نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

رسائل في 600 صفحة تلقي أضواء جديدة على حياته واهتماماته

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

«صحوت من النوم فوجدتني مشهورا».. عبارة قالها الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي اللورد بايرون في مطلع القرن التاسع عشر عقب نشر قصيدته المسماة «أسفار تشايلد هارولد» (1812)، ولا تصدق هذه المقولة على أحد من أدباء القرن العشرين قدر ما تصدق على الروائي الروسي المولد ڤلاديمير نابوكوڤ (1899 - 1977).
كان نابوكوڤ مهاجرا تركت أسرته روسيا إلى أوروبا عقب قيام ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية. استقر أبواه أولا في ألمانيا، ودرس الابن اللغة الفرنسية والأدب الروسي بجامعة كمبريدج بإنجلترا قبل أن ينتقل للعيش في برلين (1937 - 1940) ويكتب رواياته وشعره باللغة الروسية في أغلب الأحيان. وفي 1940 هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية (حصل فيما بعد على جنسيتها في 1945) أستاذا للأدب الروسي بجامعة كورنيل. ومنذ ذلك الحين أصبح يكتب كل رواياته باللغة الإنجليزية. وما لبثت روايته المسماة «لوليتا» أن ظهرت في باريس عام 1955، فإذا به بين عشية وضحاها يغدو حديث النقاد والجمهور. وحظر تداول الرواية زمنا إلى أن أفرج عنها وأصبحت الآن تعد من كلاسيات الفن الروائي في القرن العشرين.
واليوم يظهر كتاب عنوانه «رسائل إلى ڤيرا» Letters to Véra يضم رسائل نابوكوڤ Vladimir Nabokov عن سلسلة «كلاسيات بنجوين» في أكثر من 600 صفحة، يضم رسائله إلى زوجته ويلقي أضواء مهمة على هذا الأديب الذي كانت أبرز اهتماماته في الحياة ثلاثة: الأدب، ولعب الشطرنج، ودراسة الفراشات والعثة.
ومن المفارقات أن المخرج الأميركي ستانلي كوبريك طلب من نابوكوڤ أن يكتب سيناريو «لوليتا» كي يحول الرواية إلى فيلم، ولكن كوبريك لم يرض عن سيناريو المؤلف، وعهد إلى آخر بكتابة السيناريو الذي نراه الآن مجسدا على الشاشة منذ عام 1962.
التقى نابوكوڤ بڤيرا سلونيم لأول مرة في مطلع مايو 1923 في حفلة خيرية راقصة في برلين، كان وقتها شاعرا يكتب باسم مستعار هو «سيرين» عندما تقدمت إليه فتاة ترتدي قناعا أسود (كانت حفلة تنكرية) وعبرت عن إعجابها بشعره الذي راحت تتلوه من الذاكرة، كان طبيعيا عند ذلك أن ينبهر بها، وعقب الحفلة خرجا يتمشيان في الشوارع حتى ساعة متأخرة من الليل، هكذا كان أول لقاء بينهما متسما بطابع المفارقة، كما يلاحظ الناقد دنكان هوايت: مشروع حب بين فتاة متنكرة وشاب يكتب تحت اسم مستعار!
بعد هذا اللقاء بوقت قصير رحل نابوكوڤ إلى جنوب فرنسا، اشتغل عاملا في مزرعة آملا أن يساعده العمل اليدوي الشاق على نسيان همومه: فقد قتل أبوه – وكان ينتمي إلى حزب ديمقراطي التوجه – في العام السابق وهو يحاول أن يحمي خصما سياسيا من الاغتيال، وكان محطم القلب؛ إذ تخلت عنه خطيبته التي رأى أبواها أنه لا ينتظره مستقبل طيب، وأقنعاها بفسخ الخطبة.
ظل لقاؤه بڤيرا ماثلا في ذاكرته، ومن فرنسا نظم قصيدة تصور الالتقاء بامرأة غامضة ترتدي قناعا على جسر فوق قناة، تقوم على جانبيه أشجار الكستناء، ونشر القصيدة في مجلة كان يعرف أنها من قرائها. وبعد ذلك بشهر كتب إليها أول رسالة منه يقول فيها إنه ليس معتادا على أن يتذوق أحد شعره، ولكنها – بلمسة واحدة منها – جعلته يحس بالثقة فيما يكتب.
