مستشارة سابقة بالرئاسة تثبت بالوثائق لـ«الشرق الأوسط» مصرية «حلايب» وفق قواعد القانون الدولي

سكانها يشاركون في انتخابات الرئاسة والبرلمان.. ورئيس الوزراء المصري يعتزم زيارتها قريبا * الوقف السناري بالمدينة المنورة وقف عرقي.. وليس خرائط لحدود سياسية * مصدر سيادي يؤكد: الأمر محسوم على الأرض لصالح مصر ولا داعي للتصعيد

مستشارة سابقة بالرئاسة تثبت بالوثائق لـ«الشرق الأوسط» مصرية «حلايب» وفق قواعد القانون الدولي
TT

مستشارة سابقة بالرئاسة تثبت بالوثائق لـ«الشرق الأوسط» مصرية «حلايب» وفق قواعد القانون الدولي

مستشارة سابقة بالرئاسة تثبت بالوثائق لـ«الشرق الأوسط» مصرية «حلايب» وفق قواعد القانون الدولي

بين الحين والآخر يتجدد النزاع التاريخي بين مصر والسودان حول منطقة مثلث حلايب وشلاتين، الواقعة أقصى جنوب مصر على الحدود السودانية. ورغم تأكيد مسؤولي البلدين بشكل مستمر على حميمية وتاريخية العلاقة بين الدولتين، فإن إصرار كل منهما على أحقيتها في تلك البقعة، الغنية بالموارد الطبيعية وأبرزها الذهب، تظل إحدى أوراق الضغط الرئيسة في أي محادثات أو مفاوضات تجري بينهما، وتخرج بين وقت وآخر تصريحات تأجج النزاع القائم وتؤرق دفء العلاقات الأزلية بين الشعبين اللذين يطلق عليهما معا «أبناء حوض النيل».
واستبق الرئيس السوداني عمر البشير زيارته إلى العاصمة المصرية القاهرة بتصريحات خاصة لجريدة «الشرق الأوسط»، نشرت الأسبوع الماضي، وأثارت غضبا كبيرا في الأوساط السياسية المصرية، أكد فيها ملكية بلاده منطقة حلايب تاريخيا، لكنه شدد على أن بلاده «لن تحارب مصر في هذه الحدود وستحاول حلّها بالتحاور والتفاوض». وأضاف قائلا: «في حالة العجز التام فلن يكون أمامنا إلا اللجوء إلى التحكيم وإلى الأمم المتحدة، ونحن لنا أمل بأن نصل إلى نهاية سعيدة بالتفاهم والتحاور والتفاوض المتعقّل، ولن ندخل في حرب مع الشقيقة مصر في هذه الحدود لأن ما بين البلدين والشعبين الشقيقين أكثر من تداخل، فهما كفيلان بأن يتجاوزا مشكلة الحدود».
وتأتي تلك التصريحات في أعقاب قرار للمفوضية القومية للانتخابات السودانية الشهر الماضي، قامت فيه بوضع منطقة حلايب ضمن الدوائر الانتخابية، للانتخابات العامة والرئاسية المقرر إجراؤها العام المقبل.
وهو ما جعل المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير بدر عبد العاطي يرد حينها قائلا إن «قضية حلايب وشلاتين محسومة، لأنها جزء من الأراضي المصرية، وأن الادعاءات بأن منطقة حلايب معتمدة ضمن الدوائر الانتخابية بالسودان هدفها إثارة الفتنة بين مصر والسودان»، مشددا على أن «الأراضي المصرية لا تقبل التجزئة، ومصر لها كامل السيادة على التراب المصري».
ويعتزم رئيس الوزراء المصري المهندس إبراهيم محلب القيام بزيارة لمنطقة حلايب على رأس وفد وزاري في وقت لاحق، لتأكيد السيادة المصرية عليها وافتتاح عدد من المشروعات التنموية الجديدة فيها، وفقا لبيان لمركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، صدر قبل أيام.
وقال مصدر سيادي مصري رفيع لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر ترى أن الأمور محسومة لصالحها ولا ترغب في مزيد من التصعيد، اعتمادا على أن السيادة على الأرض في منطقة حلايب لصالحها، بما يشمل ذلك العملة المستخدمة والنظام المصرفي هناك، والوجود الفعلي لقوات الجيش والشرطة المصرية، إضافة إلى المدارس الحكومية ونظام التعليم وغيرها من المؤسسات».
وأشار المصدر، الذي رفض ذكر اسمه لحساسية موقعه، إلى أن «مصر غير راغبة في النزاع حول شيء تمتلكه بالفعل، كما أنها تمتلك الوثائق والأدلة الكافية لإثبات حقها إن اقتضى الأمر ذلك».
