خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

اتجاه لتأسيس حزب كبير لمساندة الرئيس

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد
TT

خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد

منذ ثورة 1952 اعتمد رؤساء مصر القادمون من المؤسسة العسكرية، على أذرع سياسية مدنية لمؤازرتهم في حكم الدولة. لكن على أي حزب أو تيار سياسي سيعتمد الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ أصبح هذا السؤال يطرح نفسه بين أروقة السياسيين مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات النيابية، وسعي كثير من النواب السابقين لحزب الرئيس الأسبق حسني مبارك للترشح فيها بقوة كمستقلين أو من خلال أحزاب أخرى.
توجد إجابات متعددة حول هذا الموضوع، من بينها اتجاه لتأسيس «حزب سياسي كبير» من نواب البرلمان المقبل المستقلين لمساندة حكم رئيس الدولة الجديد، لكن المشكلة، كما يقول مستشارون عسكريون وسياسيون لـ«الشرق الأوسط»، تكمن في ارتفاع عدد من يعتزمون الترشح للمجلس النيابي من حزب مبارك.
ومنح الدستور الجديد صلاحيات للبرلمان تزيد في بعض الجوانب منها عن صلاحيات رئيس الجمهورية، لأول مرة منذ «ثورة عبد الناصر» قبل أكثر من نصف قرن. وردا على أسئلة بشأن شكل العلاقة بين البرلمان ورئيس أكبر دول بمنطقة الشرق الأوسط من حيث السكان، يجيب العميد أركان حرب، عادل العمدة، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، قائلا إن الرئيس يعتمد بالفعل على «حزب الشعب المصري».

