مجلة {داعش} تعترف باستعباد إيزيديين

غلاف العدد الجديد من «دابق»: راية «الخلافة» ترفع فوق الفاتيكان

صورة فوتوشوب لغلاف مجلة «دابق» ظهر علم «داعش»  فوق المسلة المصرية في الفاتيكان
صورة فوتوشوب لغلاف مجلة «دابق» ظهر علم «داعش» فوق المسلة المصرية في الفاتيكان
TT

مجلة {داعش} تعترف باستعباد إيزيديين

صورة فوتوشوب لغلاف مجلة «دابق» ظهر علم «داعش»  فوق المسلة المصرية في الفاتيكان
صورة فوتوشوب لغلاف مجلة «دابق» ظهر علم «داعش» فوق المسلة المصرية في الفاتيكان

عدد جديد من المجلة التي يصدرها تنظيم داعش كشف عن قيام مسلحي التنظيم بأسر نساء وأطفال إيزيديين واستعبادهم وبيعهم، وهذا يعد أول تأكيد علني لتلك المزاعم من قبل التنظيم. ولقد أشار مقال نشر أول من أمس في مجلة «دابق» الصادرة باللغة الإنجليزية إلى أن «جنود تنظيم داعش باعوا عائلات إيزيدية مستعبدة»، مضيفا أن المقاتلين قاموا بتقسيم النساء والأطفال فيما بينهم عقب استيلائهم على بلدة سنجار في أغسطس (آب). وذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش أمس أن التنظيم يحتجز المئات من الرجال والنساء والأطفال الإيزيديين من العراق داخل منشآت اعتقال مؤقتة في كل من سوريا والعراق. وأشار تقرير المنظمة إلى أن التنظيم «فصل النساء الشابات والفتيات المراهقات عن عائلاتهن وأجبر بعضهن على الزواج من مقاتليه».
وجدد تنظيم داعش حملة تهديد ضد روما والفاتيكان في عدد جديد من مجلته الرسمية، التي وضعت على غلافها صورة للمقر البابوي وأضافت عليه رايتها الجهادية عن طريق برنامج فوتوشوب. يحاول التنظيم وصف الحملة التي تقودها الولايات المتحدة لوقف تقدمه في العراق وسوريا بالحرب الدينية الشبيهة بالحروب الصليبية المسيحية التي جرت في القرون الوسطى. وبحسب ما يحمله الخطاب الذي يتبناه التنظيم، خرج جميع الغربيين من روما مهد المسيحية التي أصبحت بدورها هدفا رمزيا.
أكد داعش على هذه العقيدة في العدد الرابع من «دابق» مجلته الصادرة باللغة الإنجليزية، والتي تصدّر غلافها عنوان «الحملة الصليبية الفاشلة». وبمصاحبة العنوان نشرت صورة لعلم داعش الأسود فوق المسلة المصرية في وسط ميدان سان بيتر في الفاتيكان. وأعادت المجلة نشر أجزاء من بيان سابق منسوب إلى محمد العدناني المتحدث باسم داعش يزعم فيه أن الجهاديين سوف يفتحون روما يوما ما.
وقال العدناني: «سوف نفتح روما ونكسر صلبانكم ونسبي نساءكم... وإذا لم نصل لهذا العصر، فسيصل إليه أبناؤنا وأحفادنا». وفي القسم الأخير من المجلة المكونة من 12 صفحة، وجهت «دابق» الناطقة بلسان المسلحين الأصوليين دعوة إلى المتعاطفين مع الجهاديين حول العالم إلى مهاجمة الغربيين «أينما وجدوهم».
وجاء في المقال المنشور: «في هذه المرحلة من الحرب الصليبية ضد الدولة الإسلامية، من المهم للغاية أن تتم الهجمات في كل دولة انضمت إلى التحالف ضد الدولة الإسلامية وخاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا وألمانيا».
وتابعت المجلة: «يجب على كل مسلم أن يخرج من منزله ويبحث عن صليبي ويقتله، وستظل الدولة الإسلامية باقية حتى ترفع رايتها فوق روما». يشار إلى أن روما ذكرت كهدف لداعش لأول مرة على لسان زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في أول بيان له منذ إعلانه عن إقامة دولة خلافة إسلامية في وقت سابق من العام».
ودعا تنظيم «داعش» لشن هجمات «الذئب الوحيد» - هجمات محدودة النطاق، التي تتخذها «القاعدة» كجزء من استراتيجيتها - في المملكة المتحدة، ردا على التدخل البريطاني في العراق مؤخرا. جاء ذلك خلال مقال منشور في مجلة التنظيم «دابق»، والذي طالب المقاتلين الإسلاميين في جميع أنحاء العالم بشن هجمات على «الكفار»، طبقا لشبكة «نيوز دوت كوم» الأسترالية. وقال التنظيم الإرهابي: «في هذه المرحلة من الحملة الصليبية ضدنا، من المهم جدا شن هجمات في كل البلاد التي دخلت في التحالف، وخاصة أميركا والمملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا وألمانيا»، مضيفا بأنه يجب استهداف مواطني الدول الصليبية أينما كانوا.