وكشفت هايدي فاروق، المستشارة السابقة بالرئاسة المصرية، لـ«الشرق الأوسط» عن مجموعة من الوثائق المحلية والدولية المهمة والقديمة، التي تشير بشكل واضح لتبعية هذه المنطقة لمصر تاريخيا ومنذ قديم الأزل.
وقالت فاروق، وهي مستشارة التحكيم الدولي في قضايا ترسيم الحدود ومسائل السيادة الدولية والثروات العابرة للحدود، إن منطقة حلايب، التي تسمى مثلث «حلايب - شلاتين - جبل علبة» هي منطقة مصرية قبل آلاف السنين منذ عهد الفراعنة، وكانت بالنسبة إلى مصر متنفسا مهمّا لتصدير الذهب المستخرج من المناجم، عبر ميناء عيزاب، على ساحل البحر الأحمر بالمنطقة»، مشيرة إلى أن «لدى مصر 15 صندوقا من المستندات التي توثق أحقيتها عليها، ومنها وثائق بأرشيف دار الوثائق السوداني نفسه في الخرطوم».
وأضافت: «لم يتحدث أحد عن تلك الادعاءات السودانية إلا عام 1924، وما سبق ذلك لم يكن به أي جدال». وأوضحت: «بدأت المشكلة من قبل المستعمر الإنجليزي لمصر، وفقا لوثائق الأرشيف البريطاني، التي ذكرت أن مسؤولا من رجال الاستخبارات البريطانية يدعى ونتر، وكان مهندس تعدين في الوقت نفسه، أرسل رسالة لحكومة بلاده قال فيها إن هناك منطقة في مصر لا يوليها المصريون أي اهتمام؛ وهي حلايب وشلاتين، وتسمى أرض الذهب، لكثرة الذهب بها. وطلب منهم موافاته بأي سند لكي يغير به الخريطة المصرية ويخرج تلك المنطقة من الحدود الرسمية لمصر، فما كان من وزير الخارجية البريطاني إلا أن بعث إليه قائلا إن (خط حدود مصر الجنوبي هو خط عرض 22 المستقيم تمام الاستقامة) التي حددتها اتفاقية السودان بين مصر وبريطانيا الموقعة في 19 يناير (كانون الثاني) عام 1899. وهو ما يعني أن مثلث حلايب مصري 100 في المائة».
وتقول حكومة الخرطوم إن سودانية منطقة حلايب تسبق اتفاقية 1899، وإن هذه الاتفاقية قامت بين المحتل البريطاني ومصر. وقال البشير في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط» إن «الحكم الثنائي (مصر وبريطاني) عد السودان جزءا من أملاك الخديوي (المصري)، باعتبار أن الإنجليز جاءوا مشاركين للمصريين في حكم السودان، ولذلك كانت الحدود بين البلدين يرسمها دائما وزير الداخلية في مصر منفردا».
لكن المؤرخة المصرية هايدي فاروق أكدت أن «الدستور السوداني المؤقت الذي وضعه السودانيون بكامل إرادتهم حينما منحوا حق تقرير المصير عام 1953، ذكر في المادة (2) فقرة (2): (تشمل أراضي السودان جميع الأقاليم التي كان يشملها السودان المصري - الإنجليزي قبل العمل بهذا الدستور»، وهي كلها بموجب اتفاقية 1899.
وتبلغ مساحة مثلث حلايب نحو 20.5 كلم2، وتضم 3 بلدات كبرى هي حلايب، وأبو الرماد، وشلاتين. وينتمي معظم سكان المنطقة إلى إثنية البجة الذين يقطنون المنطقة بين البحر الأحمر ونهر النيل، ويتوزع سكان المنطقة قبليا بين عدة قبائل أبرزها قبائل البشارية والعبابدة والحمدواب، وتتميز المنطقة بغناها بالثروات الجيولوجية والمعدنية والموارد المائية.
وذهب الرئيس البشير في إثبات أحقية بلاده بالمنطقة إلى أبعد من ذلك، قائلا إن «الحدود بين السودان ومصر قبل اجتياح محمد علي باشا للسودان كانت حدود الأخير، والتي تتمثل في الدولة السنّارية التي تبلغ جنوب أسوان»، مشيرا إلى «الوقف السنّاري الموجود الآن في المملكة السعودية، وتحديدا في المدينة المنورة الذي يوضح حدود السودان الشمالية».
وهو ما ردت عليه فاروق قائلة إن «ما قبل عهد محمد علي باشا (1805) بالنسبة للمؤرخين لا يمكن الاعتداد به، لأنه لم تكن هناك حدود رسمية بين مصر والسودان قبل عام 1899، ورغم ذلك، فإن هناك ما يدحض تلك الحجة».
