«انفتاح» أميركي وأوروبي على أكراد سوريا.. ولقاء باريس بحث نقل إمدادات السلاح إلى كوباني

«وحدات الحماية» تستعد لإطلاق المرحلة الثانية من المعركة.. و«داعش» يدفع بتعزيزات

ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
TT

«انفتاح» أميركي وأوروبي على أكراد سوريا.. ولقاء باريس بحث نقل إمدادات السلاح إلى كوباني

ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)

كشف الناطق باسم حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» (بي واي دي) نواف خليل لـ«الشرق الأوسط»، أن التواصل بين الحزب والمسؤولين الأميركيين «بدأ قبل عامين»، وأن واشنطن لم تعلن عنه في السابق «منعا لإغضاب تركيا»، مؤكدا أن المحادثات الأخيرة التي عقدت في فرنسا بين رئيس الحزب صالح مسلم والموفد الأميركي الخاص إلى سوريا دانيال روبنشتاين «بحثت تفعيل التنسيق العسكري بين وحدات حماية الشعب الكردي والتحالف العربي والدولي لمحاربة الإرهاب، إضافة إلى إيصال إمدادات السلاح للمقاتلين الأكراد في كوباني».
وجاءت تلك المحادثات بموازاة إعداد المقاتلين الأكراد للمرحلة الثانية من المعارك في مدينة كوباني (عين العرب) شمال سوريا قرب الحدود التركية، التي تتمثل بشن هجوم مضاد «بهدف استعادة السيطرة على كامل المدينة وأريافها» التي دخلها «داعش» منذ إطلاق حملته العسكرية ضد المقاطعة في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي، كما قال مصدر عسكري ميداني في كوباني لـ«الشرق الأوسط». وأشار إلى تحقيق وحدات الحماية تقدما ميدانيا في منطقة الإذاعة ومحيطها في المدينة، بعدما قوّضت ضربات التحالف قدرة التنظيم على التمدد.
من جانبه، أكد خالد عيسى ممثل الاتحاد الديمقراطي في باريس، أمس، لقاء زعيم الحزب صالح مسلم في باريس في 12 الشهر الحالي الموفد الأميركي الخاص روبنشتاين. وكانت وزارة الخارجية الأميركية كشفت، الخميس الماضي، أن مسؤولين أميركيين التقوا أكرادا سوريين من حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، المحظور في تركيا.
وقال عيسى في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية إن «اللقاءات التشاورية بيننا وبين الولايات المتحدة ضرورية خاصة في هذه المرحلة»، مشددا على أن الولايات المتحدة «تقود تحالفا دوليا لمكافحة للإرهاب في سوريا والعراق، ونحن مع الحلفاء في الإدارة الذاتية (...) في الخندق الأمامي بمواجهة الإرهاب، ومقاومة شعبنا في كوباني خير دليل على ذلك».
وأكد أن «اللقاء الأخير في باريس كان في جو من الصراحة المتبادلة، وكان إيجابيا»، مشيرا إلى «تبادل وجهات النظر حول أهم المواضيع التي تتعلق بالشأن السوري والكردي». وأكد عيسى «التباحث حول خطر الإرهاب على شعوب شرق الأوسط، وسبل تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذا الخطر».
غير أن هذا اللقاء لم يكن الأول من نوعه، إذ كشف خليل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن لقاءات كانت تُعقد بين مسؤولين أميركيين مع قادة في حزب «بي واي دي»، لكنه لم يُعلن عنها «منعا لإغضاب تركيا»، موضحا أن بعض تلك اللقاءات كان يشارك فيها سفير واشنطن السابق لدى سوريا روبرت فورد.
ورأى إن إعلان واشنطن بنفسها عن تلك اللقاءات «يعني أن هناك تقدما كبيرا على مستوى العلاقة بين الجانبين، رغم أننا كنا نتحفظ عن الإعلان عن تلك اللقاءات، التزاما منا بالبروتوكول مع المسؤولين الأميركيين».
وكشف خليل أن اللقاء الأخير «بحث في تفعيل التنسيق العسكري مع التحالف العربي والدولي لمحاربة الإرهاب، وإيصال الإمدادات العسكرية إلى الوحدات المقاتلة في كوباني، والتواصل مع الجانب الأميركي حول التنسيق العسكري». وأضاف: «لا شك أن هناك تنسيقا عسكريا عبر غرف عمليات عسكرية لتقديم إحداثيات عن مواقع (داعش) في المدينة، لكننا بحاجة أيضا إلى إمدادات من السلاح النوعي والذخيرة، كي نتمكن من مواجهة التنظيم»، مشيرا إلى أن «هناك تقدما على صعيد هذا الملف»، متحفظا عن الإدلاء بأي تفاصيل.
