«حزب الله» يوجه «رسالة نارية» لإسرائيل باستهداف دورية لجيشها في مزارع شبعا

مخاوف من فتح «النصرة» و«داعش» الجبهة الجنوبية بعد معركة بريتال

أحد العروض العسكرية لعناصر من حزب الله بمناسبة تشييع أحد مقاتلي الحزب على الحدود مع إسرائيل (أ.ب)
أحد العروض العسكرية لعناصر من حزب الله بمناسبة تشييع أحد مقاتلي الحزب على الحدود مع إسرائيل (أ.ب)
TT

«حزب الله» يوجه «رسالة نارية» لإسرائيل باستهداف دورية لجيشها في مزارع شبعا

أحد العروض العسكرية لعناصر من حزب الله بمناسبة تشييع أحد مقاتلي الحزب على الحدود مع إسرائيل (أ.ب)
أحد العروض العسكرية لعناصر من حزب الله بمناسبة تشييع أحد مقاتلي الحزب على الحدود مع إسرائيل (أ.ب)

ارتفع التوتر عند الحدود اللبنانية أمس بشكل غير مسبوق، مع تنفيذ «حزب الله» اللبناني عملية ضد دورية إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا التي يعدها لبنان أرضا عائدة له، فيما تصر إسرائيل على أنها سورية ورفضت الانسحاب منها بعد انسحابها من الأراضي اللبنانية في عام 2000.
وطرح تنفيذ العملية، وهي الأولى المعلنة للحزب، منذ المواجهة الكبرى بينهما في عام 2006، علامات استفهام حول الرسالة التي أراد «حزب الله» توجيهها لإسرائيل من خلال تبنيه العملية رغم أن المعطيات تفيد بعدم نيته القيام بمواجهة شاملة مع إسرائيل، وما إذا كان المطلوب توجيه رسالة لإسرائيل مفادها أن دعمها أي تحرك، أو غضها النظر، عن تحرك لمعارضين سوريين في منطقة شبعا يعني أن إسرائيل سوف تكون متضررة من انفلات الأمن في المنطقة. كما أن الحزب تعمد تسمية العملية باسم أحد عناصره الذي قتل خلال تفكيكه جهاز تنصت إسرائيلي في جنوب لبنان قبل نحو شهرين، للإيحاء بأنها عملية انتقامية.
ووقعت آخر مواجهة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله خلال حرب يوليو (تموز) 2006، واستمرت 34 يوما، وتوقفت بقرار دولي رقم 1701 تضمن نشر قوات دولية جنوب لبنان لحفظ السلام ومراقبة الوضع على حدود البلدين، ووضع ضوابط وآليات لمنع «الأعمال العسكرية» على الحدود.
وعد القيادي في تيار «المستقبل» مصطفى علوش أن تبني حزب الله لتفجير العبوة الناسفة بدورية إسرائيلية يطرح علامات استفهام كبرى، متسائلا: «هل وقع في حشرة (ضيق) ما ويريد إدخال عناصر جديدة إلى الصراع القائم؟»، ورأى علوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن فتح الجبهة الجنوبية «أمر وارد»، متوقعا أن تكون العملية التي نفذها الحزب تهدف للتغطية على مسائل عسكرية أو سياسية تحصل بمكان ما. ودعا لانتظار «حجم وطبيعة الرد الإسرائيلي لتتبلور الصورة».
وأشار الكاتب والمحلل السياسي، المقرب من حزب الله، قاسم قصير إلى أن الرسالة التي أراد الحزب توجيهها من خلال تفجير العبوة هي القول إنه «كما يقاتل في سوريا جاهز للقتال في الجنوب، وبالتالي فإن المعارك السورية لن تشغله عن المعركة الأساسية بوجه إسرائيل».
ولم يستبعد قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون قد جرى زرع العبوة قبل فترة وتقرر تفجيرها في هذا التوقيت بالذات، وقال: «زرع وتفجير العبوات في مناطق محتلة ليس بالأمر السهل على الإطلاق وهو يتطلب جهدا كبيرا». وتوقع قصير أن يكون الرد الإسرائيلي موضعيا، «باعتبار أنه لا مصلحة لا لإسرائيل ولا لحزب الله بفتح الجبهة الجنوبية».
وتبنى حزب الله يوم أمس تفجير عبوة ناسفة بدورية إسرائيلية في مزارع شبعا ما أدى لإصابة جنديين، وقد ردّت إسرائيل بقصف مدفعي طال عددا من الأراضي اللبنانية المتاخمة للحدود الجنوبية. وحمّل الجيش الإسرائيلي الحكومة اللبنانية وحزب الله المسؤولية متوعدا بالرد في التوقيت والطريقة المناسبة.
وأعلن حزب الله في بيان أن «مجموعة علي حسن حيدر في المقاومة الإسلامية - الجناح العسكري للحزب، قامت بتفجير عبوة ناسفة عند مرتفعات شبعا في دورية إسرائيلية مؤللة، ما أدى إلى وقوع عدد من الإصابات في صفوف جنود الاحتلال».
