مؤتمر باريس حول العراق يستهدف تنسيق المبادرات وتوزيع المهمات في الحرب على «داعش»

مصادر: فرنسا استعادت المبادرة في الملف العراقي وتختلف مع أميركا حول حضور إيران

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته معسكرا للاجئين بالقرب من مدينة اربيل في اقليم كردستان (أ.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته معسكرا للاجئين بالقرب من مدينة اربيل في اقليم كردستان (أ.ب)
TT

مؤتمر باريس حول العراق يستهدف تنسيق المبادرات وتوزيع المهمات في الحرب على «داعش»

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته معسكرا للاجئين بالقرب من مدينة اربيل في اقليم كردستان (أ.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته معسكرا للاجئين بالقرب من مدينة اربيل في اقليم كردستان (أ.ب)

ترى مصادر دبلوماسية في باريس أن فرنسا «نجحت في استعادة المبادرة والعودة بقوة إلى واجهة المسرح العراقي رغم ضعف إمكانياتها ومحدودية الأوراق التي تستطيع استخدامها للتأثير على مسار الأحداث» في هذا البلد مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تبقى «اللاعب الرئيس» في ملف الحرب على «داعش».
وبحسب هذه المصادر، فإن باريس «سحبت البساط الدبلوماسي» إليها من خلال عنصرين: الأول، مسارعة الرئيس فرنسوا هولاند في الذهاب إلى بغداد وأربيل، وهو أول رئيس دولة يقوم بهذه البادرة منذ أن وضع «داعش» يده على نحو ثلث العراق، والثاني من خلال الدعوة إلى مؤتمر دولي تحت شعار «السلام والأمن في العراق» الذي ينعقد غدا في مقر وزارة الخارجية الفرنسية بحضور نحو ثلاثين دولة ويفتتحه الرئيسان الفرنسي والعراقي صباحا، فيما سيكون تمثيل غالبية الدول المشاركة على المستوى الوزاري.
بيد أن مصادر وزارة الخارجية الفرنسية شددت على ضرورة النظر لمؤتمر باريس على أنه «استكمال» لما حصل على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في نيوبورت (مقاطعة ويلز البريطانية) خصوصا لاجتماع جدة الذي ضم وزراء خارجية عشر دول إقليمية (تسع دول عربية وتركيا) مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري. كما أن مؤتمر باريس يأتي قبل استحقاقين مهمين: الأول، اجتماع مجلس الأمن الدولي على المستوى الوزاري يوم الجمعة المقبل بدعوة من واشنطن التي ترأس مجلس الأمن للشهر الحالي، والثاني، وهو الأهم، اجتماع المجلس المذكور برئاسة باراك أوباما ومشاركة غالبية رؤساء الدول الأعضاء فيه يوم 25 الحالي الذي سيخصص للعراق وللإرهاب.
وقالت المصادر الفرنسية إن ما «يميز» مؤتمر باريس هو حضور الدول الخمس دائمة العضوية والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي فضلا عن السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر والأردن ولبنان وتركيا. وستصدر عن المؤتمر «خلاصات» أو بيان مشترك يجري إعداده سيعلنه وزير الخارجية الفرنسي فابيوس في مؤتمر صحافي غدا.
وأكدت أوساط وزارة الخارجية أمس، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحضور، باستثناء الفرنسي والعراقي منه، سيكون على مستوى وزراء الخارجية، وأن الوزيرين الأميركي والروسي جون كيري وسيرغي لافروف سيكونان موجودين. وستشهد باريس، وفق مصادرها، لقاءات ثنائية وصفتها بـ«المهمة» ستتناول العراق وسوريا ولبنان ومواضيع أخرى تهم منطقة الشرق الأوسط وربما أوسع منها.
