الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية

قوات حفتر تهاجم بنغازي ومصر تنفي قصف المتشددين

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة  لتصفية الحسابات الإقليمية
TT

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة  لتصفية الحسابات الإقليمية

يحتار المرء من أين يبدأ حواره مع وزير خارجية ليبيا محمد الدايري الذي التقته «الشرق الأوسط» في باريس صباح أمس في نهاية زيارة مدتها 48 ساعة إلى العاصمة الفرنسية بمعية وفد رسمي ضم في صفوفه رئيس الأركان الليبي، والتقى خلالها وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، والمبعوث الأممي إلى ليبيا، ومسؤولين آخرين. ذلك أن المشكلات التي تواجه الدولة الليبية لا تعد ولا تحصى. والوزير الجديد الذي تسلم مهامه منذ أقل من 3 أسابيع قادم إلى الوزارة من منظمة الأمم المتحدة حيث قضى سنوات طويلة يهتم بقضايا اللاجئين. والرجل يتميز باللطف والكياسة، وهما صفتان لا بد منهما لأي دبلوماسي يريد مقاربة المسائل الشائكة وربما المستعصية مثل مشكلات ليبيا.
يؤكد الوزير الليبي ويشدد على أن ليبيا ليست فيها حكومتان ولا برلمانان، وإنما حكومة شرعية واحدة وبرلمان شرعي واحد. وهو يطلب من الأسرة الدولية دعم هذه الشرعية والمساعدة على إيجاد حل سياسي يرى فيه السبيل الوحيد لإخراج ليبيا من أزماتها. ورغم الغيوم السوداء المنذرة بالسوء التي تخيم فوق ليبيا، فإن محمد الدايري يلحظ علامات تفاؤل؛ لعل أبرزها تعويله على الدور الذي يقوم به المبعوث الأممي ليون برناردينو الذي التقاه في باريس والذي يسعى، عقب مؤتمر غدامس، لبلورة سبل الحل الذي لن يكون ناجزا إلا مع حل الميليشيات وجمع السلاح وبناء الدولة الليبية. ويؤكد الوزير الجديد أن بلاده ضحية «صراع إقليمي وتصفية حسابات وساحة لتحقيق مكاسب جدية يسعى إليها البعض». كما أنه يرى أن المكاسب العسكرية التي تتحقق اليوم لهذا الطرف أو ذاك ربما تزول بعد أسبوع أو 10 أيام. وفي رأيه أن الهدف الأول في ليبيا يجب أن يكون الحصول على وقف لإطلاق النار تمهيدا للمرحلة المقبلة التي يجب أن تكون نزع السلاح وحل الميليشيات. وفي ما يلي نص الحوار:

* أجريت في باريس مجموعة من اللقاءات المهمة بينها اجتماعان مع وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. ما مطالب ليبيا اليوم من هذين البلدين وبشكل أوسع من الأسرة الدولية؟
- مطلبنا الأول هو بطبيعة الحال دعم الشرعية الحالية، وهو يأتي في نظرنا من خلال إيجاد حل سياسي، وبالتالي توفير الدعم الحثيث والقوي لجهود السفير برناردينو ليون (رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا). والحقيقة أن مسار غدامس الذي بدأ في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي أعطى لنا آمالا كبيرة في الوصول إلى حل سياسي مع أولئك الليبيين الذين هم أولا وقبل كل شيء أهلنا الذين اختلفنا معهم سياسيا والذين لجأوا وللأسف إلى العنف والوسائل العسكرية لإبداء خلافاتهم السياسية معنا بعد انتخاب مجلس النواب في 25 يونيو (حزيران) الماضي والإعلان عن هذه النتائج في 21 يوليو( تموز).
