ماذا جنت السينما العربية من الحلم بالعالمية؟

مخرجون يطرقون الأبواب المواربة

الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
TT

ماذا جنت السينما العربية من الحلم بالعالمية؟

الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي

يتندّر بعض السينمائيين بحكاية لممثل عربي قام ببطولة فيلم أميركي الجنسية وحال بدء الحملة الترويجية للفيلم في أحد العواصم العربية اعتذر عن أنه لن يجري حوارا مع أي صحافي يعمل لصحيفة أو لمجلة ناطقة بالعربية. بما أن الصحف والمجلات غير الناطقة بالعربية لم يثرها الفيلم، وجد الممثل نفسه بلا مقابلات أو أضواء على الإطلاق.
ممثل آخر لعب دورا قدّمه جيّدا في فيلم تاريخي كبير من إخراج ريدلي سكوت. عاد إلى بلاده واعتبر نفسه غزا العالم بأسره ورفض، أيضا، الإدلاء بأحاديث صحافية ما لم تشاركه هذا الاعتبار. حين تأخر قيام هوليوود بتقديم عرض آخر له لفيلم ثان، صرّح بأنه هو الذي يرفض العروض لأنها تريد تشويه «صورة العربي». لاحقا ما ظهر في دور قرصان في مشهدين يقعان في نهاية الفيلم. الأول، له وهو جالس إلى طاولة اجتماعات، والثاني وهو واقف خلف بطل الفيلم. لا أذكر في أي من هذين المشهدين قال كلمة واحدة، ولا أذكر ما هي: هل هي «نعم» أو «لا».

* مشترو التذاكر
* الطموح مشروع والحلم كذلك. ما هو غير مشروع هو القفز في الهواء واعتبار أن الممثل حقق «العالمية» بمجرّد ظهوره في فيلم ما. أحد الممثلين الذين ظهروا في أكثر من فيلم «عالمي» يفهم اللعبة ويدرك أهمية التواضع، وهو عمرو واكد الذي شوهد مؤخرا يؤدي دور رئيس في البوليس الفرنسي في فيلم «لوسي» والذي يقول لنا:
«هي مسألة مخادعة. من ناحية قد يكون الفيلم عالميا بالفعل. وقد يكون دورك رئيسيا بالفعل، لكن هذا لا يكفي لأن تعتبر نفسك ممثلا عالميا. تراكم الأدوار في الأفلام العالمية سيضعك على الطريق الصحيح، لكن بالنسبة إلي أعتقد أن الممثل العالمي هو الذي يستطيع الإنتاج الاتكال عليه لجذب الجمهور إلى السينما وحتى الآن لا وجود لمثل هذا الممثل في السينما العربية. عمر الشريف كان أول وآخر ممثل من هذا النوع ولفترة معيّنة».
التعريف الذي يذكره الممثل المصري صحيح تماما ويكشف عن مفهوم العالمية الفعلي الذي يختلف عن مفهوم الكثيرين له.
العالمية ليست الظهور في دور في فيلم أميركي أو أوروبي، ولا حتى إخراج فيلم ناطق بغير لغة الأم وربما بتمويل غربي كما الحال في الكثير من الحالات. إنها الوضع الذي يؤول إليه المخرج أو الممثل (أو الكاتب أيضا) إذا ما استطاع اختراق نجاح تجاري كبير. لا يهم ما نوع الفيلم، ما رسالته، أين تقع أحداثه ومن هم المشاركون فيه، بل إذا ما كان المشاهد الأميركي والبريطاني والإماراتي والإيطالي والأسترالي سيشاهده أم لا. إذا ما كان الفيلم سينجز نجاحا بين مشتري التذاكر أولا وإلى حد بعيد.
في هذا الخصوص، ومع التقدير الكبير لأفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان ولموهبته هو ذاته وللنجاح النقدي الذي حققه عندما اشترك في مهرجان «كان» أكثر من مرّة، إلا أنه ليس مخرجا عالميا بالمعنى الكامل. الواقع، هو أن هذا الوصف تحقق مع مخرجين عرب قلّة بينهم الراحلان مصطفى العقاد ويوسف شاهين، وتحقق مع الأول أكثر مما تحقق مع الثاني كون العقاد أنتج سلسلة أفلام هالوويد التي جمعت مئات الملايين من الدولارات. وبذا لم يبلغ عربي النجاح الذي تحقق له بصرف النظر عن التقييم النقدي لأعماله مخرجا أو منتجا.

