هل الصحافيون أبرياء؟

تقرير الكونغرس عن تعذيب «سي آي إيه» للمتهمين بالإرهاب

جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
TT

هل الصحافيون أبرياء؟

جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)
جون برينان المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية {سي آي إيه} أثناء مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ب)

حسب التقرير الذي أصدرته، في الأسبوع الماضي، لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عن تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) للمتهمين بالإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، سرب مسؤولون في الوكالة، بشكل غير قانوني، معلومات سرية إلى صحافيين أميركيين، لتأكيد نجاح الوكالة فيما كانت تقوم به.
وخصوصا عن برنامج «انهانسد انتيروغيشن» (استجواب متطور)، الذي وصفه تقرير الكونغرس بأنه كان «تورشار» (تعذيب). وفي الأسبوع الماضي، بعد صدور التقرير، استعمل الرئيس أوباما نفس الكلمة. وقال إن «التعذيب شيء غير أميركي». لكنه، ولجنة الكونغرس، قدم اعتذارا. أو دعا إلى تحقيق. أو محاكمة المسؤولين (طالبت بذلك لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة).
وبعد أن كانت الاتهامات تتبادل، منذ قبل صدور التقرير، بل منذ بداية عمليات «سي آي إيه»، بين سياسيين مؤيدين ومعارضين للعمليات، بعد صدور التقرير بدأت الاتهامات تتبادل بين الصحافيين في جانب، والسياسيين في الجانب الآخر، وفي الوسط، جواسيس سابقون في «سي آي إيه».
من بين أمثلة استغلال «سي آي إيه» للصحافيين الأميركيين أن مدير قسم العلاقات العامة في «سي آي إيه» اتصل مع رونالد كيسلار، مؤلف كتب، وكان مدير التحرير في صحيفة «واشنطن بوست». وطلب منه تغيير أجزاء في مسودة كتاب كان يكتبه، هو «حرب سي آي إيه» (صدر الكتاب عام 2008). وأن كيسلار أجرى «تغييرات جوهرية» في مسودة الكتاب. منها الآتي: «تقدر سي آي إيه» على أن تشير إلى سلسلة من النجاحات، وعشرات من المؤامرات التي أفسدت بسبب تكنولوجيا الاستجواب القسري.
وبعد يوم من صدور التقرير، سارع كيسلار، واتصل مع عدد من زملائه السابقين في صحيفة «واشنطن بوست» ليدافع عن نفسه. من بين الذين تحدث معهم بول فارهي، مسؤول الإعلام في الصحيفة. وقال له، في غضب: «فقدت لجنة الكونغرس مصداقيتها لأنها لم تقدم كل التفاصيل، ولأنها نشرت معلومات، وأخفت معلومات أخرى». وبرأ نفسه من الآتي:
أولا: خضع لتعليمات «سي آي إيه».
ثانيا: استغلته «سي آي إيه».
ثالث: أسهم في أكاذيب «سي آي إيه».
وهناك صحافي آخر، هو دوغلاس جيهيل، صحافي مع صحيفة «نيويورك تايمز». وقال عنه تقرير الكونغرس إن «مسؤولين من (سي آي إيه) اتصلوا معه، عام 2005، عندما كان يكتب تقريرا لصحيفته عن بلاك هولز (الحفر السوداء)». تشير هذه إلى سجون في دول عربية، وآسيوية، وأوروبية، أرسلت إليها «سي آي إيه» معتقلين بتهم الإرهاب، بهدف استجوابهم استجوابات قسرية.
وقال التقرير إن «الصحافي تعاون مع (سي آي إيه) وقدم لها معلومات مفصلة». وقال إنه سيكتب في تقريره إن أساليب الاستجواب القسرية كانت «مفيدة» لأنها وفرت معلومات كثيرة عن الإرهاب والإرهابيين.
قبل 4 سنوات، انتقل جيهي من «نيويورك تايمز» إلى «واشنطن بوست»، وهو الآن مدير القسم الخارجي فيها. وسارع، وأصدر بيانا صحافيا قال فيه: «عندما كنت مراسلا لشؤون الأمن الوطني في صحيفة (نيويورك تايمز)، وفي عام 2005، عملت بقوة لمتابعة ونشر قصص عن الاستجوابات القاسية التي كانت تمارسها (سي آي إيه) مع المتهمين بالإرهاب. أنا فخور بالعمل الذي كنت أقوم به مع زملائي في (نيويورك تايمز)».