وهذا بطبيعة الحال ليس حزبا محدد المعالم، لأن العميد «العمدة» هنا يتحدث مجازا عن «حُب الشعب للرئيس وثقته فيه» منذ انحياز السيسي، حين كان وزيرا للدفاع، لملايين المصريين الذين خرجوا في صيف 2013 للشوارع مطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان وحلفائها من تيار «الإسلام السياسي».
ويعطي العميد «العمدة»، مثل مستشارين عسكريين آخرين، رسائل مطمئنة عن «التحام الرئيس بالشعب»، وأنه ليس في حاجة لحزب أو تكتل في البرلمان المقبل «لأنه من غير المتوقع أن يعمل النواب ضد توجهات الرئيس». وسبق للرئيس السيسي نفسه القول إنه «لا أحد يمكنه أن يقف بينه وبين الشعب».
وفي المقابل توجد مخاوف لدى العديد من المراقبين والسياسيين من «هلامية المشهد السياسي»، وعدم وضوح خارطة البرلمان المقبل حتى الآن، بسبب خلافات الأحزاب حول التحالفات الخاصة بالانتخابات المزمع الانتهاء منها في الربع الأول من 2015، وبسبب الأعداد الكبيرة والمهمة ممن ينوون الترشح بعد أن كانوا في السابق إما نوابا في الحزب الوطني الديمقراطي الذي ثار عليه المصريون في يناير 2011، أو نوابا مما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي» الذي لفظ الشعب طريقته في الحكم في ثورة 30 يونيو 2013.
ومع هذا يبدو من النقاشات والخطط والتوقعات، التي يجري تداولها في القاهرة، أن المرحلة المقبلة ستشهد إنتاجا لـ«حزب قوي»، بحيث يجري اختيار مؤسسيه من بين النواب الذين سيفوزون في الانتخابات، على أن يكون هذا هو الحزب الذي ستعتمد عليه مؤسسة الرئاسة في دعم الحكومة التي يختارها الرئيس وتمرير ما يريده من قوانين وقرارات وتعديلات دستورية وغيره.
ويتفق العديد من السياسيين الموالين للسيسي مع هذا الاتجاه، ومن بينهم محمود نفادي، المتحدث باسم «تحالف نواب الشعب»، وهو تحالف يضم نوابا سابقين من الأحزاب ومن المستقلين، ويسعى لتمثيل قوي في البرلمان المقبل.
وكان رؤساء مصر، فيما مضى، يترأسون الأذرع المدنية للكيانات التي يعتمدون عليها في الحكم، وفي قرارات البرلمان. وكان آخرها الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه الرئيس الأسبق مبارك، وشغل نجله جمال موقع الأمين العام المساعد للحزب لشؤون السياسات.
لكن الدستور الجديد، الذي أقره المصريون مطلع هذا العام، حظر على رئيس الدولة في مادته رقم 140 الانخراط في أي عمل حزبي، وقال «لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».
ويعود العميد «العمدة» ليعلق على هذه النقطة، قائلا إن الرئيس، وقبل أن يفوز في انتخابات الرئاسة، وحتى قبل الدستور الجديد، أعلن أنه لن ينتمي لأي حزب، وقال إن «الشعب هو حزبي».
ويضيف: أما أسلوب اتخاذ القرار في البرلمان المقبل فسيؤكد أن «كل النواب يثقون في الرئيس وسيتخذون القرارات التي تصب في صالح مصر، ومن لديه وجهة نظر سيطرحها، والبرلمان يقر أو لا يقر هذا الكلام»، مشيرا إلى أنه توجد ثقة في وعي الشعب الذي «قام بثورتين وحبس رئيسين خلال أقل من 4 سنوات». وسيتكون البرلمان المقبل من 567 نائبا من بينهم 420 بنظام الانتخاب الفردي و120 بنظام القوائم، و27 يجري تعيينهم بمعرفة رئيس الدولة وفقا للدستور. ويضيف المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، إن النواب الذين سيجري تعيينهم من الرئيس «سيغطون التخصصات النادرة المطلوبة».
لكن عدد مَنْ سيعينهم الرئيس، في رأي السياسيين، قليل للغاية، ولا تزيد نسبته عن 5 في المائة من إجمالي النواب المنتخبين. وهنا يتساءل محمد راضي، أحد شباب ثورة 30 يونيو، بعد أن استمع لمناقشات عن مستقبل علاقة البرلمان بمؤسسة الرئاسة: مَنْ يضمن أن تتخذ الأغلبية القرارات التي تتماشى مع توجهات رئيس الدولة في السياسة والاقتصاد والأمن، سواء بالنسبة للقرارات المفصلية التي تتطلب أغلبية الثلثين أو بالنسبة للقرارات العادية التي تتطلب أغلبية النصف زائد واحد؟
ويجيب العميد عادل العمدة مرة أخرى قائلا: «نحن تعلمنا في القوات المسلحة أنه قبل أن ننفذ أي شيء، لا بد أولا من القيام بإجراء تقدير للموقف من أجل استيعاب كل الجوانب.. ما هي المعطيات وما هي الإمكانيات. وفي حال كانت الإمكانيات أقل من التحديات، نلجأ لطريقة التطويع من أجل استيعاب كل التحديات والتغلب عليها».
ويضيف: «لن نترك الأمور للاجتهاد لأناس هم في الحقيقة مجرد أبواق إعلامية تستهدف استنزاف الدولة وهدمها. ليست لدينا مثل هذه الرفاهية الآن».
وبالنسبة لكثير من السياسيين فإن الأمر ليس بتلك البساطة. ويأتي هذا وسط توقعات بأن يفوز 200 أو 300، أو أكثر، من النواب السابقين من حزب مبارك ونجله جمال، في البرلمان الجديد.