الحقيقة أننا الآن في مسار سياسي نحاول أن نتجاوز ما حدث، لأن الحل في ليبيا هو حل سياسي في المقام الأول، واسمح لي أن أذكر أن هناك دولا عربية وأفريقية أخرى عانت من ويلات الحروب الطويلة، ولكن في نهاية المطاف انتهت الحروب بعد الدمار والعنف وتوصلت إلى حلول سياسية. ونحن نريد أن نضع حدا للآلام وأوجاع الشعب الليبي.
* لكن ماذا تريدون عمليا من الدول الكبرى وامتدادا من مجلس الأمن الدولي الذي كانت الحكومة السابقة قد تقدمت إليه بطلب للمساعدة؟
- ما نريده منها أولا هو تحييد المناوئين للعملية السياسية.
* من هم هؤلاء؟
- هم يعرفون أنفسهم. في الداخل وكذلك في الخارج. نحن نرى أن ليبيا ضحية صراع إقليمي أيضا بعد التغييرات الجذرية التي حلت في منطقتنا من تونس إلى مصر إلى غيرها من البلدان. الحقيقة أن ليبيا أصبحت ساحة صراع إقليمي وتصفية حسابات. لا بل إنها أضحت ساحة لتحقيق مكاسب جديدة يسعى إليها البعض. وأنا لا أخفي عليك أن هناك تحديات لهذا المسار السياسي.. بعد غدامس، صدرت تصريحات تخون حتى أولئك الذين شاركوا في هذا المسار، وميدانيا هناك من يواصل مسار العنف لكي يحقق مكاسب سياسية وعسكرية. وبنظرنا هذه حسابات قصيرة النظر، لأنك يمكن أن تحقق اليوم مكسبا عسكريا يمكن أن تخسره بعد أسبوع أو 10 أيام.. دوامة العنف في ليبيا ليست مؤدية إلى أية نتيجة. نريد بعد أن تخلصنا في 2011 من براثن الديكتاتورية أن نرسي دولة القانون والمؤسسات ونقود بلادنا، شأنها في ذلك شأن دول عربية أخرى عرفت التغيير سواء في مشرق العالم العربي أو مغربه. الأمر واضح لنا: نريد أن نؤسس لليبيا العصرية سويا. وأمامنا تحديات كبيرة.
* ما «خريطة الطريق» التي رسمتها الحكومة الليبية من أجل الخروج من هذه الدوامة؟
- خريطة الطريق أن نؤيد جهود السفير برناردينو للتوصل إلى وفاق داخل مجلس النواب المنتخب والشرعي. من اجتمع في غدامس هم النواب المنتخبون الشرعيون.. ثم عودة الحكومة إلى طرابلس؛ مكانها الطبيعي، وممارسة مهامها من طرابلس في أقرب فرصة ممكنة.
* من أين تمارسون مهامكم؟
- من مدينة البيضاء التي هي العاصمة الإدارية حاليا، وطبرق هي مؤقتا مقر البرلمان.
* الحكومة السابقة طلبت، من أجل السيطرة على الوضع في ليبيا، تدخلا دوليا. هل ما زال هذا الطلب قائما؟
- ما يحدث اليوم هو أن التدخل الدولي موجود عن طريق الوساطة التي يقوم بها السفير ليون برناردينو، وقد تحدث عن شق سياسي (الحكومة، البرلمان..) كما تحدث عن شق أمني (وقف إطلاق النار وآليات أخرى تتبعه) من أجل وقف هذا الدمار ومعالجة وضع الميليشيات في البلد.
* هل المطروح نزع سلاح الميليشيات؟
* نحن نريد أن نحقق بداية الخطوات الأولى، والمبعوث الأممي لديه آليات، وهو يبحثها مع الأجهزة المعنية في الأمم المتحدة، وهناك دول ستساعده بقوة بالنظر لأهمية الموقع السياسي والجغرافي لليبيا بحيث تدعم جهوده الرامية، بعد فترة، إلى نزع سلاح الميليشيات. ولكن في البداية، ما نريد التوصل إليه هو وقف لإطلاق النار، ثم حل الميليشيات ونزع سلاحها. برناردينو تناول كافة هذه المسائل في اجتماع غدامس.