ومن خلال مجلته أيضا، حث «داعش» المسلمين على عدم التفكير كثيرا قبل الإقدام على «الأعداء» نظرا لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى «شل الهجمات» ويُذكر أن بريطانيا كثفت مؤخرا مشاركتها في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد «داعش» في العراق، كما أرسلت «فريقا متخصصا صغيرا» من 12 عسكريا إلى العاصمة الكردية أربيل لتدريب قوات البيشمركة.
ومجلة «دابق» التي يصدرها تنظيم «داعش» تُنشر في عدة بلدان أوروبية وبعدة لغات أجنبية منها الإنجليزية، وتصور الحرب ضد تنظيم «داعش» على أنه استمرار لصراع الحضارات الذي بدأ منذ قديم الأزل، ولها تأثير كبير في عملية تجنيد المقاتلين الذين ينضمون إلى صفوف التنظيم من مختلف دول العالم.
يرى محللون أن فهم الرسالة التي يبثها التنظيم من خلال مجلة «دابق» ضروري للتوصل إلى أسباب نجاح عملية تجنيد المقاتلين، إذ نجح التنظيم في تجنيد ما يقرب من 12 ألف مقاتل من 74 دولة، فنجاح التنظيم يعود إلى تركيزه على نقاط الضعف عند المجندين.وجاء عن روبرت دانين الخبير بمجلس العلاقات الخارجية قوله: «تستخدم المجلة تقليدا قديما بتصوير الدول الغربية بالرومان أو الصليبيين، وتستخدم صورا لأشخاص مثل باراك أوباما وجون ماكين، لاستقطاب التابعين. فالآيديولوجية التي يتبعها التنظيم وتظهر في المجلة هي تقسيم العالم إلى فريقين فقط مسلمين يضم مجاهدي التنظيم والكفار من الصليبيين واليهود والموالين لهم، منهم أميركا وروسيا ولا ثالث لهما».
تستمد المجلة اسمها من مدينة دابق بشمال سوريا وهي مدينة صغيرة نسبيا لكنّها ذات أهمية تاريخية كبيرة، ففيها ستقع واحدة من أكبر المعارك في بين القوات الغربية والمسلمين، وفيها وقعت معركة العام 1516 بين العثمانيين والمماليك، وفقا لمعهد دراسات الحرب. فاستخدام هذه الإشارات التاريخية له هدفان، وفقا للمجلة، الأول هو تأكيد التزامهم بالدراسات الدينية وهو المجال الذي تخصص فيه أبو بكر البغدادي، وثانيا التأثير على المقاتلين الأجانب الذين يتصفون بالضعف وضياع الهدف والشعور بعدم الانتماء لبلادهم. تتابع المجلة أن مجلة «دابق» تعتمد على استخدام العنف في الصور ولغة الموضوعات نفسها، فهذا العنف والقسوة في التصوير يُعد أداة من الأدوات التي يستخدمها التنظيم في جذب المقاتلين، إذ تعتمد المجلة على إبراز صور لجثث ولمبان مدمرة وصور الرهائن الذين يقتلهم التنظيم، وفقا للمجلة.
وحذر قادة وناشطون حقوقيون إيزيديون بأن هذه الطائفة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين بات وجودها على أرض أجدادها مهددا بفعل أعمال العنف والتهجير الأخيرة.
وحوصر عشرات آلاف من الإيزيديين في جبل سنجار لعدة أيام في شهر أغسطس، فيما تعرض آخرون إلى مذابح وظل مصير آخرين مجهولا حتى الآن.
ويجادل التنظيم في مقال نشرته مجلة «دابق» بعنوان «إحياء العبودية قبل أوان الساعة» أن «الدولة الإسلامية استعادت جانبا من الشريعة الإسلامية إلى معناه الأصلي، باستعباد الناس، بعكس ما ادعت بعض المعتقدات المنحرفة». وأضاف المقال: «بعد القبض على الناس والأطفال الإيزيديين تم توزيعهم وفقا لأحكام الشريعة على مقاتلي الدولة الإسلامية الذين شاركوا في عمليات سنجار». وأكد المقال أن «هذه أول عملية استعباد واسعة النطاق بحق العائلات المشركة منذ ترك العمل بهذا الحكم الشرعي».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.