة) وأطلق ألف سجين من السجن المركزي، وسيطر على ترسانة ضخمة من الأسلحة والذخائر تركها الجنود العراقيون الفارون، وتباهى بها التنظيم فيما بعد في شوارع مدينة الرقة السورية. كما سيطر على فروع البنك المركزي العراقي في الموصل حيث يقال إنه غنم نحو نصف مليار دولار نقدا.
وفي 11 يونيو اختطف مسلحون 48 شخصا بينهم القنصل التركي، لم ينفع اجتماع طارئ لحلف شمال الأطلسي (تركيا عضو فيه) في إطلاقهم، غير أنهم أعيدوا إلى بلادهم في أعقاب صفقة بين الحكومة التركية والتنظيم بعد أشهر عدة.
وسيطر التنظيم المتطرف على مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس الأسبق صدام حسين، وهي مركز محافظة صلاح الدين، ثم ما لبث أن أعلن حملة هجمات على بغداد، وقد تمكنت مجموعات منها من السيطرة على ناحيتي السعدية وجلولاء وتبعدان تقريبا 65 كيلومترا عن المدينة.
وفي نهاية الشهر (29 يونيو) كان إعلان «دولة الخلافة» عندما خرج المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني في شريط يُعلن قيام «دولة الخلافة»، و«مبايعة الخليفة إبراهيم» ذي النسب القرشي «إماما وخليفة للمسلمين في كل مكان»، ولتعلن أيضا تغيير اسمها من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي كانت تعرف بين الناس اختصارا بـ«داعش»، إلى «الدولة الإسلامية».
وفي الأول من يوليو (تموز) 2014، كانت أول كلمة صوتية للبغدادي بعد «مبايعته خليفة للمسلمين». وفي الخامس منه سجل أول ظهور للخليفة المزعوم في مدينة الموصل، حيث بث التنظيم تسجيلا له وهو يؤم المصلين في أحد مساجد المدينة، ملقيا خطبة اقتبس فيها من خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة، قائلا: ««لقد ابتليت بهذا الأمر العظيم، لقد ابتليت بهذه الأمانة، أمانة ثقيلة، فوليت عليكم ولست بخيركم ولا أفضل منكم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وأن رأيتموني على باطل فانصحوني وسددوني، وأطيعوني ما أطعت الله فيكم»، متجاهلا عبارة «فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم»، ثم أكمل خطبته معززا استراتيجية تنظيمه الدموية بقوله: «إن الله أمرنا أن نقاتل أعداءه ونجاهد في سبيله لتحقيق ذلك وإقامة الدين»، مضيفا: «أيها الناس إن دين الله تبارك وتعالى لا يقام ولا تتحقق هذه الغاية التي من أجلها خلقنا الله إلا بتحكيم شرع الله والتحاكم إليه وإقامة الحدود، ولا يكون ذلك إلا ببأس وسلطان».
وبالفعل، رسم التنظيم «حدوده» الخاصة، فروع الناس بصور مجازره وصولا إلى لعب عناصره كرة القدم برؤوس أعدائهم، مقدما صورة قاسية جدا، كانت عاملا أساسيا في انتصاراته. وبإعلانه الخلافة، كان التنظيم يوجه ضربته الكبرى للتنظيم الأم، القاعدة؛ فهو أعلن نفسه بهذا الإجراء أكبر منها، وأسقط مبايعتها وشرعيتها. ويبدو ذلك واضحا من خلال بيان الإعلان عن «الخلافة» من قبل أبو محمد العدناني المتحدث باسم الجماعة الذي قال: «ننبه المسلمين أنه بإعلان الخلافة صار واجبا على جميع المسلمين مبايعة ونصرة الخليفة إبراهيم (أبو بكر البغدادي) حفظه الله، وتبطل شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات التي يتمدد إليها سلطانه ويصلها جنده.. فاتقوا الله يا عباد الله واسمعوا وأطيعوا خليفتكم وانصروا دولتكم».
وفي سوريا، كان التنظيم يزداد قوة، فسيطر في 3 يوليو 2014 على الشحيل، وعدد من القرى والبلدات في دير الزور، لتصبح المحافظة في معظمها تحت سيطرته المطلقة، ثم يتقدم بثقة نحو الحدود التركية، بعدما أزال عناصره الحدود بين العراق وسوريا بمشهد احتفالي بثت صوره من قبل التنظيم تحت عنوان «كسر الحدود»، حيث مقاتلون من مختلف الجنسيات يمزقون جوازات سفرهم، معلنين تحطيم «حدود سايكس بيكو في الطريق لإقامة الخلافة الراشدة». وقال أبو محمد العدناني إن مجاهدي الدولة قاموا بإزالة الحدود التي وصفها بـ«الصنم»، معتبرا أنها فرقت بين الدول الإسلامية و«مزقت الخلافة».
بدء التراجع مع بدء غارات التحالف
بعد اقتراب «داعش» من أسوار بغداد صدرت الفتوى الشهيرة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني بالتطوع لمواجهة «داعش»، ما أعطى السلطات العراقية القدرة على الصمود في وجه المد الداعشي، بالتزامن مع دخول البيشمركة الكردية على الخط بدخولها مدينة كركوك، وبدء الدعم العسكري الدولي الذي استهل ببضعة غارات على طليعة القوات المتقدمة باتجاه أربيل من جهة، وبغداد من جهة أخرى، وجسر جوي لإنقاذ الإيزيديين المحاصرين في جبال سنجار بعد بيع الكثير من فتياتهم سبايا لعناصر التنظيم.
كانت الغارة الأميركية الأولى في 4 يوليو 2014، بعد أن أرسلت الولايات المتحدة نحو 800 جندي إلى مقر سفارتها في بغداد، وكذلك إلى القنصلية العامة في أربيل. وفي ذلك اليوم، قصفت قاذفة قنابل أميركية القاعدة العسكرية «أسامة بن لادن» في قرية أقيريشا سوريا. وأرسلت قوة من وحدة دلتا في محاولة لإنقاذ الصحافي جيمس فولي الذي بث التنظيم في وقت لاحق مشهد إعدامه ذبحا من قبل عناصر التنظيم، وهو مشهد تكرر مع عدة رهائن أميركيين وبريطانيين وفرنسي انتقاما من الحملة الغربية.
وفي 7 أغسطس (آب) 2014، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب متلفز بدء الحرب ضد التنظيم، وفي 8 أغسطس، بدأت القوات الأميركية أول ضرباتها في العراق لحماية مسؤوليها في أربيل، ثم باشرت طائرات هذا التحالف العربي - الغربي بقصف مواقع التنظيم في العراق أولا، ثم في سوريا لاحقا. وكانت محاولة التنظيم دخول مدينة كوباني الكردية عنوانا أساسيا في عملية تراجع التنظيم، فبعد أشهر من الحصار ومحاولات التقدم، فشل التنظيم في اجتياح المدينة التي تقع تماما على الحدود مع تركيا. وكان ذلك ثمرة جهد دولي مكثف، سواء بالغارات التي شنت على قواته، أو بالضغوط على تركيا لفتح حدودها وتقديم المساعدات للمقاتلين والسكان.
ويعتقد على نطاق واسع أن معركة الحسم النهائية مع «داعش» سوف تبدأ في الربيع المقبل؛ وذلك لاعتبارات عدة، أولها عامل الطقس الذي سيكون مساعدا للقوات المهاجمة، وثانيها اكتمال عدة التحالف الميدانية التي تحتاج إلى تبلور قوة المقاتلين، من الجيش العراقي الذي يخضع لعملية تأهيل شاملة.