* وقف إطلاق النار يحتاج إلى قوة مراقبة. من سيؤمن مثل هذه القوة؟
- السفير برناردينو الذي تشاورت معه أمس لم يصل بعد إلى هذه المرحلة من البحث (تعيين قوة المراقبة). هو يبحث مع نيويورك في الآليات. ولكن هناك دعم دولي (لتنفيذ هذه الخطة). وعندما نتحدث عن دعم دولي، فإن هذا هو المقصود. وبالمناسبة، أريد أن أشير إلى أن السفير برناردينو والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رحب بهما في طرابلس عندما وُجدا في العاصمة قبل أيام، ونحن رحبنا بهم في طبرق أيضا. وأريد أن أقول إن هذا التدخل هو شرعي وينادي به الليبيون الذين يطمحون إلى الخروج ببلدهم إلى ساحة الأمان والابتعاد عن دوامة العنف التي لن تجدي أو تفيد أحدا منا.
* ماذا تريدون من مصر وقد قيل الكثير عنها وعن خططها في ليبيا؟
- الموضوع ضخم كثيرا، وحتى في مصر نفسها. أود أن أقول بداية إن الزيارة لمصر جاءت بداية بدعوة رسمية من الرئيس عبد الفتاح السياسي والذي قام بالزيارة وفد رسمي كبير، وهذا شيء مهم. ثم إن مصر دولة جارة لنا وتربطنا بها علاقات تاريخية. وما نطلبه من كافة الدول قبل 13 يوليو (تموز) 2014، ما طلبناه كمؤتمر وطني وحكومة وهو التعاون العسكري مع مجموعة من الدول منها فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإيطاليا، وتركيا، ومصر، والإمارات، والأردن.. وهناك فرق من الجيش الليبي ذهبت إلى هذه الدول لتتدرب ونتمنى مواصلة ذلك. ولا يخفيك أننا نواجه تحديات (أمنية) كبيرة، والأميركيون لم يباشروا بعد برنامجهم العسكري معنا حتى الآن بسبب عوائق صعبة الحل حتى الآن. ونحن نود الاستمرار في التعاون العسكري، خاصة أنه لدينا الآن جيش وطني يقوده اللواء عبد الرازق الناضوري الذي عينة مجلس النواب. أقول إن لدينا اليوم نواة للجيش الليبي. وما يحدث اليوم (من تعاون) مع أية دولة عربية أو أوروبية هو استمرار لسياسات (سابقة) أبرمت وعقدت. ولكن نحن لا نطلب بأي حال تدخل الجيش المصري أو الفرنسي.
* لكنكم تطلبون التعاون الأمني لضبط الحدود مثلا.. أليس كذلك؟
- نحن نطلب ذلك من كافة بلدان الجوار: التشاد، النيجر.. وهذا المسار بدأ في عام 2012. والحقيقة أن ضبط الحدود نريده مع كافة الدول التي لنا معها حدود مشتركة. كما أن المطلوب أيضا بناء وتطوير قدرات الجيش الليبي. ونحن نريد تبديد اللبس (حول طلب التدخل الدولي) الذي نشأ في ذهنية الإعلام العربي والدولي.
* قالت لنا مصادر مصرية إن القاهرة جاهزة لمساعدة ليبيا بالقدر الذي تريده هذه الأخيرة ومن غير تحفظ بما في ذلك الدعم السياسي والأمني والعسكري وخلافه. ما بالتحديد مطالبكم من مصر وأيضا من دول الجوار؟
- ما نطلبه من دول الجوار حاليا هو الالتزام بنتائج اجتماع الحمامات الذي حصل في يوليو (تموز) 2014. الوزير محمد عبد العزيز هو من مثل ليبيا فيه. وقد أفضى الاجتماع إلى إيلاء مصر ترؤس اللجنة السياسية، وإلى إيلاء الشق الأمني للجزائر بحيث تترأس اللجنة الأمنية. ونحن نتطلع لتفعيل هذا الدور. لو توفر لنا دعم أمني وعسكري من الجزائر سيكوم موقفنا الترحيب واليوم قبل غدا. الجزائر دولة شقيقة، وكذلك تونس، وشأنهما شأن مصر.. لكن في السابق المسارات التي سبقت لجهة تدريب الجيش الليبي كانت تتم في الأردن والإمارات ومصر وفرنسا وإيطاليا.. وهناك استمرارية في هذا الشأن.