ودارت مثل هذه التكهنات والمخاوف في أروقة بعض الأحزاب وبعض الدوائر الأمنية، خاصة بعد أن خرجت تسريبات تتحدث عن أن رموز الحزب الوطني الكبار سيعودون بقوة مثل الملياردير أحمد عز، الذي كان يشغل موقع أمين تنظيم الحزب حتى ثورة 2011.
ويقول الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، والمنسق العام لـ«تحالف العدالة الاجتماعية» الذي يضم 33 كيانا سياسيا، إنه لا بد أن يكون مع رئيس الدولة قوة سياسية منظمة.. «الواقع، اليوم، يؤكد أن الرئيس معه قوى جماهيرية، لكنها ليست منظمة في كيان سياسي محدد المعالم.. جنوده السياسيون غير واضحين»، مشيرا إلى أن كل الاحتمالات مفتوحة، بما في ذلك ما يقال عن محاولات رجال جمال مبارك العودة إلى الساحة السياسية من جديد.
واقترنت هذه المخاوف بسؤال ليست له إجابة قاطعة على ما يبدو حتى الآن، وهو: هل سيتعاون نواب حزب مبارك، حال فوزهم في البرلمان الجديد، مع الرئيس السيسي، أم سيحاولون التحالف مع نواب آخرين، بمن فيهم من سيفوز من تيار الإسلام السياسي، لتشكيل جبهة معارضة أو تكتل ذي أغلبية تمكنهم من تشكيل الحكومة، بعيدا عن اختيارات الرئيس، وهو حق منحه الدستور الجديد للبرلمان.
وتحدث أحد المصادر القريبة من دوائر صناعة القرار عن وجود «إدراك عميق لدى الدولة» لمثل هذه الاحتمالات التي يمكن أن تخلق نزاعا بين سلطات البرلمان وسلطات الرئيس مستقبلا، ولهذا، كما يقول «جرى وضع ضوابط صارمة للحيلولة دون عودة من ثار عليهم الشعب إلى البرلمان مرة أخرى».
ومن بين هذه «الضوابط الصارمة» التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية والتي اعتمدها الرئيس السيسي قبل يومين. ويقول مسؤول سابق في حزب مبارك إن هذا التقسيم، على سبيل المثال، تسبب في خروج 3 كتل تصويتية مهمة في دائرة رجل الأعمال أحمد عز الذي يوصف بأنه أحد أهم المقربين من نجل الرئيس الأسبق.
كما أدى التقسيم الجديد للدوائر، وفقا للمصادر نفسها، إلى تفتيت الكتل التصويتية التي كان يعتمد عليها كل من نواب حزب مبارك ونواب جماعة الإخوان ونواب التيار السلفي.
وعلى سبيل المثال أيضا، كانت مناطق «الدخيلة والعامرية وبرج العرب» الواقعة في غرب مدينة الإسكندرية، دائرة انتخابية واحدة لها مقعدان في البرلمان، وكان يتقاسم هذين المقعدين الحزب الوطني وتيار الإسلام السياسي. وفي التقسيم الجديد أصبحت المنطقة تضم 3 دوائر ولها 5 مقاعد في البرلمان.. «وبالتالي فإمكانية فوز نواب من الوطني أو الإخوان أو السلفيين أصبحت أقل، في مقابل فرص أكبر لفوز وجوه جديدة ليست من تلك التي قد يكون لديها حنين للماضي».
ويقول محمود نفادي: «من يتحدث عن أن البعد الأمني وراء تقسيم الدوائر بالطريقة الجديدة، كما يزعم بعض السياسيين، أقول لهم إن البعد الأمني أصبح مطلوبا في كل شيء في مصر، لأن البرلمان المقبل، وهذه المرحلة التي تمر بها البلاد، ما زالت مرحلة انتقالية.. ما زلنا نريد أن نعبر إلى بر الأمان وإلى الاستقرار».
ومع هذا يشعر رجال أحزابٍ من المتحمسين لبناء مرحلة مختلفة عن السابق، بخطر النشاط الذي يقوم به في الوقت الراهن العديد من الطامحين للترشح للبرلمان، سواء من حزب مبارك الذي جرى حله في أبريل (نيسان) عام 2011 بحكم المحكمة، أو من الإسلاميين، من أجل توفيق أوضاعهم مع النظام الجديد للدوائر، ومع المتغيرات المستحدثة للعملية الانتخابية برمتها.
ويبلغ عدد الناخبين نحو 55 مليونا، غالبيتهم من الفقراء وأبناء العائلات والقبائل. وتقول التقارير الأمنية إن معظم هؤلاء يصوتون لأبناء دوائرهم دون الالتفات عادة لتوجهاتهم السياسية أو الحزبية.
كما يعتمد كثير من رجال الأعمال على أصوات عمال المصانع والشركات في الدوائر التي يترشحون فيها، مثل دائرة أحمد عز، الذي طالبه عمال مصانعه في مدينة السادات، الأسبوع الماضي، بالترشح لخوض الانتخابات عقب خروجه من السجن، حيث كان يحاكم في قضايا بتهم فساد مالي.
وفي حساب بسيط لعدد الذين ينتمون لحزب مبارك ممن يتوقع لهم أن يخوضوا الانتخابات النيابية المقبلة، يمكن، كما يقول أحد المسؤولين الأمنيين، أن يشكل الرقم أكثر من نصف مقاعد البرلمان، وهو رقم مؤثر في تكوين السلطة السياسية والرقابية لهذا المجلس التشريعي.
لكن نفادي يقول إن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن.. ويوضح: «العديد من الأحزاب تمكنت بالفعل من الاتفاق مع مرشحين من الحزب الوطني لكي يدخلوا البرلمان باسم تلك الأحزاب، لأن مثل هؤلاء المرشحين قادرون على حصد المقاعد، لكن في حال فازوا بالفعل، فإنهم سيعملون في البرلمان كنواب للدولة المصرية، وليس لهذا الحزب أو ذاك».