ولايات التنظيم

* أعاد «داعش» رسم حدود المنطقة، وأعاد تقسيم مناطق نفوذه وفق تصنيف يعتمد نظام «الولايات» بلغ عددها 16 ولاية، نصفها في العراق، وهي: ولاية ديالى، ولاية الجنوب، ولاية صلاح الدين، ولاية الأنبار، ولاية كركوك، ولاية نينوى، ولاية شمال بغداد، ولاية بغداد. ونصفها الثاني في سوريا، وهي: ولاية حمص، ولاية حلب، ولاية الخير (دير الزور)، ولاية البركة (الحسكة)، ولاية البادية، ولاية الرقة، ولاية حماه وولاية دمشق. وأعطى التنظيم والي كل منطقة صلاحيات مطلقة في رسم الحدود وجمع الضرائب يعاونه 3 أمراء، أحدهم متخصص بالأمن، وثانيهما بالعسكر، وثالثهما أمير شرعي. وقسم الولايات إلى «قواطع» على كل منها «أمير» يشرف بدوره على المدن التي ينصب على كل منها أيضا أمير.

هيكلية التنظيم: الخليفة والأمن

* يقع «الخليفة» في رأس التنظيم، فهو يجمع شروط الولاية، كالعلم الشرعي والنسب القرشي، ولهذا يعود إليه أمر الحل والربط في «الدولة» المفترضة، يعاونه في ذلك عدة مؤسسات أبرزها مجلس الشورى الذي يعد من أهم المؤسسات التابعة للتنظيم، بالإضافة إلى «الهيئة الشرعية» التي تعد إحدى أهم مؤسسات التنظيم، يرأسها أبو محمد العاني، ومن مهماتها الإشراف على القضاء، والفصل بين الخصومات والنزاعات المشتركة، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة إلى الإرشاد، والتجنيد، والدعوة، ومتابعة الإعلام.
ومن أبرز المؤسسات أيضا بيت المال الذي يعتقد أنه الأغنى في تاريخ الحركات الجهادية.
أما المجلس العسكري فهو يتكوّن من نحو 13 عضوا، ويترأسه عمر الشيشاني، وهو يلعب دورا أساسيا في تركيبة التنظيم، لأنه مسؤول عن التخطيط للغزوات وتقويم عمل «الأمراء»، إضافة إلى إشرافه على التسليح والغنائم.
ويفصل التنظيم بين العسكر والأمن، فهناك أيضا المجلس الأمني الذي يعتقد أنه برئاسة ضابط استخبارات عراقي سابق يدعى أبو علي الأنباري، ويتولى هذا المجلس أساسا كل ما يتعلق بأمن البغدادي، كما يتابع «الأمراء الأمنيين في الولايات والقواطع والمدن»، بما معناه الرقابة على الولاة أنفسهم لضمان مركزية القرار.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.