التحالف يعيق تحركات «داعش» ويستهدف مصالحه الحيوية وأكبر محطة غاز في سوريا

مسؤول كردي: الطائرات تقصف ليلا والتنظيم يتحرك نهارا

سوريون وسط الدمار الذي خلفته غارات جوية نظامية في مدينة داريا بريف دمشق (أ.ف.ب)
سوريون وسط الدمار الذي خلفته غارات جوية نظامية في مدينة داريا بريف دمشق (أ.ف.ب)
TT

التحالف يعيق تحركات «داعش» ويستهدف مصالحه الحيوية وأكبر محطة غاز في سوريا

سوريون وسط الدمار الذي خلفته غارات جوية نظامية في مدينة داريا بريف دمشق (أ.ف.ب)
سوريون وسط الدمار الذي خلفته غارات جوية نظامية في مدينة داريا بريف دمشق (أ.ف.ب)

واصل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في سوريا، أمس، ضرب خطوط إمداد تنظيم «داعش» ومصالحه الحيوية في معقله في الرقة وريف حلب الشرقي (شمال سوريا)، بهدف تقويض نفوذه العسكري، وقدرته على التحرك؛ إذ استهدفت مقراته، وصوامع حبوب، وشركة غاز، غداة استهداف منشآت النفط التي يديرها التنظيم ويستفيد منها. وفي ظل اقتصار طيران التحالف على شن غارات ليلية، يواصل التنظيم المتشدد، نهارا، تقدمه باتجاه مدينة كوباني الخاضعة لنفوذ الأكراد بريف حلب الشرقي، حتى بات على مسافة تبعد أقل عن 10 كيلومترات عن مركز المدينة.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، بتنفيذ طائرات التحالف الدولي غارات على مناطق في أطراف مدينة الرقة، مشيرا إلى أنها استهدفت «مدرسة عين العروس بالقرب من مدينة تل أبيض التي كان يتخذها التنظيم مقرا له، ومبنى آخر في المنطقة»، كما أكد المرصد تنفيذ الطائرات 5 غارات على مطار الطبقة العسكري ومحيطه، الذي يسيطر عليه «داعش»، مؤكدا مقتل عدد من مقاتلي التنظيم.
وأشار المرصد إلى أن 3 الغارات في محافظة حلب، «استهدفت منطقة الصوامع في منبج التي يسيطر عليها التنظيم بريف حلب الشمالي الشرقي؛ مما أدى لاندلاع نيران في منطقة القصف».
وأعلن الجيش الأميركي، أمس، أن ضربة جوية أميركية استهدفت مركبات لتنظيم «داعش» ليل الأحد/ الاثنين بجوار منشأة لتخزين الحبوب قرب بلدة منبج في شمال البلاد، مشيرا إلى أنه «لا يوجد دليل على إصابة مدنيين»، وقال الجيش إن المنشأة التي أصيبت يستخدمها «داعش» مركزا لوجيستيا ومنطقة لإيواء المركبات.
وكانت غارات استهدفت الصوامع في هذه البلدة التي يتخذها التنظيم مقرا له، وإحدى البلدات القليلة التي لا يزال التنظيم المتطرف يسيطر عليها في المنطقة.
وتعرف منطقة منبج بأنها تتضمن أكبر صوامع الحبوب في سوريا، وسيطر عليها الجيش السوري الحر في صيف 2012، قبل أن يسيطر «داعش» عليها مطلع العام الحالي. وقالت مصادر معارضة في الجيش السوري الحر في حلب لـ«الشرق الأوسط»، إن ضربات التحالف «تقوّض قدرة (داعش) على الحركة على المدى الطويل»، كونها «تمنعه من امتلاك مقومات التمدد، وهي النفط والغاز ومشتقات الطاقة، فضلا عن استهداف مخازن الأسلحة والمقرات».
وأشارت المصادر إلى أن مقرات «داعش»، يشتبه في أنها «تتضمن مخازنه من الذخائر، وخزائن المال التي يوزعها على المقاتلين معه والمناصرين»، إضافة إلى أنها «تعد مراكز القيادة والسيطرة، نظرا لأنه يستخدم معظم مقراته لأغراض عسكرية»، وأضافت: «بهذه الضربات، يحاول التحالف القضاء على خطوط الإمداد والدعم التي يستفيد منها التنظيم في حروبه المتشعبة، بهدف منعه من التمدد والدفع بالتعزيزات لخوض المعارك»، مشددة على أن تلك الفوائد «تتحقق الأغراض منها على المدى الطويل وليس بسرعة».
ونفذت قوى التحالف ضربات استهدفت معمل غاز كونيكو، الواقع بالقرب من بلدة خشام بالريف الشرقي لدير الزور، أكبر معمل للغاز في سوريا، الذي يسيطر عليه التنظيم، وتهدف الغارة إلى دفع مجاهدي التنظيم لمغادرة الموقع، كما أورد المرصد.
وقالت المصادر المعارضة في حلب لـ«الشرق الأوسط» إن ضربات التحالف التي استهدفت المنشآت النفطية الخاضعة لسيطرة «داعش»، أو التي يستفيد منها، «تسببت بأزمة محروقات في الرقة، وتل أبيض، ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة (داعش)، بعد نفاذ المازوت والبنزين من السوق»، علما بأن هذه المواد تحرك سيارات وآليات التنظيم التي تعد بالآلاف في منطقة الرقة، وتستخدم لأغراض عسكرية.