وقال أفيخاي أدرعي، المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، إن جنديين إسرائيليين أصيبا «نتيجة انفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية في منطقة جبل دب في مزارع شبعا على الحدود مع لبنان»، لافتا إلى أنه يجري التدقيق بالحادث. وأوضح أدرعي في تغريدات له عبر «تويتر» أن الجنديين المصابين تلقيا الإسعاف الأولي في مكان الحادث باعتبار أن جراحهما «طفيفة». وأشار إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي قصف بالمدفعية موقعين تابعين لحزب الله، واصفا حادث تفجير العبوة الناسفة على الحدود بـ«العمل الخطير والخرق الفادح للسيادة الإسرائيلية». وحمّل أدرعي «حكومة لبنان وحزب الله مسؤولية التفجير ومسؤولية أي محاولة للمس بمواطني دولة إسرائيل أو بجنود جيش الدفاع»، مشددا على أن «جيش الدفاع الإسرائيلي يحتفظ بحقه للرد في أي توقيت وأي طريقة يراها مناسبة لحماية مواطني إسرائيل».
وكان الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، أعلن عن تبني الحزب في شهر أبريل (نيسان) الفائت تفجير عبوة ناسفة استهدفت دورية إسرائيلية قبل شهر، لافتا إلى أنها تأتي في إطار الرد على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت أحد مواقع حزب الله في منطقة جنتا الحدودية بين لبنان وسوريا.
ويُشار إلى أن العبوة التي استهدفت الدورية الإسرائيلية يوم أمس تأتي بعيد هجوم نفذته «جبهة النصرة» يوم الأحد الماضي على مواقع لحزب الله في جرد بريتال شرقي البلاد ما أدّى لمقتل 8 من عناصره.
وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام» في لبنان إن «مدفعية العدو الإسرائيلي، أطلقت 7 قذائف في داخل مزارع شبعا المحتلة، إثر انفجار عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في داخل المزارع في محور رويسات العلم». وأشارت إلى حال من الاستنفار سادت المنطقة بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع ومروحيات معادية بكثافة في أجواء شبعا وكفرشوبا.
وتحدث موقع «المنار» التابع لحزب الله عن «وقوع انفجار في آلية عسكرية صهيونية على طريق موقع السدانة في منطقة مزارع شبعا المحتلة جنوب لبنان»، موضحا أنه بعد ظهر يوم أمس «سُمع دوي انفجار كبير جدا في منطقة مزارع شبعا بالقرب من موقع السدانة عند التلال الشرقية لبلدة كفرشوبا على طريق عسكري للدبابات الإسرائيلية جراء انفجار عبوة ناسفة بإحدى الدبابات». وأفاد الموقع بقيام الجيش الإسرائيلي بـ«استهداف مرتفعات شبعا وكفرشوبا بعشرات القذائف المدفعية وسط تحليق مكثف لطيران التجسس دون طيار».
وبالتزامن مع العملية التي نفذها حزب الله، برزت مخاوف من إمكانية أن تحرك «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» جبهة شبعا بعد محاولتهما الأحد الماضي السيطرة على مواقع لحزب الله في جرد بريتال في سلسلة جبال لبنان الشرقية.
وتوقعت مصادر مقربة من حزب الله أن تكون البلاد مقبلة على أكثر من معركة مع المسلحين المرابضين في المناطق الجردية الحدودية مع سوريا، لافتة إلى أن «عامل المناخ الذي سيتفاقم في الأيام المقبلة نظرا للبرودة الشديدة في المناطق الجردية، يؤكد أننا مقبلون على أكثر من معركة خاصة أن المسلحين باتوا محاصرين من الجهتين اللبنانية والسورية».
ونبّهت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه «وبعد معركة عرسال في أغسطس (آب) ومعركة بريتال قبل يومين (3 أيام)، من المرجح أن يفتح الإرهابيون جبهة حاصبيا - شبعا جنوبا»، لافتة إلى أن الجيش على أهبة الاستعداد لتلك المعركة. وأضافت: «الحزب والجيش لا يتقاسمان الجبهات، فالأولوية لوجود الجيش ولكن حين لا يكون موجودا يقوم حزب الله بالمهمات الدفاعية حتى وصول تعزيزات الجيش فينسحب عناصره».
وأوضحت المصادر أن «هذه الاستراتيجية هي نفسها المعتمدة منذ عام 1991 في المواجهة مع إسرائيل، والتي تقول إنه حيث يكون الجيش لا يكون أحد معه، ولكن حيث لا يكون، فإن كل مواطن له الحق بأن يقاتل دفاعا عن نفسه».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.