«الداخلية» التونسية تكشف تفاصيل مخططات إرهابية وكيفية وصول الأسلحة إلى الإرهابيين

3 آلاف مقاتل تونسي في سوريا والعراق.. 80% منهم تحت راية «داعش»

محمد علي العروي
محمد علي العروي
TT

«الداخلية» التونسية تكشف تفاصيل مخططات إرهابية وكيفية وصول الأسلحة إلى الإرهابيين

محمد علي العروي
محمد علي العروي

كشف محمد علي العروي، المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية، عن إحباط مجموعة من المخططات الإرهابية كانت تستهدف إحدى الشخصيات السياسية وعن نجاح قوات الأمن في إحباط محاولة تفخيخ سيارة خلال الأسبوع الماضي. كما قدم لأول مرة تفاصيل حول شبكة العلاقات المتشابكة التي أقامها تنظيم أنصار الشريعة وطريقة إيصال الأسلحة والتمويلات الضرورية للعناصر الإرهابية المتحصنة منذ فترة طويلة في الجبال الغربية للبلاد.
وقال العروي إن تلك المجموعات الإرهابية كانت تستهدف بالأساس العملية الانتخابية، وترمي إلى خلط الأوراق وإدخال البلاد في مرحلة سياسية عصيبة قد تكون لها تأثيراتها المباشرة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تنطلق نهاية هذا الشهر والشهر المقبل.
وكشف في مؤتمر صحافي، عقده أمس في العاصمة التونسية، عن أن وحدات الاستعلامات والاستخبارات والفرقة الوطنية للأبحاث في الجرائم الإرهابية، هي التي تابعت عبر تحرياتها المكثفة طريقة تمويل الخلايا الإرهابية لوجيستيا، وخصوصا الخلايا المرابطة في جبال الكاف والشعانبي (شمال وسط غربي تونس). وأضاف أن أسلوب التعامل والتمويل بين المجموعات الإرهابية المتحصنة في الغابات يجري عبر حافظ بن حسين شقيق زعيم تنظيم أنصار الشريعة المحظور الذي هو على علاقة مباشرة مع «أبو عياض». وقال إنه كان على علاقة وطيدة بالمتهم أحمد العكرمي المكلف إعانة أرامل وعائلات الإرهابيين المعتقلين في السجون التونسية وتمويل المخططات الإرهابية.
وأشار العروي إلى أن حسن بريك، المتحدث السابق باسم تنظيم أنصار الشريعة المحظور، هو الذي يشرف على تحركات كل من حياة الخزري ومالك البرقوقي وميلاد البرقوقي، وهو الذي يقدم الإعانات المختلفة لأنصار التنظيم عبر التحويلات المالية البنكية والبريدية.
وبشأن الخلية الإرهابية التي كانت تعد لتفخيخ سيارة من نوع (فيات) بإيعاز من المتهم خالد الشايب الملقب بـ«لقمان أبو صخر» قائد كتيبة عقبة بن نافع المتحصنة بجبال الشعانبي، فقد أكد العروي أنها تتركب من كل من فاطمة الزواغي، وحسام الدين الشاذلي الطرابلسي الملقب بـ«أبو الفداء»، وسيف الدين الشاذلي الطرابلسي الملقب بـ«أبو العبادلة».
وكان أحمد نجيب الشابي، القيادي في «الحزب الجمهوري»، أشار عبر برنامج تلفزي بث مساء الأحد الماضي إلى نجاته من عملية اغتيال وصفها بـ«المروعة» باستعمال سيارة مفخخة. وقال إن قوات الأمن أوصته بمزيد منالاحتياط والحذر وتدعيم الإجراءات الأمنية المتوافرة له منذ أكثر من سنة.
وكشفت الأبحاث عن أن فاطمة الزواغي هي المشرفة على التنسيق مع بقية الخلايا الإرهابية النائمة أو الناشطة المحتضنة لأفكار العناصر الإرهابية. وأشار إلى أن الزواغي كانت على علاقة مباشرة مع «لقمان أبو صخر»، وأفادت في اعترافاتها بأنه هو الذي خطط معظم العمليات الإرهابية وهو الذي أشرف على تمويلها. وتتمركز هذه الخلية في منطقة الكرم الواقعة في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية.
وبين العروي أن المتهم عفيف العموري هو الذي يشرف على الجناح الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة الإرهابي بالاعتماد على تحركات فاطمة الزواغي الطالبة في كلية الطب بالعاصمة التونسية. وقال إن الجناح الإعلامي كان يهدف إلى استقطاب الشبان والتغرير بهم للالتحاق بالخلايا الإرهابية وتوفير الدعم المالي ونشر الأخبار الزائفة وتوثيق العمليات الإرهابية وتلميع صورة الإرهابيين.
في السياق ذاته، تمكنت الوحدات الأمنية التابعة لإقليم الأمن بالكاف (160 كلم شمال غربي تونس) من توقيف مروان بن إبراهيم البوغانمي القيادي في تنظيم أنصار الشريعة المحظور والمصنف بالإرهابي الخطير، وذلك أثناء التحضير لنقل شحنات من الأسلحة إلى العناصر الإرهابية المتحصنة بجبال الكاف والشعانبي في القصرين. ووفق ما ذكره محمد علي العروي المتحدث باسم وزارة الداخلية خلال المؤتمر الصحافي، فإن المتهم تستر وراء التجارة المتنقلة وتمكن من إدخال بعض التحويرات على سيارته لتهريب السلاح والتموين اللوجيستي للخلايا الإرهابية في جبال الكاف والشعانبي.