وترفض باريس الحديث عن «تنافس» بينها وبين العاصمة الأميركية وتفضل الحديث عن «تكامل» باعتبار أن غاية المؤتمر الأساسية هي «التنسيق» بين الأطراف الداخلية في التحالف الدولي الذي عملت واشنطن على بنائه و«توزيع المهمات» على الأطراف الرئيسة الفاعلة فيه من أجل مزيد من «الفاعلية». لكن هذا المبدأ العام لا يبدو أنه أصبح واقعا، إذ إن ثمة خلافات جدية بين الأطراف أولها حول فائدة دعوة إيران إلى المؤتمر. وحتى عصر أمس، لم تكن الرئاسة ولا وزارة الخارجية قد أفرجتا عن لائحة الدول المشاركة أو عن جدول الأعمال ولائحة المتكلمين.
وبينما قالت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن لائحة الحضور، في إشارة إلى إيران «لم تصبح بعد نهائية»، وإن «المناقشات حول دعوة طهران مستمرة»، أفادت مصادر سياسية عربية في باريس بأن العراق «يرغب بشدة» في أن تكون إيران ممثلة في اجتماع باريس. ويبدو أن التمايز في وجهات النظر بين باريس وواشنطن حول حضور إيران للمؤتمر هو السبب الرئيس الذي أخر صدور اللائحة. وليس سرا أن باريس ترغب في أن تمثل إيران في المؤتمر باعتبار أن لها دورا تلعبه في محاربة «داعش». وبالمقابل، فإن وزير الخارجية الأميركي رفض علنا وجود ممثل عن طهران على طاولة المؤتمر، معتبرا أن أمرا كهذا «غير مناسب»، مما فهم على أنه «فيتو» أميركي.
وكشفت مصادر أخرى، لـ«الشرق الأوسط»، أن واشنطن «لم تكن منذ البداية متحمسة» للمبادرة الفرنسية. كذلك، يتباين الموقفان الأميركي والفرنسي إزاء الاستراتيجية العسكرية الواجب اتباعها. فإذا كانت الأهداف واضحة ومقبولة من كل الأطراف، فإن التوصل إلى تنفيذها يعتوره الغموض والتباين. وفيما أن الرئيس أوباما لا يستبعد اللجوء إلى ضرب «داعش» في سوريا نفسها، فإن لباريس موقفا مختلفا عبر عنه الرئيس هولاند ووزير خارجيته في الأيام الأخيرة. وجوهر الرؤية الفرنسية هو أن توجيه ضربات عسكرية في سوريا يتطلب أحد أمرين: إما تقديم طلب رسمي من السلطات «الشرعية» السورية على غرار ما فعل العراق، وإما صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز استهداف مواقع «داعش» داخل سوريا. والحال أن الأمرين غير متوافرين، إذ إن الأكثرية الساحقة من أطراف التحالف تعتبر أن النظام السوري «غير شرعي»، وبالتالي فإن طلبه لا يمكن أن يشكل «قاعدة شرعية». والثاني صعب التحقيق نظرا لمعارضة روسيا والصين لأي عمليات عسكرية في سوريا من غير موافقة الحكومة السورية والتنسيق معها. لكن الرئيس أوباما أكد وبقوة أنه «لن ينسق» مع النظام السوري بأي شكل من الأشكال، وهو ما كرره كيري والناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية.
على أي حال، ووفق ما تقوله المصادر الدبلوماسية في باريس، فإن ما تتمناه الجهتان الداعيتان، وهما فرنسا والعراق، يتمثل في «تحديد مهمة كل طرف وما يستطيع تقديمه» في هذه المهمة «الصعبة» وهي «الانتقال من مرحلة احتواء (داعش) إلى مرحلة القضاء عليه أو استئصاله». لذا، فإن المناقشات المنتظرة في باريس غدا، داخل قاعة المؤتمر وخارجه، ستكون بالغة الأهمية لأن غرضها «التنسيق الكامل وفي كل المجالات» بين الأطراف الضالعة في التحالف الدولي.
وتدور في الحلقات الدبلوماسية نقاشات تسبق اجتماع مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة المقبل، وتتناول إمكانية استخدام القرار 2170 الصادر تحت الفصل السابع كقاعدة قانونية لضرب «داعش» في العراق وسوريا. ويرى بعض المحللين والقانونيين أن قراءة «موسعة» للقرار المذكور يمكن أن توفر الغطاء الدولي، علما بأن القرار صوت عليه بالإجماع الصيف الماضي، وهو يتناول تحديدا محاربة الإرهاب من غير تحديد المكان والزمان. وسيكون جانب من اجتماع الجمعة مخصصا لمتابعة مضمون القرار 2170 وما تحقق منه حتى الآن.



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended