التصدي للإرهاب وتحسين عيش السكان.. أبرز محاور حملة الانتخابات الرئاسية في تونس

مراقبون: جل الوعود التي قدمها المرشحون غير قابلة للتحقيق بالنظر لظروف البلاد

جنود تونسيون يحرسون مدخل أحد مراكز الاقتراع في مدينة باجة أمس (أ.ف.ب)
جنود تونسيون يحرسون مدخل أحد مراكز الاقتراع في مدينة باجة أمس (أ.ف.ب)
TT

التصدي للإرهاب وتحسين عيش السكان.. أبرز محاور حملة الانتخابات الرئاسية في تونس

جنود تونسيون يحرسون مدخل أحد مراكز الاقتراع في مدينة باجة أمس (أ.ف.ب)
جنود تونسيون يحرسون مدخل أحد مراكز الاقتراع في مدينة باجة أمس (أ.ف.ب)

اعتبر العديد من المراقبين للشأن السياسي في تونس أن حملة الانتخابات الرئاسية، التي تجرى اليوم بتونس، كانت «حادة ومتشنجة»، مقارنة بحملة الانتخابات التشريعية التي جرت قبل نحو شهر. كما أبرزت التقاء أهم المرشحين حول عدة محاور، أبرزها التصدي للإرهاب، واستعادة هيبة الدولة، وإطلاق بعضهم وعودا «يعرفون مسبقا أنها غير قابلة للتحقيق بالنظر لظروف تونس ولإمكانياتها»، حسب قول أحد المتابعين، الذي اعتبر أن الأمر يعد من قبيل «الانحراف والتحايل على الناخبين».
ورغم أن الملف الاقتصادي والاجتماعي لا يدخل في باب صلاحيات رئيس الجمهورية، فإنه كان أحد أبرز المحاور التي ركز عليها المرشحون للرئاسة في حملاتهم الانتخابية، حيث استخدموه بشكل مفرط لإطلاق الوعود نحو الفئات الهشة، والتعهد بتحسين ظروف عيش التونسيين، والقضاء على التهميش الذي تعرفه العديد من الفئات في الجهات الداخلية.
ويرى قيس سعيد، أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، أن أغلب المرشحين استخدموا في حملاتهم الانتخابية الملف الاقتصادي والاجتماعي كبند رئيسي بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي تعرفها شرائح واسعة من التونسيين، وحاولوا استثمار هذا الوضع، واللعب على تطلع ورغبة التونسيين في تغيير هذا الوضع الصعب. وبين سعيد أن «أقصى ما يمكن لرئيس الجمهورية فعله في غير مجال اختصاصه وصلاحياته هو التقدم بمبادرات، يجب أن تحظى أولا بمصادقة الأغلبية النيابية في البرلمان التونسي»، وذلك في إشارة إلى حق المبادرة التشريعية التي يكفلها الدستور التونسي الجديد لرئيس الجمهورية، والتي تتيح له التقدم بمشاريع قوانين إلى مجلس نواب الشعب، وهو المعطى الذي استخدمه أكثر من مرشح عند تذكيره بمحدودية صلاحياته وضيق هامش تحركه، حيث وعد كل واحد بأنه «سيتقدم بمبادرات تشريعية للبرلمان لتحسين ظروف عيش الناس، والقضاء على التهميش، وتحقيق أسباب التنمية في الجهات، وضمان الرفاهية لكل الفئات، وغيرها من الوعود الأخرى».
ومن المآخذ الأخرى المسجلة على سلوك بعض المرشحين لرئاسة تونس خلال حملاتهم الانتخابية إطلاق البعض على نفسه صفات ونعوت تهدف إلى استدرار تعاطف الناخبين، من قبيل «مرشح الفقراء» و«مرشح المهمشين» و«مرشح الجهات المحرومة»، وهو ما عده البعض «تفريقا بين التونسيين وتغذية للانقسام، وتحاملا على فئات معينة من الشعب لغايات انتخابية ودون وجه حق». وانتقدوا بشكل خاص تصريحات بعض المرشحين التي اتهمت فئات معينة «بعدم دفع الضرائب وبالتحايل وتجاوز القانون»، ووعدوا بأنهم «سيأخذون من هؤلاء ليعطوا للفقراء».
