البولندي توسك «ابن النجار».. رئيسا للاتحاد الأوروبي

أول شخصية من أوروبا الشرقية تتولى هذا المنصب الرفيع

البولندي توسك «ابن النجار».. رئيسا للاتحاد الأوروبي
TT

البولندي توسك «ابن النجار».. رئيسا للاتحاد الأوروبي

البولندي توسك «ابن النجار».. رئيسا للاتحاد الأوروبي

عاصفة من التصفيق كانت هي رد فعل الحضور، داخل المجلس الوزاري الأوروبي ببروكسل، عندما تحول البولندي دونالد توسك، الرئيس الجديد للاتحاد الأوروبي، من التحدث باللغة الإنجليزية إلى الفرنسية، حتى ولو بعبارات قصيرة. كأنه أراد أن يرد على المشككين الذين انتقدوا اختياره للمنصب بسبب عدم إجادته للغتين الفرنسية والإنجليزية. حدث ذلك أثناء الاحتفال بعملية تسليم وتسلم رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، قبل أيام في بروكسل. وجرى انتخاب توسك رئيسا للاتحاد الأوروبي في أعقاب انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو (أيار) الماضي. وسيعمل توسك إلى جانب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ورئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز، لإدارة شؤون الاتحاد الذي يضم 28 دولة أوروبية.
يخلف توسك الرئيس المنتهية ولايته للاتحاد هيرمان فان رومبوي، الذي يترك منصبه بعد 5 سنوات فيه. يذكر أن رومبوي رئيس وزراء بلجيكا السابق هو أول رئيس دائم للاتحاد الأوروبي.
ووعد توسك رئيس وزراء بولندا السابق، في خطاب تنصيبه، بالعمل بقوة وتصميم من أجل تنشيط الاقتصاد والدفاع عن الاتحاد الأوروبي من التهديدات الخارجية والداخلية. وقال إن «الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مسؤولة عن المزيد من اندماج اقتصادات الاتحاد». وأضاف أن «اليورو ميزة لدينا وليس عيبا»، رغم أن بولندا لم تنضم إلى العملة الموحدة حتى الآن. كما اعتبر توسك العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أولوية قصوى بالنسبة له.
ويخوض الجانبان الأميركي والأوروبي مفاوضات تستهدف عقد اتفاقية للشراكة التجارية والاستثمارية بين جانبي الأطلسي، حيث تواجه المفاوضات صعوبات كبيرة. وقال توسك «العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة هي العمود الفقري لتجمع الديمقراطيات»، مضيفا «العام المقبل سيكون حاسما» بالنسبة لمستقبل العلاقات بين جانبي الأطلسي.
رومبوي أشاد بخليفته توسك الذي بدأ حياته السياسية كناشط مناوئ للشيوعية في بولندا قبل انهيار الكتلة الشيوعية في أوروبا أواخر الثمانينات في القرن العشرين. وقال فان رومبوي قبل تسليم توسك الجرس الرمزي الذي يستخدم لبدء قمم الاتحاد الأوروبي «لقد أصبح الابن المفضل لبولندا على رأس أهم مؤسسة في الاتحاد الأوروبي».
وتوسك هو أول شخصية من أوروبا الشرقية يتولى هذا المنصب، وهو يتسلم مهامه في فترة توتر مع روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية. وقال خلال حفل التسلم والتسليم إن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديا «من الأعداء». وأضاف «لقد عادت السياسة إلى أوروبا. وعاد التاريخ».
توسك، الذي ولد في 22 أبريل (نيسان) في 1957 في غدانسك التي انطلقت منها نقابة تضامن، ليبرالي معروف. وهذا المؤرخ الذي يهوى رياضة كرة القدم وصل إلى السلطة عام 2007 خلفا للأخوين المحافظين كاتشينسكي. وقد عين في نهاية أغسطس (آب) رئيسا للمجلس بعد سبعة أعوام في رئاسة الحكومة البولندية.
وكما فعل يونكر، يريد توسك ممارسة الضغوط اللازمة لتجنب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو التهديد الذي لوح به رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مجددا عند الإعلان عن خطته حول الهجرة.