لم يكن نابوكوڤ مخطئا حين كتب هذا، فقد كانت هذه بداية واحدة من أطول الشراكات في تاريخ الأدب، لقد ظلت ڤيرا – حتى موته في 1977 – حبيبته، وزوجته، وأم ابنه، ومعدة كتاباته للنشر، والباحثة التي تزوده بما يريد، ومترجمة أعماله إلى اللغات الأخرى، ومديرة شؤونه، ونصيرته، وحاميته، ومعاونته في الكتابة، شاركته حبه للصيد وتصنيف أنواع الفراشات. وحين ملأت إقرارها الضريبي في أميركا كتبت في خانة المهنة: «مساعدته». وحين قرر – في لحظة غضب ويأس – أن يحرق مخطوط رواية «لوليتا» أنقذت الرواية من أن تغدو طعمة للنيران. وقد سجل نابوكوڤ أنه رأى حلما كان فيه يعزف على البيانو بينما هي تقلب صفحات النوتة الموسيقية له.
صنعت ڤيرا ذلك كله بإنكار كامل للذات، وحتى قبل أن تلتقي به كانت تؤمن – من قراءتها لأعماله – بأنه أعظم كتاب جيله، وضحت بأي مطامح أدبية شخصية لها (كانت قد نشرت عدة ترجمات منظومة في مطلع عشرينات القرن الماضي) كي تكرس ذاتها لتحقيق مطامحه.
ورسائل نابوكوڤ التي تظهر الآن لأول مرة – مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية بأقلام أولغا ڤورونينا وبرايان بويد – تكشف عن تطور موهبته. وكان ابن نابوكوڤ – المدعو ديمتري – قد شارك في المراحل الأولى لإعداد هذا المجلد قبل أن تتدهور صحته ويتوفى في 2012.
إن نابوكوڤ يكتب هنا لأول وأهم قارئة له، ولكن المجلد لا يحوي للأسف ردود ڤيرا على خطاباته، فقد كانت حريصة على خصوصية علاقتهما إلى الحد الذي يجعلها تدمر كل رسائلها إليه، لقد كانت تشعر بأن كلماته هي وحدها الجديرة بالبقاء.
إن رسائل نابوكوڤ إليها في عشرينات القرن العشرين تسجل خطبه لودها وسنوات زواجهما السعيدة الأولى، أما أغلب الرسائل فمكتوبة في الفترة ما بين منتصف وأواخر عقد الثلاثينات حين كان نابوكوڤ بعيدا عنها يقضي أسابيع وأحيانا شهورا في باريس أو بروكسل أو لندن باحثا عن وظيفة ذات دخل يمكنه من إخراج أسرته من ألمانيا النازية. وفي مطلع الأربعينات اضطر للابتعاد عن زوجته حين اشتغل محاضرا في الولايات المتحدة الأميركية.
وأولى هذه الرسائل هي أغناها وأكثرها شاعرية، فنحن نراه هنا شاعرا شابا عاشقا ينادي محبوبته بمختلف أسماء التدليل، وهو أيضا يكتشف قدراته في كتابة النثر، ويجرب وقع كتاباته على قارئته، ومن جنوب فرنسا حيث قضى فصل الصيف، يكتب لها قائلا: «إنك الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أتكلم معه عن ظل سحابة أو عن أغنية فكرة وعن كيف أنني عندما خرجت للعمل اليوم ونظرت وجها لوجه إلى زهرة عباد شمس طويلة ابتسمت لي بكل بذورها».
غدت ڤيرا هي جمهوره وترمومتره الجمالي، يقول في خطاب آخر: «لست أستطيع أن أكتب كلمة دون أن أسمع الطريقة التي ستنطقينها بها»، وفي رسالة ثالثة: «لا أستطيع أن أتحدث عن هذا كله مع أحد غيرك».
وفي السنوات التي سبقت نشر أول رواية له، وعنوانها «ماري»، في 1926 نجده يبلور أفكاره عن الفن والأدب: «لقد أصبحت، على نحو متزايد، راسخ الاقتناع بأن الفن هو الأمر الوحيد المهم في الحياة، وإنني على استعداد لأن أتحمل عذابا كذلك الذي يوقعه الصينيون بأعدائهم في سبيل أن أقع على نعت واحد موفق»، ويعيد قراءة رواية الروائي الفرنسي فلوبير «مدام بوڤاري» واصفا إياها، على نحو لعله لا يخلو من مبالغة، بأنها «ألمع رواية في الأدب العالمي».
ورسائله في السنوات التي تلت ذلك أقرب إلى طابع كتاباته الروائية، وذلك حين يكتب من فرايبورغ بألمانيا واصفا الأبقار، أو يكتب من مقاطعة كنت بإنجلترا واصفا الأغنام. وفي مترو أنفاق لندن يصف السلالم الكهربائية المتحركة بأنها تصعد «مثل شلال حديدي». وفي ﭙاريس يتوقف ليصف برج إيفل.
وفي عقد الثلاثينات تغدو الرسائل أقرب إلى الطابع العملي؛ إذ يبحث نابوكوڤ عن عمل في باريس ولندن، ويسعى إلى استخراج جواز سفر، ويلاحق رؤساء التحرير والناشرين. ويذكر نابوكوڤ أن الأديب الآيرلندي جيمس غويس حضر إحدى القراءات التي قدمها نابوكوڤ من أعماله في 1937. ويصف غويس بأنه «أطول قامة مما كنت أظن، له نظرة محدقة مروعة كالرصاص». وكان نابوكوڤ يعد رواية غويس «يوليسيس» واحدة من أعظم 4 أعمال قصصية في القرن العشرين (الأعمال الأخرى هي في رأيه: النصف الأول من رواية الروائي الفرنسي مارسيل بروست «بحثا عن الزمن المفقود»، وقصة الروائي التشيكي كافكا «المسخ»، ورواية الشاعر والروائي الروسي أندريه بلاي المسماة «بطرسبرغ»)، ولكن ما أثار اهتمامه في هذه المناسبة هو حالة غويس البصرية: «إنه لا يستطيع أن يبصر البتة بإحدى عينيه، بينما بؤبؤ العين الأخرى (الذي يصوبه إليك بطريقة خاصة، لأنه لا يستطيع أن يديره) قد حل محله ثقب، وكان عليهم أن يجروا له 6 جراحات قبل أن يتمكنوا من ثقب البؤبؤ دون أن يحدثوا له نزيفا. ومن المعروف أن غويس، في أواخر أيامه، أصيب بالعمى الكامل.
ويصف نابوكوڤ غداء حضره مع الروائي الإنجليزي ھ. ج. ويلز، وجنازة الأديب الروسي زامياتين صاحب رواية «نحن» التي تعد من أول الكوابيس العلمية (مثل رواية أولدس هاكسلي «عالم جديد جميل» أو رواية ﭼورچ أورويل «1984»)، وكيف أنه في الجنازة سار بجوار القاص الروسي إيڤان بونين الذي بدا مثل «سلحفاة عجوز ضامرة»، «وقد قال لي بصوت كالفحيح، وكان مخمورا، إنه (أي بونين) يتوقع أن يموت وحيدا وفي غمرة عذاب أليم»، كذلك تكشف الرسائل عن أن نابوكوڤ لم يكن يحسن الظن بأدب المرأة الذي تنتجه الكاتبات.
وآخر هذه الرسائل مكتوبة من ثاورمينا في إيطاليا عام 1970، يعبر نابوكوڤ هنا عن سعادته بفخامة الفندق الذي ينزل فيه، وإن شكا من وجود عدد كبير من الألمان هناك، وفيما بعد أقام مع ڤيرا في فندق منتروبالاس بسويسرا ابتداء من عام 1966. وتولت ڤيرا مسؤولية مراسلاته كلها، وساعدته على رسم صورته العامة أمام الناس. صار معروفا بكبريائه إلى حد الصلف، وردوده المفحمة على من لا يروقه كلامهم. والأمر، كما يقول دنكان هوايت، إن «الشابة الغامضة التي كانت ترتدي قناعا في تلك الحفلة التنكرية – منذ 50 عاما – قد ساعدت زوجها على أن يرتدي قناعا بعد أن تسنم قمة المجد الأدبي!».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.