والى جانب التقدم في المباحثات مع الجانب الأميركي، أشار خليل إلى تقدم مشابه على صعيد التواصل مع المسؤولين الأوروبيين، واصفا التصريحات الأوروبية الأخيرة عن الإدارة الذاتية الكردية، وخصوصا تصريح الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بـ«المتقدمة»، موضحا أن الموقف الأوروبي الأكثر تحفظا «كان موقف فرنسا، لكن اليوم هناك تبدل في موقفه». ورأى أن الفضل في ذلك «يعود إلى الإنجازات الميدانية التي حققتها وحدات الحماية، ومنعها (داعش) من السيطرة الميدانية على كامل المدينة»، وذلك يعود أيضا «لضربات التحالف المؤثرة والمهمة لمواقع التنظيم في كوباني».
وانعكست المباحثات الأوروبية والأميركية مع الأكراد، إيجابا على صعيد التعاطي التركي مع الأزمة، إذ يرى خليل أن دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن، «مارست ضغوطا على أنقرة أجبرتها على تغيير موقفها بخصوص التخلي عن المنطقة العازلة وتحويلها إلى السعي لإيجاد منطقة آمنة»، مشيرا إلى أن تلك الضغوط أيضا «أجبرت الأتراك على الإعلان أنهم سيسمحون للكرد السوريين بالدخول إلى كوباني بهدف القتال».
وميدانيا، أعلنت القيادة العسكرية الأميركية للشرق الأوسط وآسيا الوسطى أن الطائرات الأميركية شنت، أول من أمس (الجمعة)، وأمس (السبت)، 15 غارة على مواقع تنظيم «داعش» في سوريا، و10 غارات على مواقعه في العراق.
وقال الجيش الأميركي في بيان إن غارتين استهدفتا الجهاديين قرب مدينة كوباني الكردية، مما أدى إلى «تدمير موقعين» للتنظيم الإسلامي المتطرف. كما استهدفت غارة أخرى «معسكرا لـ(داعش)» في محافظة الرقة و«أوقعت فيه أضرارا».
أما الغارات الأخرى فقد شملت إحداها منطقة قرب دير الزور في شرق سوريا، وكان الهدف منها «عرقلة موارد تمويل تنظيم (داعش) عبر تدمير مراكز لإنتاج النفط ونقله وتخزينه».
ويعتمد «داعش» بشكل أساسي على بيع النفط لتمويل نشاطاته.
وحلقت طائرات حربية فوق مدينة كوباني، بعد أيام من الضربات الجوية المكثفة التي تشنها الطائرات الحربية الأميركية، والتي أبطأت تقدم متشددي «داعش» على القوات الكردية التي تدافع عن البلدة الحدودية.
وكان الجيش الأميركي قال إن وتيرة الضربات الجوية «زادت بشكل كبير»، وشنت طائرة حربية أميركية 6 غارات جوية على مواقع «داعش» قرب كوباني، أول من أمس. كما استهدفت غارات أخرى أماكن في منطقة اللواء 93 في ريف بلدة عين عيسى في محافظة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم.
وقتل 21 عنصرا من تنظيم «داعش» في الغارات الجوية على كوباني ومحيطها. في المقابل، قُتل 14 مقاتلا آخرين من التنظيم و3 مقاتلين أكراد في الاشتباكات بين الطرفين على محاور المدينة.
وتواصل، أمس، القتال بين الأكراد و«داعش» في مدينة كوباني، وسط تحضيرات وحدات حماية الشعب الكردي للانتقال إلى المرحلة الثانية من القتال، التي تتمثل بإطلاق الهجوم المضاد «لتحرير مدينة كوباني وأريافها»، كما قال مسؤول عسكري من الوحدات لـ«الشرق الأوسط». وأشار إلى أن الوحدات «استعادت مناطق في كوباني، بينها تحرير منطقة الإذاعة ومحيطها التي كانت لها رمزية كبيرة»، مؤكدا: «استعدنا زمام المبادرة وضربات التحالف كانت مفيدة كثيرا».
وفي المقابل، استقدم «داعش» خلال الساعات الماضية تعزيزات جديدة بالكثير والعتاد إلى المدينة، حيث تمكن المقاتلون الأكراد من صد هجوم جديد، بحسب المرصد السوري.
وأكد المسؤول الكردي المحلي إدريس نعسان أن التنظيم شن «ليلا هجوما عنيفا من شرق كوباني للوصول إلى المعبر الحدودي، إلا أن وحدات حماية الشعب ردت بقوة وصدته».
وأوضح المرصد السوري أن «التنظيم نفذ ليلا هجوما من محور كاني عربان، ومن جهة الصناعة (الشرق)، محاولا الالتفاف على مواقع لوحدات حماية الشعب تقع في الشمال، فلقي ما لا يقل عن 8 من مقاتليه مصرعهم، في كمين لوحدات حماية الشعب، قرب مبنى البلدية الواقع غرب المربع الأمني (شمال). وتمكن المقاتلون الأكراد بعد الكمين من استعادة مركز لهم في المنطقة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.