* أين أصبح عمل البعثة الأوروبية لمساعدة ليبيا في موضوع ضبط الحدود؟
- هي تقدم مساعدة فنية لبناء قدرات لضبط الحدود، وللأسف ليست هذه البعثة موجودة اليوم على الأرض الليبية؛ إذ إنها غادرت ليبيا شأنها في ذلك شأن السفارات الأجنبية التي تركت طرابلس في أكثريتها.
* ما الخطوة الأولى الضرورية واللازمة حتى نستطيع القول إن الأمور في ليبيا سلكت أخيرا الطريق الصحيح علما بأن الأمور مستمرة في التدهور حيث اللواء حفتر يريد السيطرة على بنغازي، وميليشيات الزنتان تريد السيطرة على مصراتة، والمعارك قائمة غرب طرابلس.. وماذا تقول عن أن المسار السياسي مهم جدا لكن المشكلة أن الواقع الميداني يشي بعكس ذلك؟
- صحيح؛ الواقع الميداني يقول عكس ذلك حاليا، ومسار غدامس لم يبدأ إلا في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي. وأمس كنت مع السفير ليون برناردينو. ولا أخفيك أن لدينا الكثير من الآمال التي نضعها في العمل الذي بدأه، وهناك إشارات إيجابية من الجانبين اللذين حضرا «غدامس»، وعلينا أن نمضي قدما بهذا المسار من أجل أن نجد نتائج إيجابية أولية لهذا المسار. والمسؤول الدولي، بعد مرحلة تمهيدية، سيدخل في صلب الموضوع بحيث يصل إلى نتائج أولية، آملين أن يتحقق ذلك في الشهرين القادمين، وتوفر لنا عودة الحكومة إلى طرابلس، لأن الشيء الطبيعي هو أن نعمل كحكومة من العاصمة طرابلس وليس من البيضاء.
* هل هناك تواصل بينكم وبين الحكومة الثانية الموجودة في طرابلس؟
- الحقيقة هي أننا لا نتواصل إلا مع أعضاء المجلس النيابي المنتخبين. ليس في ليبيا سوى حكومة شرعية واحدة، وبالتالي ليست هناك حكومتان. الحكومة الشرعية هي التي انبثقت عن مجلس النواب الذي بدأ أعماله في 4 أغسطس (آب) الماضي والتي حلفت اليمين يوم الأحد 28 سبتمبر 2014.
* هل توصلتم إلى أشياء محددة مع الفرنسيين والأميركيين بشأن إعادة بناء الجيش الليبي؟
- هناك أشياء بدأت في السابق، ونحن مستمرون في ذلك، ونريد تفعيل الاتفاقيات الموقعة ولم تر النور.
* مثلا؟
- التدريب والحصول على أسلحة طلبت في السابق، والحال أنها لم تنفذ بعد. نحن لم نأت إلى هنا لاستحداث أمور جديدة، وإنما لتفعيل اتفاقات تم التوقيع عليها.
* هل أنتم من الذين يرون أن الدول التي ساعدت على إسقاط نظام القذافي لم تكمل المهمة؟
- كنا نتمنى بالفعل أن يكون هناك دعم للفترة الانتقالية، وهم يعترفون بذلك (التقصير). لكن تجربة العراق ربما تكون دفعت هذه الدول لعدم تكرار التجربة عندنا.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.