وأضاف: «لكن، لم تتصل بي لجنة الاستخبارات التي أعدت التقرير. وأيضا، لن أعلق على اتصالات أجريتها مع مصادر إخبارية، كنت وعدتها بالمحافظة على سرية اتصالاتنا».
وتحدث التقرير عن صحافي ثالث لم ينشر اسمه. وقال التقرير إنه، «في عام 2002، اتصل نائب الرئيس ريتشارد تشيني بالصحافي لم ينشر التقرير اسمه. وإن شيني أقنع الصحافي بعدم نشر اسم الدولة التي أرسل إليها أبو زبيدة، من قادة (القاعدة) وذلك لأن النشر ستكون له تداعيات أمنية. وسيجبر البلد المضيف على رفض قبول مزيد من المتهمين بالإرهاب».
بعد نشر تقرير الكونغرس عن «سي آي إيه»، سارع جيمس ريزين، صحافي سابق في صحيفة «نيويورك تايمز»، وقال إنه هو الصحافي الذي اتصل معه نائب الرئيس. وإن الدولة هي تايلاند. واعترف ريزين أن صحيفة «نيويورك تايمز»، نعم، لم تشر لذلك في ذلك الوقت.
ولم يقل ريزين شيئين:
أولا: إذا كان ذلك بسبب دور نائب الرئيس. (في وقت لاحق، نشرت الصحيفة اسم البلد، تايلاند، ولكن، بعد أن نقل منها أبو زبيدة).
ثانيا: إذا اتصل نائب الرئيس بشخص آخر في الصحيفة.
وفعلا، أصدر آرثر سولزبيرجر، ناشر الصحيفة، بيانا قال فيه: «كانت هناك مناسبات عندما قررت (تايمز) عدم نشر موضوع معين. وذلك، بعد جمع معلومات مؤكدة، خوفا من أن يؤدي إلى نشر مخاطر في حياة الناس المعنيين، أو غيرهم».
واختتم قائلا: «تظل سياستنا هي دائما نشر الخبر بأسرع فرصة ممكنة. على أن نفعل ذلك في حكمة وتأن».
وفهم من البيان شيئان:
أولا: نائب الرئيس شيني اتصل مع الناشر.
ثانيا: لم يرفض الناشر الطلب.
وسارع دين باغيت، رئيس تحرير الصحيفة في الوقت الحاضر، وقال إنه «لم يكن موجودا» عندما حدث هذا. وقال إن بيان الناشر «يوضح كل شيء».
ثم دخل على الخط جاسوس سابق: «خوسيه رودريغيز. كان مدير قسم مكافحة الإرهاب في (سي آي إيه). وقبل ذلك عمل لسنوات في الشرق الأوسط كجاسوس سري. ودافع عن استجواب المتهمين بالإرهاب استجوابات قاسية وظل يدافع حتى يومنا هذا». وقبل 3 سنوات، أصدر كتاب: «إجراءات متشددة: كيف أنقذت التحقيقات القاسية أرواح الأميركيين».
قال الجاسوس، الذي تقاعد: «كلنا اندفعنا في البداية: سياسيون، وصحافيون، وجواسيس». وأضاف: «وافق على الاستجوابات المتشددة كبار المسؤولين، ونفذها كبار الجواسيس، وكتب عنها كبار الصحافيين».
وأضاف: «إذن برنامج الاستجواب المتشدد من قبل أعلى المستويات في الحكومة الأميركية. وصدر قانون عنه من وزارة العدل».
وقال إنه «إذن لبرنامج الاستجواب المتشدد من قبل أعلى المستويات في الحكومة الأميركية. واطلع قادة لجان الاستخبارات في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وكل من قادة الحزبين في الكونغرس، على هذا السياسات. وأنه اشترك في كثير من هذه المرات. وأن عدد الاجتماعات كان أكثر من 40 اجتماعا بين عامي 2002 و2009».
وها هم الآن «يتبرأون» منها.
وقال إنه في عام 2002، كتبت السيناتور دايان فينشتاين في صحيفة «نيويورك تايمز»: «كانت هجمات 9 / 11 صحوة حقيقية. من الآن فصاعدا، لن يكون أي شيء عملا معتادا. إن التهديد عميق ويجب علينا، مضطرين، أن نفعل بعض الأشياء التي كنا، تاريخيا، لا نرغب في أن نفعلها» (تقصد تعذيب المعتقلين للحصول على معلومات لمنع هجمات إرهابية جديدة).
وقال الجاسوس السابق: «أصدر السياسيون القانون (المتشدد)، ونفذناه نحن، ولم يعترض الصحافيون».
في الحقيقة، لم تعترض صحف أميركية على تعذيب المعتقلين. ورضخ الصحافيون الذين كتبوا لما جاءهم من الحكومة من «نصائح» و«ملاحظات» وبهذا، لم يختلف الصحافيون عن السياسيين والجواسيس.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.