وتشبه وجهة نظر «نفادي» هذه ما ذهب إليه مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أي افتراض «حسن النية» في نواب البرلمان المقبل، إلا أن الدكتور زهران، وهو نائب سابق أيضا، وكان معارضا لمبارك، يرى ضرورة وجود «كيان سياسي» واضح المعالم منذ البداية «حتى لا نترك الأمر للمفاجآت في هذه الظروف الصعبة».
ويقول إن مسألة وجود سند سياسي واضح المعالم، للرئيس، وله قنوات اتصال مع الرئاسة، أمر مهم في تاريخ حكم الرؤساء المصريين منذ عام 1952، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الناصر أسس ما يعضد حكمه، ومنها ما كان يعرف بـ«الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي» في بداية ستينات القرن الماضي.
ويضيف أنه بعد تولي الرئيس السادات الحكم كان لديه أيضا أذرع سياسية لكي يحكم من خلالها كان منها «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وكان منها «المنابر» التي أسسها عام 1976، ثم اعتماده على نواب حزب مصر العربي الاشتراكي في البرلمان.
ولم يكن السادات رئيسا للحزب الحاكم وقتها (حزب مصر العربي الاشتراكي) أثناء مفاوضات السلام مع إسرائيل، بل كان رئيسه ممدوح سالم رئيس الوزراء الأسبق، ولهذا اصطدم السادات مع هذا الحزب بسبب مساعي السلام مع تل أبيب، مما تسبب في صدام مع رئيس الدولة وأسفر عن استقالة 75 من أعضائه في البرلمان.
ويزيد زهران موضحا أن السادات عقب الصلح مع إسرائيل، أسس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي ترأسه مبارك بعد توليه الحكم عام 1981. ويبدو مبنى الحزب الوطني المحترق كئيبا حين تطل عليه من أعلى جسر السادس من أكتوبر المزدحم بالسيارات. ترى السخام المتبقي من ألسنة النار والدخان، يغطي الجدران والنوافذ والشرفات. ومنذ حرقه ونهب محتوياته على يد ألوف المحتجين في مطلع 2011، لم يقترب أحد من مكاتبه المهجورة وطوابقه التي تطل على النيل، بعد أن كانت يوما أحد أهم المقار السياسية في البلاد.
ومن أعلى هذا الجسر يمر جورج إسحاق، منسق حركة كفاية، التي كانت أول من نظم مظاهرات ضد تمديد مبارك لولايته وضد مزاعم خلافة ابنه جمال له في الحكم. وكانت الحركة تحمل شعار «لا للتمديد ولا للتوريث». ويقول إسحاق البالغ من العمر أكثر من 60 عاما، إن الحزب الوطني كان حزبا نفعيا.. كان يزعم أن لديه 3 ملايين عضو، لكن حين جرى حرق مبناه لم يدافع عنه أحد. ولا يتوقع إسحاق أن ينتخب المصريون رموز حزب مبارك مرة أخرى.
لكن نظرية إسحاق ربما لن تكون قاطعة، مقارنة بما يظهر يوما بعد آخر من استعدادات لرموز حزب مبارك، ممن يستعدون لخوض الانتخابات، ويعلقون لافتات التهاني ويقدمون العطايا الخدمية والوعود بمستقبل أفضل. ومن بين هؤلاء رجال أعمال كبار في مجال إنتاج وصناعة وتمويل شركات للحديد ومصانع للسيراميك والأسمنت والسيارات والأجهزة الكهربائية، وغيرها من قنوات تلفزيون وصحف ومواقع إخبارية مؤثرة على الإنترنت.
ويقول ياسر فراويلة، وهو سياسي مستقل، من محافظة الإسكندرية، وكان يعتزم خوض انتخابات الرئاسة في عام 2012، إن المخاوف التي يراها في دائرته الانتخابية (المنتزه) ليست من عودة بعض مليارديرات حزب مبارك، ولكن «من ردة فعل الناخبين تجاه عودتهم»، مشيرا إلى أن المخاوف من عودة نواب حزب مبارك «لها مبرراتها لأن الوضع في البلاد لم يهدأ بعد مما حدث من تجربة حكم جماعة الإخوان»، متوقعا انحسار المنافسة في هذه الدائرة بين نواب حزب مبارك والتيار السلفي.
ويعكس الصراع المبكر في دائرة ياسر فراويلة الانتخابية بالإسكندرية شكوكا حول طبيعة التحالفات المقبلة. ويقول: «تجري تربيطات قوية هنا.. الحزب الوطني تجاهل حزب النور (السلفي)، والمفاجأة التي قد تحدث هي تحالف الإخوان مع نواب مبارك نكاية في حزب النور الذي يتهمونه بأنه تخلى عن الجماعة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي». ويتخوف أيضا من لجوء المرشحين لـ«الإنفاق المالي الكبير لاجتذاب الناخبين».
واقترنت العملية الانتخابية في مصر في العقود الماضية بما يعرف بـ«شراء أصوات الناخبين» عن طريق سماسرة الانتخابات. وتوجد العديد من الطرق المبتكرة منها «الصوت الطائر».
ويقول أحد مراقبي الانتخابات ويدعى حسين عاشور: «الصوت الطائر يعتمد على الناخبين المعوزين في المناطق شديدة الفقر وهي كثيرة.. يدخل الناخب الذي لديه استعداد لبيع صوته، إلى لجنة الاقتراع، ويأتي بالصوت فارغا دون أن يؤشر عليه ودون أن يضعه في الصندوق.. وحين يسلمه لسمسار الانتخابات في الخارج بمقابل مادي، يصل أحيانا إلى مائتي جنيه، يقوم السمسار بالتأشير على اسم المرشح المطلوب، ويعطي الصوت لناخب آخر بشرط أن يضعه في الصندوق ويأتي بصوت فارغ جديد، ويعطيه ثمنه، وهكذا».