وتوسك ولد لأب يعمل في مجال النجارة وأم ممرضة، وسمته جدته باسمه الأول «دونالد» تيمنا بلورد إنجليزي كانت معجبة به، وهو أب لابن وابنه وحفيد كذلك. وكانت النشأة في غدانسك التي انطلقت منها نقابة تضامن البولندية. وميناء غدانسك غرب البلاد ظل لفترة طويلة موضع نزاع حدودي بين ألمانيا وبولندا. وتنتمي عائلته للأقلية الكاشوبية السلافية. وفي مراحله الدراسية الأولى توفي والده. وإثْر قمع النظام الشيوعي البولندي لإضراب واحتجاجات عمال حوض بناء السفن بميناء غدانسك عام 1970، انخرط توسك البالغ من العمر حينها 13 عاما في الأنشطة المعارضة للنظام.
التحق توسك عام 1976 بجامعة غدانسك، وأسس لجنة طلابية لنقابة عمال «تضامن» ردا على قتل طالب معارض للحكم الشيوعي بمدينة كاراكاو، وانتهت دراسته عام 1980. وتحمل توسك مسؤولية نفسه في سن مبكرة، فعمل بالبناء أثناء دراسته الجامعية، وامتهن الصحافة بمجلة أسبوعية بعد شهور من إضراب أغسطس (آب) 1980 بميناء غدانسك، وأصبح رئيسا للجنة التشغيل الممثلة بدار النشر. وتسببت أنشطة دونالد توسك المعارضة في طرده من دار النشر الحكومية، فاشتغل عاملا عاديا بين عامي 1984 و1989.
وبعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، أسس توسك حزب المؤتمر الليبرالي الديمقراطي الذي انتخبه رئيسا له عام 1991. وفي العام التالي دخل البرلمان البولندي للمرة الأولى. وفي الفترة بين عامي 1997 و2005 شغل دونالد توسك منصب نائب رئيس البرلمان. وإثر خسارته نزاعا على رئاسة حزب المؤتمر خرج منه وأسس حزبا جديدا هو المنتدى المدني. وشغل توسك بين عامي 2003 و2006 رئاسة كتلة حزب المنتدى بالبرلمان، وشكل في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 الحكومة البولندية بالائتلاف مع حزب الشعب البولندي وحزب الأقلية الألمانية باعتبار الثلاثة أصحاب أكبر المقاعد بالبرلمان المنتخب.
وتكرر تشكيل توسك للحكومة البولندية بعد فوز حزبه للمرة الثانية بانتخابات البرلمان عام 2011. وحسب تقارير إعلامية غربية فهو ليبرالي معروف، ويهوى رياضة كرة القدم ووصل إلى السلطة عام 2007 خلفا للاخوين المحافظين كاتشينسكي، وأصبح واحدا من الشخصيات السياسية البارزة في المشهد البولندي. تولى رئاسة الحكومة في البلاد لمدة سبع سنوات، قبل أن يتم تعيينه رئيسا لمجلس الاتحاد الأوروبي. ووصفه العديد من المراقبين بأنه قيادي صلب، ترأس حكومة بلاد تخوض مواجهة مع روسيا منذ بدء النزاع في أوكرانيا.
وتقول جانيس إيمانويلديس، من مركز السياسة الأوروبية في بروكسل، إن «توسك براغماتي.. إذا رأى ضرورة وفرصة للتفاوض مع روسيا، فسيقوم بذلك». وقالت إيمانويلديس «إنه يتمتع بخبرة طويلة ويعرف كيف يتواصل مع زملائه» لكن عليه أن «يتعلم كيفية التفاوض على المستوى الأوروبي»، وأضافت «إذا لم يكن على اطلاع على طريقة عمل الهيئات الأوروبية فيمكنه الاعتماد على مدير مكتبه اللامع بيوتر سيرافين وزير الخارجية البولندي السابق للشؤون الأوروبية».
ودونالد توسك يعرف جيدا المجلس الرئاسي الأوروبي، وقد شارك في اجتماعات القادة الأوروبيين منذ سبعة أعوام كرئيس لوزراء بولندا، وتربطه علاقات وثيقة بالمستشارة الألمانية ميركل، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون. وبفعل قدومه من أكبر بلد أوروبي شرقي ينظر إلى دونالد توسك وكأنه الشخصية التي تستطيع أن تؤثر بشكل إيجابي على الحلول التي قد تطرح من أجل حل الأزمة الروسية الأوكرانية.
ويقول محلل سياسي في بروكسل، إن «مواقف فان رومبوي اتسمت بالبحث المستمر عن الحلول التوفيقية، وتمكن من الحفاظ على توازنات دقيقة داخل الاتحاد الأوروبي طول أزمة اليورو، إلا أن توسك قد يتبنى بحكم انتمائه لبولندا وانحيازه لمواقف الدول الشرقية موقفا متشددا تجاه أهم معضلة تواجه الأوروبيين حاليا وهي العلاقات مع الجار الروسي.
ويتولى رئيس المجلس الأوروبي الإشراف على سير الاجتماعات الوزارية وترؤس قمم الاتحاد وتمثيل أوروبا في المحافل الدولية، وله حق القيام بمبادرات محددة عند الضرورة أو الدعوة لاجتماعات استثنائية وإصدار بيانات تتعلق بالسياسة الخارجية. ويرى المحللون أن تكليف أحد رعايا بولندا للمرة الأولى بمنصب رفيع المستوى في المؤسسات الاتحادية في بروكسل يعكس تنامي نفوذ الدول الشرقية التي انضمت تباعا للاتحاد الأوروبي منذ عام 2004 وباتت تمثل مجالا سياسيا واقتصاديا مهما.