وجاءت هذه المعلومات غداة إعلان المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن سعر مادة المازوت (الديزل) ارتفع بنسبة 50 في المائة بمحافظة دير الزور، و100 في المائة بمحافظتي حلب وإدلب. ونقل عن تجار واقتصاديين ومهندسي بترول، قولهم إن تجار النفط، الذين يشترونه، من حقول يسيطر عليها «داعش»، رفعوا سعر برميل النفط الخام، بسبب «خطورة نقله وتخوفهم من استهداف الصهاريج التي تنقل النفط، من قبل طائرات التحالف». وبينما يواصل التحالف ضرباته ضد «داعش»، يستغل التنظيم غياب تلك الضربات نهارا، للتقدم باتجاه مناطق كوباني، وتكثيف القصف على أحياء المدينة التي يسكنها مدنيون.
وقال نائب مسؤول الهيئة الخارجية في الإدارة الذاتية في كوباني، إدريس نعسان، لـ«الشرق الأوسط»، إن مقاتلي «داعش»: «يستغلون غياب الضربات الجوية للتحالف في النهار لشن الهجمات وإطلاق القذائف البعيدة المدى باتجاه أحياء الآمنين عن مسافة تتخطى 10 كيلومترات»، قائلا إن «10 قذائف على الأقل، سقطت، أمس، في داخل كوباني»، وقال إن مقاتلي «داعش» ينكفئون قليلا في الليل «في ظل تحليق لطائرات التحالف، وبفعل الهجمات التي يشنها مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردي، الذين يستخدمون تكتيكات عسكرية تتناسب مع الظلام في ظل غياب الأسلحة النوعية التي تتيح لنا صد هجمات التنظيم المتتالية».
وإذ قال نعسان «إننا أمام حرب طويلة المدى مع (داعش)»، طالب التحالف الدولي بشن ضربات سريعة لتنظيم وتجمعاته على مداخل كوباني، وأضاف: «صحيح أن ضربات التحالف مفيدة على المدى البعيد على طريق منع التنظيم من التقدم، ولها تأثير إيجابي، لكننا نحتاج إلى ضربات عاجلة جدا تمنع (داعش) من التقدم باتجاه المدينة»، محذرا من وقوع «مجازر ومذابح إذا وصل مقاتلو داعش إلينا في كوباني»، وقال: «نحن الآن على مقربة من مذبحة».
وكانت طائرات التحالف استهدفت السبت الماضي دبابتين لـ«داعش» في قرية عليشار التي تبعد 12 كيلومترا عن كوباني؛ مما أتاح للمقاتلين الأكراد التقدم، ويقول ناشطون أكراد إن «داعش» دفع بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، مؤكدين أن طائرات التحالف ترصدها، كونها تحلق في المنطقة لفترات تتخطى الساعات الثلاث.
وتستهدف طائرات التحالف مناطق منبج التي تبعد 80 كيلومترا عن كوباني، والرقة التي تبعد 150 كيلومترا، وتل أبيض التي تبعد 70 كيلومترا. ويحاول مقاتلو «داعش» السيطرة على المعبر الحدودي لكوباني مع تركيا، كون المعابر في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وبينها معبر جرابلس، مغلقة من الجانب التركي.
وانتقد الأكراد الدور التركي في المعركة؛ إذ رأى نعسان أن تركيا «تحاول الضغط على التحالف الدولي لمنع تنفيذ ضربات مؤثرة ضد (داعش) في كوباني»، متهماً إياها بمحاولة «دفع (داعش) للدخول إلى كوباني»، وأضاف: «هناك دعم واضح تركي لـ(داعش) للسيطرة عليه كي يكون لأنقرة ذرائع لمحاربة الإرهاب على أرض كوباني»، مشيرا إلى «تخطيط تركي لاقتحام المدينة برا»، مشددا على أن المقاتلين الأكراد سيعدون أي تدخل بري تركي، بمثابة احتلال، و«سنقاومه لأننا قومية مضطهدة ونستحق أن نحمي إدارتنا الذاتية». وكان المرصد السوري أفاد، أمس، بسقوط 17 قذيفة داخل أحياء كوباني؛ مما أسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل، ووقع عدد من الجرحى، وأشار إلى انسحاب العناصر الأتراك من المعبر الحدودي الواصل بين مدينة كوباني وتركيا، بعد سقوط قذائف على منطقة المعبر، لافتا إلى أن سقوط القذائف في هذه المنطقة، أسفر عن إصابة عدد من النازحين الكرد بجراح.
وعلى صعيد الاشتباكات المتواصلة، أفاد المرصد بتمكن مقاتلي التنظيم من الوصول إلى مسافة تبعد نحو 5 كيلومترات عن المدينة، وذلك في أقرب مسافة تمكن التنظيم من الوصول إليها منذ بداية الهجوم الذي نفذه التنظيم في الـ16 من الشهر الحالي، والسيطرة على أكثر من 70 قرية في ريف المدينة، وتشريد أكثر من 200 ألف مواطن كردي نحو الأراضي التركية.
وتوجه المرصد السوري بنداء عاجل، إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمات الإنسانية بتوجيه فِرقها إلى كوباني والمنطقة المتاخمة لها على الحدود السورية - التركية، لمد يد العون، وإغاثة النازحين من المدينة وريفها.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.