مقتل العشرات بمعارك طاحنة في الجولان.. والنظام يرتبك في جرمانة

«جبهة ثوار سوريا» تعلن معركة «الكرامة» ضد «داعش».. والتنظيم يستهدف مطار القامشلي

عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
TT

مقتل العشرات بمعارك طاحنة في الجولان.. والنظام يرتبك في جرمانة

عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)

نجح مقاتلو المعارضة السورية في صد هجوم شنته قوات النظام السوري في منطقة ريف القنيطرة في الجولان قرب الجزء الذي تحتله إسرائيل، بالتزامن مع سيطرتهم على تلال جديدة في المنطقة بعدما كانوا استولوا على معبر القنيطرة الحدودي أواخر الشهر الماضي. بينما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمشاركة عناصر من «حزب الله» في الاشتباكات المحتدمة في حي جوبر في العاصمة دمشق وفي مناطق في شرق حلب.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن مقاتلي الكتائب المعارضة تمكنوا من السيطرة على «عدد من التلال الحدودية أو القريبة من الجولان المحتل وقرى في محيطها، ما أوقع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الطرفين». وأضاف أن «النظام حاول (السبت) استرجاع بلدة مسحرة، لكنه فشل في ذلك»، مشيرا إلى مقتل «26 عنصرا من قوات النظام والمسلحين الموالين لها وما لا يقل عن 17 مقاتلًا من الكتائب المقاتلة و(جبهة النصرة) والكتائب الإسلامية خلال الاشتباكات»، فيما تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة على تلال إضافية.
وتحدث ناشطون سوريون، أمس، عن «أصوات انفجارات ضخمة سمعت من البلدات القريبة من خط وقف إطلاق النار، إضافة إلى انفجارين وقعا بالجهة الشرقية لمدينة القنيطرة الجديدة التي تسيطر عليها قوات النظام».
وكانت كتائب مقاتلة معارضة للنظام، من بينها «جبهة النصرة»، أعلنت أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي معركة «الوعد الحق» التي تهدف إلى «تحرير» القنيطرة ومناطق مجاورة.
ويقدر المرصد خسائر قوات النظام منذ بدء المعركة بـ«أكثر من 70 قتيلا، مقابل عشرات القتلى في صفوف المقاتلين المعارضين». ويسعى مقاتلو المعارضة إلى تأمين شريط يمتد من ريف درعا الغربي (جنوب) حيث المثلث الحدودي بين الأردن وسوريا وإسرائيل حتى القنيطرة (جنوب) خال من القوات النظامية.
وتحدث رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» عن «دور أساسي» لـ«حزب الله» في معارك دمشق وريفها، لافتا إلى أن «الغالبية الساحقة من العمليات الخاصة التي تُنفذ هناك يقودها الحزب اللبناني».
وأشار عبد الرحمن إلى عدة غارات نفذها الطيران الحربي السوري أمس على مناطق في حي جوبر، وسط قصف عنيف لقوات النظام على مناطق في الحي، واشتباكات بين مقاتلي الكتائب الإسلامية، من طرف، وقوات النظام مدعمة بـ«حزب الله» وقوات الدفاع الوطني من طرف آخر.
وطالت غارات الطيران الحربي مناطق في بلدة عين ترما وأطراف منطقة الدخانية، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة بين مقاتلي الكتائب الإسلامية و«جبهة النصرة» من طرف، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من طرف آخر في المناطق ذاتها.
وشهدت منطقة الدخانية، أمس، حالات نزوح جماعية للسكان، فيما أكد ناشطون أن مقاتلي الجيش الحر سيطروا على معظم المنطقة المحاذية للدويلعة والكباس وجرمانة، ونفذ عملية التفافية، وعبرت عناصره قلب الدخانية وباغتوا قوات النظام التي انسحبت قبل تقدم الجيش الحر.
وسرت شائعات عن دخول كتائب المعارضة إلى بلدة جرمانة مما أثار حالة من الذعر الهستيري في أوساط المدنيين، وغالبيتهم من المؤيدين للنظام، فيما استنفر عناصر ميليشيات جيش الدفاع الوطني وسط حالة من الهلع والارتباك، اضطر على أثرها محافظ ريف دمشق ومعه قائد جيش الدفاع الوطني النزول إلى جرمانة لتكذيب الشائعات وطمأنة السكان. وأرسلت رسائل قصيرة لمشتركي الهواتف الجوالة تكذب ما يقال عن هجوم «المسلحين» على منطقتي الدويلعة وكشكول.
على صعيد آخر، واصل الطيران الحربي السوري أمس غاراته على مناطق سيطرة «داعش» في دير الزور والرقة. وقال المرصد إن 4 رجال قتلوا في غارة للطيران الحربي على مدينة الميادين في دير الزور، فيما استهدفت إحدى الغارات محيط مطار دير الزور العسكري الذي لا يزال تحت سيطرة القوات النظامية.
وفي محافظة الرقة، أعلن مقتل طفلين في غارة على منطقة المنصورة الواقعة شرق مطار الطبقة العسكري الذي يسيطر عليه «داعش». ونقل ناشطون عن مصادر طبية أن عدد قتلى الغارات التي شنتها طائرات النظام على الرقة أول من أمس تجاوز الخمسين.
وفي حمص، نفذ الطيران الحربي 3 غارات على مناطق في مدينة تلبيسة، وسط معلومات عن سقوط عدد من الجرحى وإصابة طفل ورجل جراء قصف للطيران المروحي ببرميلين متفجرين على مناطق في مدينة الرستن.
ولم تسلم محافظة إدلب من الغارات الجوية، إذ شن الطيران الحربي 3 غارات على مناطق في قرية دير سنبل بجبل الزاوية، وتحدث المرصد عن مقتل «3 مواطنين وإصابة آخرين بجراح بينهم أطفال». كما نفذ الطيران الحربي غارة على منطقة في قرية الشيخ مصطفى بالريف الجنوبي لإدلب، وقصف أطراف بلدة كفر سجنة.
وسجلت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي «جبهة النصرة» وتنظيم «جند الأقصى» والكتائب المقاتلة والكتائب الإسلامية من طرف، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من طرف آخر على أطراف قرية أرزة وفي الجهة الغربية والشمالية لبلدة قمحانة في حماه، بالتزامن مع قصف الطيران الحربي مناطق الاشتباك.
وتحدثت «شبكة شام» عن قتلى وجرحى من عناصر النظام خلال سيطرة المعارضة على حاجز الصفوح جنوب حلفايا في ريف حماه، في حين أكدت «سوريا مباشر» مقتل 5 بمحيط قرية أرزة الموالية للنظام في ريف حماه الشمالي.
وفي تطور لاحق، دوت انفجارات ضخمة في مطار مدينة القامشلي (شمال سوريا) على الحدود مع تركيا. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن عدد من الأهالي والنشطاء أن «أصوات الانفجارات سمعت في معظم أرجاء المدينة وارتفعت ألسنة النار والدخان من داخل المطار، وفورا حلق الطيران المروحي وبدأ قصف بعض القرى الجنوبية للمدينة».
وقالت مصادر إن «النظام يحشد قواته داخل المطار الذي تحول إلى ثكنة عسكرية منذ أكثر من عامين». وأضافت أن «تنظيم داعش الإرهابي هو الذي استهدف المطار بصواريخ (غراد) ردا على قصف طيران النظام مناطق سيطرة التنظيم، منها حي غويران في مدينة الحسكة، الذي قتل وجرح فيه خلال الأيام الماضية عشرات الأشخاص بين مدنيين ومقاتلين إسلاميين متشددين».
وفي سياق متصل، أطلق جمال معروف قائد «جبهة ثوار سوريا» المقاتلة في ريف إدلب «معركة الكرامة» ضد «داعش»، وهدد بأنه سيسير أرتالا خلال الأيام المقبلة لفك الحصار عن حلب واسترجاع مدينتي الرقة ودير الزور من يد التنظيم.
وجاء إعلان معروف في اجتماع حضره حشد كبير من أنصاره في ريف إدلب. كما ظهر في شريط فيديو بثه المكتب الإعلامي لـ«جبهة ثوار سوريا». وقال إن هذا الاجتماع «يؤكد لدول العالم وجود معارضة سورية معتدلة، وجيش حر». وأضاف: «الجيش الحر بخير، ويرص صفوفه لمقاتلة الدولتين، دولة (الرئيس السوري بشار) الأسد الباغية، ودولة البغدادي الطاغية».
وكان معروف أصدر قبل الاجتماع بيانا مصورا قال فيه: «لقد تجاوزت جماعة البغدادي في جبروتها، وطغيانها كل الحدود، وعاثت فسادا بالأرض، ولم يتركوا بابا للحل، أو مدخلا لأي تسوية وقد شكلوا درعا للأسد، وجيشه، وعملوا كل ما استطاعوا لإجهاض ثورة الشعب السوري».
وأضاف: «كما عاهدنا على مواجهة الأسد، سنواجه دولة الفساد (التنظيم) لاستعادة الأرض والقرار الثوري»، في معركة سماها «الكرامة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.