وأوضحت فاروق أن «هناك خلطا سودانيا بين الخرائط التي توضح الامتداد الإثني والعرقي، والخرائط التي توضح الحدود السياسية، فهناك فرق كبير بين الاثنين دوليا».
وضمت الوثائق التي تثبت الاعتراف السوداني بسيادة مصر على المنطقة منذ القدم، نسخة مستخرجة من الأرشيف السوداني لما عرف بقرار ناظر الداخلية مصطفى باشا فهمي بتاريخ 25 يوليو (تموز) 1902، أقرت فيه المادة الثانية «أن المثلث الذي يعيش عليه البشارية السودانيون هو أرض مصرية».
وأشارت إلى أن «الوقف السناري الذي تتحدث عنه الحكومة السودانية وتشير فيه لامتلاك سودانيين لأراض بحلايب (هو وقف إثني)، وله ثلاث حجج شرعية، حجة مؤرخة في 20 ديسمبر (كانون الثاني) 1731، والأخرى في 26 يوليو (تموز) 1736، والثالثة هي حجة ثبوت وقفية في 15 سبتمبر (أيلول) 1755، وهذا الوقف كان يسمى حتى عهد قريب في المدينة المنورة (وقف البرابرة)، وتم تغيير اسمه إلى (وقف السناري)، وصاحب هذه الوقفية هو (بابي أبي شلوخ) تحدث فيها على من تشملهم الوقفية، وهم أفراد سكنوا النيجر وآخرين في المدينة المنورة وأسوان والحبشة، وهذا لا يعني أن السودان تمتلك أجزاء في النيجر أو المدينة أو أسوان أو الحبشة».
وذكرت فاروق: «من قبل ذلك العهد ومنذ العهد الفاطمي كان لمصر ميناء عيزاب الذي أقامه الخليفة الفاطمي المستنصر بالله وافتتحه، وتحدث عنه ابن جبير واليعقوبي، وكانت العملة المستخدمة فيه هي الدينار المصري».
وضمن الوثائق التي تؤكد مصرية المكان وقبل احتلال محمد علي باشا للسودان، هي خريطة «ابن حوقل» لمصر، التي ذكر فيها أنه «وجد أقوام البجة مقيمين منذ عهد الناصر محمد بن قلاوون هناك كضيوف في ميناء عيزاب المصري».
وسبق أن تقدت السودان بالعديد من الشكاوى لمجلس الأمن لرفض الوجود المصري هناك، كلها مجمدة؛ ومنها ما كانت في فبراير (شباط) عام 1958 عندما تقدم رئيس الوزراء السوداني حينها عبد الله خليل بشكوى ضد مصر في الأمم المتحدة بسبب حشد مصر قوات عسكرية على الشريط الحدودي عند منطقة حلايب. وفي عام 1990 أصدرت مصر قرارا جمهوريا يوضح حدودها بما يؤكد ضم حلايب للحدود المصرية، وفى عام 1992 قامت القوات المصرية بالتوغل في منطقة حلايب، وقبل النظام السوداني بالأمر الواقع حتى عام 2010 حين خرج الرئيس السوداني بتصريحات حول أحقية السودان في مثلث حلايب جرى الرد عليها من قبل الجانب المصري.
ومؤخرا سعت السلطة المصرية لترسيخ وجودها بشكل فعلي بالمنطقة من خلال التفاعل مع المواطنين وحل مشكلاتهم، حين أدرجت منطقة حلايب فعليا دائرة انتخابية مصرية، وجرى تحويلها إلى مدينة رسميا، وتعيين اللواء أركان حرب محمد حلمي رئيسا لها، كما أجريت فيها الانتخابات البرلمانية والرئاسية المصرية في عامي 2011 و2012.
وقام المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية السابق أحمد المسلماني بزيارة للمنطقة في فبراير الماضي، في أول زيارة لمسؤول مصري كبير، حيث أعلن حينها اعتماد الدولة مبلغ 764 مليون جنيه (110 ملايين دولار) لإقامة مشروعات التنمية والخدمات والمرافق خلال العام الحالي، منها 60 مليون جنيه للطرق، و97 مليون جنيه لمياه الشرب، و39 مليون جنيه للإسكان، و13 مليون جنيه للصحة، و22 مليون جنيه للكهرباء، و23 مليون جنيه للتعليم، والأوقاف 3 ملايين جنيه، و13 مليون جنيه للشباب والرياضة.



تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.


تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.