ويضيف عاشور أن من الطرق الأخرى السهلة «قيام الناخب بتصوير الصوت، بكاميرا هاتفه المحمول، قبل أن يضعه في الصندوق، وبعد أن يخرج يقدم الدليل على اختياره للمرشح المطلوب لكي يحصل على المقابل المادي من السمسار».
ويشير عاشور إلى أن هذه الظاهرة كانت قد اختفت أثناء الاستفتاء على دستور 2014 وأثناء الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها السيسي، بعد أن شعر غالبية الشعب بأهمية الأصوات وما يترتب على نتائج الانتخابات من نتائج سياسية وأمنية واقتصادية تنعكس على حياتهم، كما حدث بعد انتخاب برلمان الإخوان ومرسي.
ويتوقع عاشور أن تعود ظاهرة بيع الأصوات مجددا، مع الانتخابات المقبلة. ويقول: «زيادة الفقر يقابلها قدرة كبيرة على الإنفاق المالي من جانب المرشحين.. حتى لو لم يكن هناك شراء للأصوات الانتخابية، إلا أنك إذا كنت مليونيرا، وأقمت مركزا طبيا لخدمة الفقراء في دائرتك، فهذا يزيد من حظوظك في جمع أصوات الناخبين ودخول البرلمان، بغض النظر عما إذا كنت من نواب حزب مبارك أو من النواب الإسلاميين. مسألة التوجه السياسي للمرشح ما زالت تحتاج إلى وعي شعبي وإلى أحزاب قوية».
ومن جانبه يعود فراويلة ويقول وهو يشرح الوضع في دائرته: «الصورة المتوقعة على مستوى محافظة الإسكندرية وغيرها من الدوائر الانتخابية في محافظات الوجه البحري، تقول إن الصراع على مقاعد البرلمان سينحصر بين نواب مبارك والسلفيين».
إلا أن جورج إسحاق يقول وهو يجيب عن فرص نواب «الوطني» السابقين: «لا أعتقد أنه سيكون لديهم فرصة كبيرة، لأنه يوجد حكم قضائي يمنع عليهم الترشح للبرلمان، ولدينا أسماء كاملة بهم جميعا، ولدينا وثائق تعلن فسادهم. وبالتالي لا أعتقد أنهم سيحصلون على أي شيء ذي أهمية».
ويبدو أن إسحاق وعددا من السياسيين الآخرين في العاصمة، ما زالوا يتحدثون عن حكم صدر في السابق وجرى إلغاؤه من المحكمة لاحقا، لأن الدكتور شوقي السيد، الفقيه الدستوري والقانوني، والذي كان نائبا مستقلا بالبرلمان، يوضح أن حكم منع ترشح نواب «الوطني»، الذي يتحدث عنه بعض الساسة اليوم «جرى الاستئناف عليه أمام القضاء وتم إلغاؤه. كما أن القضاء سبق وقال إن حل الحزب الوطني لا يعني حرمان أعضائه من الترشح.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد رجب، آخر زعيم للأغلبية للحزب الوطني بمجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان السابق) في عهد مبارك، إن الحكم القضائي المشار إليه «ألغي بالفعل»، ويضيف قائلا إن الدستور الجديد منع أي عزل لأي أحد دون محاكمة.
ولا ينوي الدكتور رجب الترشح للانتخابات المقبلة.. «لكي نتيح الفرصة لوجوه شابة جديدة وليس بالضرورة أن تظل كل القيادات هي المستأسدة على طول الخط».
ويضيف بشأن الزخم الجاري في الإعلام المصري عن كثرة نواب الحزب الوطني (المنحل) ممن ينوون الترشح، أن «العدد ليس كبيرا كما يتردد، ولكن كلٌ يتخذ قراره بنفسه، بشأن خوض الانتخابات، وبالتالي عليه أن يدرس موقفه، وإذا رأى أن الناخبين يريدونه فليتقدم للانتخابات. وإذا رأى أنه ينبغي أن يعطي فرصة لمرشح آخر فهذا حقه».
ويجيب أحد نواب مبارك عن الدائرة الانتخابية بجنوب القاهرة حول خططه للترشح للبرلمان، قائلا: «الدستور يكفل لي هذا. لم أرتكب جرما.. الناخبون يحبونني، فما المانع؟!»
وعما إذا كان يقوم بالتنسيق مع نواب آخرين سابقين من حزب مبارك، يوضح أن «التنسيق مفتوح مع المرشحين المؤثرين، سواء كانوا من نواب الحزب الوطني القدامى، أو من المستقلين.. أما بالنسبة للتنسيق بعد الفوز في البرلمان، فهذا سابق لأوانه.. لا أحد يعرف الشكل الذي ستكون عليه خارطة المجلس النيابي المقبل»، مشيرا إلى أنه ونوابا آخرين من حزب مبارك ومن معارضيه اليساريين ومن المستقلين، شاركوا في ثورة المصريين ضد حكم الإخوان، وكانوا من الداعين لترشح السيسي للرئاسة.
ويوجد في مصر نحو مائة حزب، أغلبها تأسس بعد ثورة 2011، لكن للأسف، لم تتمكن الكثير منها من اختيار مرشحين من ذوي «الوجوه الجديدة» بل لجأت للتعاقد مع مرشحين ليترشحوا باسمها، وظهر أن هؤلاء من «الوجوه القديمة».
ويقول محمود نفادي: «بعض الأحزاب أصبحت تشتري المرشحين حاليا لكي يخوضوا الانتخابات المقبلة باسمها.. أحدها تعاقد بالفعل مع نحو 70 نائبا سابقا من نواب الحزب الوطني، سعيا للحصول على أكثرية في البرلمان المقبل.. هذه تعاقدات من نوع غريب تشبه تعاقدات الأندية الرياضية مع لاعبي كرة القدم». ويضيف نفادي أن «غالبية المستقلين الذين سيفوزون في هذا البرلمان سينضمون لحزب جديد كبير يوضع له تصور الآن، لكي يكون ظهيرا ومساندا للرئاسة، كما ستندمج فيه العديد من الأحزاب».



إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي مدعوم عربياً وترحيب صيني بالولاية الجديدة.

ويُعد إعلان تلك الولاية رسمياً بمثابة تقليص فعلي لذرائع الانفصال في شمال البلاد، حيث توجد بجوار الإقليم الانفصالي وتعزز فرص وحدة البلاد والاستعداد لأي مخاطر تهددها في المستقبل، وفق تقديرات خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وفي 30 أغسطس (آب) 2025، انتخب برلمان ولاية شمال شرق الصومال عبد القادر أحمد أو علي، رئيساً للولاية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2030، بعد فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات التي جرت في لاسعانود عاصمة الولاية.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، السبت، في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال، أو علي، ونائبه عبد الرشيد يوسف جبريل، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية».

وأضاف: «شمال شرق الصومال ولاية تابعة لجمهورية الصومال الفيدرالية، ولها جميع الحقوق التي تتمتع بها الولايات الأخرى في البلاد، وأدعو إدارة هرغيسا (الإقليم الانفصالي) إلى الاستجابة لرغبة إخوانهم في الشمال الشرقي في السلام والأخوة، فنحن لا نفترق، وقد أثبتنا ذلك»، داعياً المجتمع الدولي للتعاون مع حكومة شمال شرق البلاد، بحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» للبلاد السبت.

مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

وأدان الرئيس الصومالي في كلمته من العاصمة لاسعانود اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وحذَّر من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للصومال، مضيفاً: «أقولها بصوت عالٍ، إنه من المستحيل على إسرائيل أن تقيم حكومة في الصومال أو أن تنفذ استراتيجياتها التخريبية هنا».

وتعد لاسعانود عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي؛ فيما تعد زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023، فيما تضم ولاية شمال شرق الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

وسارع أرض الصومال، الإقليم المنفصل عن الحكومة منذ 1991، للرد؛ إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي جزء من أرض الصومال، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم الإعلان عن تأسيس الإدارة الإقليمية لشمال شرق الصومال، فإن مراسم تنصيب رئيسها جاءت في توقيت مهم بعد الاعتراف بأجزاء من الأقاليم الشمالية لجمهورية الصومال الفيدرالية، وفق ما يرى الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني، الذي أشار إلى أن حضور الرئيس إلى مدينة لاسعانود، عاصمة الإدارة الإقليمية الجديدة، يحمل رمزية سياسية وسيادية بالغة الأهمية.

وحملت مراسم التنصيب، بحسب كلني، رسائل سياسية وأمنية واجتماعية متعددة الاتجاهات، فقد وُجّهت رسالة مباشرة إلى إسرائيل مفادها أن وحدة الأراضي الصومالية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، كما وجَّهت المناسبة رسائل غير مباشرة إلى دول أخرى قد تكون تراقب المشهد من الخلفية، بهدف اختبار مدى تماسك الدولة الصومالية وردود فعل شعبها ومؤسساتها.

وجاءت تلك الزيارة وفقاً لـ«كلني»، ضمن مجمل التحركات الدبلوماسية التي انتهجتها الحكومة الصومالية خلال هذه المرحلة ضد خطوة أرض الصومال، بدءاً من الخطاب الحازم الذي ألقاه السفير أبو بكر بالّي أمام مجلس الأمن الدولي، مروراً بسلسلة الاتصالات والزيارات الرسمية المتتابعة إلى عدد من الدول، وصولاً إلى الخطابات المتعددة التي وجَّهها الرئيس حسن شيخ محمود وتؤكد عدم تفريط الحكومة الصومالية في الفرص السياسية والدبلوماسية التي أتاحتها هذه المرحلة الحساسة، لكبح أطماع بعض قيادات الإدارة الانفصالية في أرض الصومال، بما يضمن الحفاظ على سيادة ووحدة البلاد.

وكان مستوى المشاركة العربية والتركية في إعلان ولاية شمال شرق رسمياً، مستوى لافتاً، بجانب مشاركة رئيس البلاد ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري وكبار المسؤولين في الحكومة الصومالية ودبلوماسيين من عدة دول ووفود من الدول المجاورة في حفل تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال.

وبحسب «وكالة الأنباء الصومالية»، شارك في الحدث سفير تركيا لدى الصومال، ألبر أكتاش، وسفير السعودية، أحمد بن محمد المولد، وسفير السودان عبد الرحمن أفندي، بالإضافة إلى دبلوماسيين يمثلون دول الجوار والدول الصديقة، بجانب وفد من حكومة جيبوتي.

وهنأت السفارة الصينية لدى الصومال في بيان، الأحد، عبد القادر أحمد أو علي بمناسبة تنصيبه رئيساً لولاية شمال شرق الصومال خلال مراسم جرت في مدينة لاسعانود، عاصمة الولاية، ووصفت مراسم التنصيب بالناجحة، بحسب الوكالة ذاتها.

ويعتقد كلني أن مشاركة دول مؤثرة على الساحة الإقليمية والدولية، مثل تركيا ومصر والسعودية والسودان والصين، أمراً «يحمل دعماً واضحاً ومهماً للصومال ويسهم ضمن خطوات أخرى في إفشال المشروع الإسرائيلي في المنطقة، في مرحلة دقيقة تتطلب إسناداً دولياً واضحاً».


زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.