كما بدا لافتا أن أغلب المرشحين قدموا وعودا انتخابية لكن من دون تقديم برامج مفصلة عن كيفية تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع، وهو ما انتقده العديد من الخبراء الاقتصاديين وداخل الأوساط المالية والاقتصادية، حيث وصف عدد منهم الحملة الرئاسية لبعض المرشحين بـ«الشعبوية» وبـ«محاولة استمالة الناخبين بكل الطرق ودون تقدير لتبعات هذا السلوك، وتغذية آمال سيكون من الصعب تحقيقها بالنظر للظروف الصعبة التي تعرفها البلاد على المستوى الاقتصادي».
وقال أحد الخبراء الاقتصاديين، الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، إنه «كان بإمكان المرشحين تقديم آراء وأفكار حول الوضع الاقتصادي، وليس وعودا انتخابية، لأنهم بهذا السلوك يعدون بما لا يملكون، كما أن أوضاع البلاد على المدى القريب لا يمكنها أن تحقق هذه الوعود».
وقدم عدد من المرشحين في حملاتهم، خاصة الوافدين من عالم المال والأعمال، وعودا حالمة للناخبين، وقالوا إنهم بمجرد انتخابهم لرئاسة البلاد ستتدفق على تونس الاستثمارات الخارجية، بحكم علاقاتهم خارج حدود تونس. كما تحدث بعضهم عن ضخ استثمارات للبلاد بمليارات الدولارات، ستتيح خلق آلاف فرص الشغل للشباب، لكن دون تقديم تفاصيل عن طبيعة هذه الاستثمارات، ولا مصدرها، وهو ما أثار استغراب جهات مهتمة بالاستثمار وتعرف جيدا استحالة تحقيق ذلك.
أما بخصوص وصف بعض الأوساط للحملة الرئاسية بـ«الحادة والمتشنجة»، حتى وإن لم تسجل أحداث عنف بين أنصار المتنافسين، خاصة بين أنصار الرئيس الحالي المرزوقي والمرشح الباجي قائد السبسي الذي فاز حزبه بالانتخابات التشريعية، واللذين ترشحهما أغلب الجهات لخوض الدورة الثانية من هذه الانتخابات، فقد جاءت بعض الخطابات «عنيفة» ولم تخل من الاتهامات والاتهامات المضادة. وقد انعكس هذا «العنف اللفظي» على صفحات التواصل الاجتماعي بين أنصار بعض المتنافسين، خاصة بين أنصار السبسي والمرزوقي، حيث نشطت بورصة الإشاعات وفبركة التصريحات والفيديوهات حول الخصوم، وهو ما رأت فيه بعض الأوساط «تدنيا للخطاب السياسي في هذه الحملة، وغياب لغة العقل والإقناع، والتركيز على إحراج الخصم ومحاولة إرباكه وحتى تشويهه، عوض تقديم برامج تلفت انتباه الناخب بصورة متحضرة وراقية». وبسبب ذلك اعتبر بعض الملاحظين هذا الأمر من أبرز نقاط ضعف هذه الحملة.
أما على مستوى المحاور التي ركز عليها المرشحون في حملتهم الانتخابية، فقد تمحورت بالخصوص على التصدي للإرهاب واستعادة هيبة الدولة، خاصة تحسين ظروف عيش التونسيين، حيث وعد أبرز المتنافسين بتجهيز قوات الأمن والجيش بشكل أفضل، وبالعناية بعائلات الجنود ورجال الأمن الذين يسقطون قتلى أو جرحى في مواجهتهم للإرهاب. أما بخصوص محور استعادة الدولة لهيبتها فقد ركز عليه بشكل خاص الباجي قائد السبسي، بالنظر لمظاهر التسيب التي أصبحت تعرفها تونس بسبب غياب احترام القانون، مما أثر بشكل سلبي على الأوضاع البيئية، وتردي الخدمات الموجهة للمواطنين، في مقابل تركيز المرزوقي على وجوب قطع الطريق على الاستبداد وعودة رموز العهد السابق.
لكن السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع بداية من مساء اليوم، مع بداية الإعلان عن النتائج الأولية، يدور حول ما إن كانت الوعود التي أطلقها المتنافسون، وبكثير من الكرم، ستؤتي أكلها بالنسبة لبعض المرشحين، أم أنها ستبرهن على أن التونسيين أصبحوا يدركون جيدا أن البلاد في حاجة لأكثر من مجرد وعود يعرف أصحابها، قبل غيرهم، أنه من الصعب تحقيقها، خاصة أن من أطلقوها لا يملكون صلاحية تحقيقها.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.