يقول أحد المراقبين «يريد توسك أن ينقل العمل الأوروبي من خانة إدارة أزمة اليورو التي طبعت فترة فان رومبوي، إلى خانة التأثير على السياسة الدولية خاصة في مجل التعامل مع روسيا، وهو يتمتع بالإضافة إلى دعم دول البلطيق والدول الشرقية، التي يعبر عن مصالحها مباشرة بتأييد أيضا من قبل الدول الاسكندينافية والتي تدافع بقوة عن الشراكة الشرقية التي يعمل الأوروبيون على إرسائها مع الدول المتاخمة لروسيا، وهي جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان وأرمينيا ومولدافيا».
ويقول الأستاذ الجامعي بيوتر كاشينزكي، في المعهد الأوروبي للإدارة العامة، عن المزايا التي يتحلى بها الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي، إن «الرئيس السابق هيرمان فإن رومبوي كان سيد الحلول الوسط، وهذا من الأسباب التي دعت إلى اختيار دونالد توسك لترؤس المجلس الأوروبي، وقد كان رئيسا لحكومة بولندا وقائدا سياسيا، وسنعرف قريبا كيف سيقوم بمهامه الجديدة على رأس المجلس الأوروبي».
وعن أثر اللغة في عمليات التخاطب والتواصل مع القادة الأوروبيين، يقول بيوتر كاشينزكي «لقد أعلن دونالد توسك عن إرادته لتحسين إتقانه للغة الإنجليزية، لكن من المعروف أن الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي يتقن الإنجليزية بشكل كاف يمكنه من إيجاد سبل التوافق». وعن إجادة توسك للألمانية يقول الأستاذ الجامعي «هذا أمر مهم جدا، فلقد كان هيرمان فان رومبوي يفاجئ في المؤتمرات الصحافية بتحدثه بثلاث لغات، وربما فعل دونالد توسك الأمر ذاته فيتحدث بالبولندية والإنجليزية والألمانية».
وفي تعليق له على اختيار توسك للمنصب قال جوزيف داول، رئيس كتلة حزب الشعب الأوروبي داخل البرلمان الأوروبي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه مقتنع تماما بأن توسك ستكون له مساهمات هائلة في السنوات المقبلة في عمله كرئيس للاتحاد خاصة أنه نجح في قيادة بولندا على مدى سبع سنوات، وقد نجح في وضع بلاده في طليعة دول أوروبا، وسوف ينجح في قيادة المشروع الأوروبي الوحدوي جنبا إلى جنب رئيس المفوضية الجديد جان كلود يونكر. ولمح داول إلى أن تعيين توسك رئيسا لمجلس الاتحاد الأوروبي يظهر أن الأوروبيين يعتقدون فقط في أوروبا الموحدة والتي نجحت في التغلب على الانقسامات السابقة بين بلدان الشرق والغرب.
وأضاف «الأوروبيون لا يريدون جدرانا جديدة، وهناك دور لكل دول التكتل الأوروبي الموحد». وشدد داول على أن توسك سيواصل العمل الممتاز الذي بدأه هرمان فان رومبوي، وسوف يسهم في تعزيز المشروع المشترك لجميع الأوروبيين، وسيقود الاتحاد الأوروبي على طريق الانتعاش الاقتصادي والاستجابة لتحديات المستقبل، مثل تنفيذ سياسة الأمن والدفاع الأوروبية، وتعزيز دور الاتحاد الأوروبي كلاعب عالمي بالغ الأهمية.
ويقول داول إن توسك يواجه تحديا حيث إن سلفه رومبوي الذي تولى المنصب لمدة خمس سنوات يفخر بإنجازات هائلة قدمها للمشروع الأوروبي الوحدوي، واحتفظ بأوروبا على الطريق الصحيح. وقد استطاع أن يمضي قدما على الرغم من الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية، ولعب دورا مهما في إنقاذ اليورو والحفاظ على دول المنطقة معا، كما لعب دورا رئيسيا في تعزيز وخلق أداوت جديدة تسمح للاتحاد الأوروبي بمكافحة الأزمة الاقتصادية. وأضاف «اليوم يمكن القول إن هناك بعض التدابير والإصلاحات لا تزال بحاجة إلى أن تنفذ بالكامل، رغم أن الوضع الآن أفضل بكثير مما كان عليه في 2009، بفضل عمل فان رومبوي إلى جانب القادة والمؤسسات والحكومات في الاتحاد الأوروبي».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.