* شروط فعلية
* المخرج سام قاضي الذي حقق قبل 3 سنوات فيلمه الأميركي الطويل الأول «المواطن» والذي يستعد لتحقيق فيلمه الثاني قريبا، يضيف شروطا أخرى، إذ يقول لنا في هذا الصدد:
«الوصول إلى تحقيق الشهرة العالمية يحتاج إلى موهبة مميّزة وقدر كبير من الشجاعة ومعرفة واسعة وصبر عظيم. وعليك أن تتذكر أنك تتنافس مع كل العالم ما يعني أن الاحتمالات محدودة جدا ولو أنها ممكنة».
وهو يرى، من واقع تجربته وكونه يعيش ويعمل في الولايات المتحدة، أن التطور المبهر على صعيد قنوات التواصل التقنية جعلت العالم قرية صغيرة جدا: «هذا النمو يفيد صانعي الأفلام كثيرا من حيث قدرتهم على توسيع رقعة الجمهور وحجمه. حاليا، قد يتم اكتشاف مخرج شاب عبر شريط قصير يبثّه على (يوتيوب) فإذا به يصبح المخرج الساخن المقبل لهوليوود. لذلك فإن كلمة (عالمي) أصبحت أسهل وصولا بالنسبة للفنانين بصرف النظر عن هوياتهم».
لكن ماذا عن المخرجين العرب الذين ينطلقون صوب مهرجانات أميركية (مثل صندانس) وأوروبية (برلين، كان، فينيسيا الخ…) ماذا عن أحمد ماهر الذي عرض «المسافر» في فينسيا ويسري نصر الله الذي عرض أفلامه في «كان» و«تورونتو» (من بين أخرى) ونادين لبكي ورشيد مشهراوي ومحمد خان وهاني أبو أسعد وميشيل خليفي وحتى الكويتي خالد الصدّيق في أبهى أيامه عندما حقق في أواخر الستينات «بس يا بحر»؟ ماذا عن مخرجين عدّة في تونس (رضا الباهي) والجزائر (محمد لخضر حأمينا) والمغرب (نبيل عيوش)؟
كل هؤلاء، وسواهم كثيرون، أنجزوا أفلاما عرضت في المهرجانات وعرفت إعجابا نقديا جارفا. بعضهم، مثل الباهي ولبكي وأبو أسعد و(سابقا) مارون بغدادي، عرضوا أفلامهم في بعض الصالات التجارية خصوصا في فرنسا. السؤال هو إذا ما كان وصف «العالمية» يشملهم بالفعل.
الحال أن الشرط الفعلي للعالمية، وهو أن يصبح الممثل أو المخرج أو الكاتب، مطلوبا لذاته وذلك تعبيرا عن نجاحه في الوصول إلى الجمهور السائد، يجعل من الصعب اعتبار معظم الأسماء الواردة عالمية. هي معروفة لدى مبرمجي المهرجانات ولدى فريق من الجمهور الذي يؤم المهرجانات، لكن هذه المعرفة لا تؤمن الشرط الفعلي للعالمية.
على ذلك، فإن هناك تفاوتا في هذا الوضع.
رشيد بوشارب (الجزائري الأصل) ينجز أفلامه في فرنسا وبعضها تم إنجازه في بريطانيا («لندن ريفر») وآخرها في الولايات المتحدة («رجلان في المدينة») وكلها عرضت في مهرجانات وأحيانا في أسواق تجارية.
اللبنانية نادين لبكي عرفت نجاحا تجاريا كبيرا لفيلمها الأخير، كمخرجة، وهو «هلأ لوين»، كذلك فعل التونسي الأصل عبد اللطيف قشيش في العام الماضي بفيلمه «الأزرق أكثر الألوان دفئا». والفلسطيني هاني أبو أسعد حالفه النجاح عندما حقق فيلمه «الجنة الآن» قبل بضع سنوات.
على ذلك كلّه، المسافة ما زالت كبيرة بين أي من هؤلاء وبين العالمية بمفهومها الإعلامي والتجاري الواسع. بين نجاح التجربة الفردية ونجاح التجربة الشاملة.
وما يحدث في هذا النطاق على صعيد المخرجين، يحدث أكثر منه على صعيد الممثلين: هناك «نجم» عربي تحقق أفلامه نجاحا ما بين المغرب والبحرين، لكن لا وجود لمن يستطيع أن يبيع تذكرة واحدة في الغرب.

* على الطريق
* السينمائيون العرب (أو من ذوي أصول عربية) الذين حققوا انتشارا واسعا في الـ12 شهرا الماضية هم:
1 هاني أبو أسعد: مخرج فلسطيني وصل إلى ترشيحات الأوسكار الأخيرة.
2 عمرو واكد: ممثل مصري في أدوار أولى ومساندة آخرها عالميا «لوسي» أمام سكارلت جوهانسن.
3 جيهان نجيم: مخرجة مصرية حققت «الميدان» الذي وصل إلى ترشيحات الأوسكار في قسم الفيلم التسجيلي.
4 رشيد بوشارب: جزائري - فرنسي عرض «رجلان في المدينة» في مهرجان برلين.
5 هيام عبّاس: ممثلة فلسطينية تعيش وتعمل في باريس مثّلت في عدد كبير من الأفلام مؤخرا.



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.