من جهته، أكد أعلية العلاني، الباحث التونسي المتخصص بالجماعات الإسلامية، أن «عدد التونسيين الذين يقاتلون في سوريا والعراق يناهز الـ3 آلاف مقاتل، ويمثلون العدد الأهم من بين المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق، 80% منهم في صفوف (داعش)».
وبين العلاني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحاق أغلب التونسيين بصفوف (داعش) يعود في جانب منه إلى الإغراءات المالية وللإمكانات المادية واللوجيستية الضخمة التي توجد تحت تصرف (داعش) مقارنة بالتنظيمات الجهادية الأخرى في سوريا»، مضيفا أن «المقاتلين التونسيين الذين بقوا في (جبهة النصرة) أو في باقي التنظيمات الجهادية السورية الأخرى يعدون قلة قليلة، وذلك حتى قبل أن تسيطر (داعش) على الموصل وعلى أراض أخرى في العراق».
وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية قدرت في عددها يوم أمس أن يكون عدد التونسيين المقاتلين في صفوف «داعش» هو الأكبر بين الجنسيات الأخرى المنضوية في التنظيم، وأشارت إلى أن وجهات سفر هؤلاء معروفة، حيث إنها من مطار تونس إلى إسطنبول أو بالبر عبر مخيمات التدريب الليبية.
وفسر أعلية العلاني ظاهرة التحاق أعداد كبيرة من الشباب التونسي للقتال في سوريا بعدة أسباب محلية داخلية وعالمية، وخاصة بسبب «غياب استراتيجية في التعامل مع ظاهرة التشدد الديني، وبوجود فراغ برزت معه مجموعات جهادية متشددة، استثمرت الأوضاع الاجتماعية والحياتية الصعبة للكثير من الشبان التونسيين والقيام بعملية غسل أدمغة لهم»، وأشار العلاني إلى «ضعف التأطير للظاهرة الدينية في تونس بعد سقوط النظام السابق في 14 يناير (كانون الثاني) 2011 والفشل في الإحاطة بالكثير من الشبان التونسيين الذين تلقفتهم مجموعات متشددة دينيا، قامت فيما بعد ذلك بترحيل عدد منهم نحو سوريا، مستثمرة ظروفهم الاجتماعية والحياتية الصعبة»، مبينا أن «أغلبية هؤلاء ينحدرون من عائلات إمكاناتها المالية بسيطة أو معدمة»، مضيفا أن «عددا من هؤلاء ناقمون على أوضاعهم، وبعضهم من خريجي الجامعات العليا الذين لم يجدوا عملا سنوات طويلة بعد تخرجهم»، مبينا «وجود استثناءات لشبان تونسيين من أوساط مرفهة نسبيا وحتى ثرية، سافروا بدورهم إلى سوريا للقتال لأسباب آيديولوجية حسب اعتقادهم».
وقال العلاني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «وضعية المساجد، وخاصة تلك التي ظلت فترات طويلة زمن حكم الترويكا خارجة عن سيطرة الدولة، ساهمت بشكل كبير في عملية غسل الأدمغة التي تعرض لها عدد من الشباب التونسي الذين سافروا إلى سوريا»، مضيفا أن «بعض المساجد فرخت الكثير من الخلايا المتشددة التي قامت بترحيل الكثير من هؤلاء الشبان»، وأنه «لا تزال تجري إلى اليوم محاولات لاستمالة شبان تونسيين وترحيلهم إلى سوريا»، مستشهدا بـ«تواصل توقيف السلطات التونسية خلايا وأشخاصا متورطين في عمليات ترحيل شبان تونسيين للقتال في سوريا».
وحول أفضل طريقة في التعامل مع الجهاديين التونسيين في صورة عودتهم إلى تونس، قال علية العلاني لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك جانبا أمنيا وجانبا تأهيليا في التعامل مع هذه المسألة»، مضيفا أنه «مطروح على تونس اليوم القيام بحوار وطني شامل وعميق حول ظاهرة التشدد الديني وتأطير الشباب وحمايتهم من محاولات التغرير بهم وغسل أدمغتهم.. حوار تشارك فيه كل الجهات الدينية والأكاديمية والأمنية وكل قوى المجتمع المدني التونسي للوقوف على أسباب هذه الظاهرة ومحاولة إيجاد أفضل الحلول لها».
وتجدر الإشارة إلى أن مسألة سفر الشبان التونسيين للقتال في سوريا تحولت في السنوات الثلاث الأخيرة إلى قضية رأي عام بالغة الحساسية وأصبحت تشغل بال الشارع التونسي عموما والعائلات التونسية التي سافر أحد أبنائها إلى القتال في سوريا على وجه الخصوص، خاصة عند ورود أنباء عن مقتل أحد هؤلاء الشبان في المعارك الدائرة هناك. وقد عابت الكثير من الجهات خاصة على الحكومات السابقة «عدم بذل الجهود اللازمة لمنع سفر الشبان التونسيين والتهاون مع الجماعات والأشخاص التي تستخدم المساجد لاستقطاب الشباب التونسي وتسفيرهم إلى سوريا».
أما الحكومة الحالية، فقد أعلنت أكثر من مرة اتخاذ إجراءات للتصدي لسفر الشبان التونسيين إلى سوريا للقتال، وتحقيق نتائج ملموسة في هذا الصدد. وفي هذا الإطار، كان لطفي بن جدو، وزير الداخلية التونسي، كشف في تصريحات صحافية عن أن «وزارة الداخلية منعت ما بين 8700 و8800 تونسي من السفر إلى سوريا».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.