جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا

الطائرات تقصف معقل المتطرفين في درنة.. و«درع الوسطى» تبدي استعدادها للحوار مع الأمم المتحدة

ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
TT

جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا

ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)

تصاعدت أمس حدة التوتر السياسي في ليبيا التي تعيش معظم مدنها حالة من الانقسام ما بين مؤيد ومعارض لمجلس النواب، الذي توعد تركيا في المقابل بسبب تصريحات وصفها بـ«العبثية» لرئيسها المنتخب رجب طيب إردوغان، في وقت يتعرض فيه مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغريانى المقيم في بريطانيا لحملة قد تنتهي بالإطاحة به من منصبه، فيما أكدت الخارجية الليبية لـ«الشرق الأوسط» أمس أنه جاء إلى لندن في زيارة خاصة، بينما أرسلت الداخلية البريطانية بيانا لـ«الشرق الأوسط» أكدت فيه أنها لا تعلق على حالات خاصة، لكنها لا ترحب في الوقت ذاته بأي ترويج للإرهاب من على أراضيها، وستتخذ كل الإجراءات القانونية لمنع أنشطة إرهابية على أراضيها. وثار جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا الصادق الغريانى، الذي تردد أنه غادر العاصمة لندن على عجل إلى قطر، عقب ما تردد عن قرب توجيه بريطانيا اتهامات له. ويتهم الغرياني بأنه وراء قيادة وتسهيل سيطرة الإسلاميين على طرابلس من مكان إقامته في المملكة المتحدة.
وقالت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية أمس، إنه في اليوم الذي أعلن فيه ديفيد كاميرون تدابير أكثر صرامة للتصدي لتهديدات الإرهابيين، تحدثت مصادر مقربة من الخارجية البريطانية عن أن الغرياني يقيم في المملكة المتحدة، ويقوم بتشجيع أتباعه للإطاحة بالحكومة الليبية. وحذرت المصادر البريطانية من أن وجود الغرياني في بريطانيا يضع الحكومة البريطانية في حرج شديد اليوم، بعد ما حذر رئيس الوزراء من «تهديد أكبر وأعمق لأمننا مما كان معروفًا من قبل» من المتطرفين الإسلاميين، كما جرى رفع مستوى التهديد الأمني من مرتفع إلى عالٍ جدًا.
الأمر المرجح، بحسب المصادر البريطانية، أن يؤدي هذا إلى توتر العلاقات مع واشنطن أيضًا، ويفهم أن المسؤولين الأميركيين غاضبون باتخاذ الغرياني المملكة المتحدة منبر تحريض له، خصوصًا بعد مدحه لجماعة أنصار الشريعة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، وهي الجماعة المتهمة من قبل الولايات المتحدة بمقتل سفيرها كريس ستيفنز في بنغازي في عام 2012. قال وزير الهجرة في حكومة الظل، ديفيد هانسون: «توقيت وجود الغرياني في بريطانيا هو نموذج آخر لفشل وزارة الداخلية بعدم تبادل المعلومات الاستخباراتية مع وزارة الخارجية (إم آي فايف)» وأضاف: «بدلاً عن ذلك هناك ادعاءات خطيرة جدًا عن شخص تم إعطاؤه الإذن لدخول البلاد ويحتاج وزير الداخلية لشرح كيف استطاع السفر إلى هنا والاستمرار في التحريض على استمرار الأحداث في طرابلس».
وتصاعدت أمس حدة التوتر السياسي في ليبيا التي تعيش معظم مدنها حالة من الانقسام ما بين مؤيد أو معارض لمجلس النواب، الذي توعد تركيا في المقابل بسبب تصريحات وصفها بـ«العبثية»، لرئيسها المنتخب رجب طيب إردوغان، في وقت يتعرض فيه مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني المقيم في بريطانيا لحملة قد تنتهي بالإطاحة به من منصبه.
وقال فرج بوهاشم الناطق الرسمي باسم مجلس النواب لـ«الشرق الأوسط» إن هناك ما وصفه بالإجماع على الإطاحة بالمفتي بسبب مواقفه العدائية من الأزمة السياسية في البلاد، وانحيازه لطرف على حساب مصالح الشعب الليبي.
ويعتقد الكثيرون أن المفتي متورط في التخطيط للسيطرة على طرابلس، مستغلا وجوده على الأراضي البريطانية، وفقا لما نشرته أمس صحيفة «غارديان»، التي انتقدت تأكيد وزارة الخارجية البريطانية أن الغرياني مقيم في بريطانيا، حيث يشجع أتباعه على إسقاط مجلس النواب في طبرق.
وكان الغرياني أرسل رسالة تهنئة للمتطرفين بعد سيطرتهم على طرابلس عبر قناة تلفزيونية. وتُنقل خطب الغرياني إلى أتباعه عن طريق موقع باللغة العربية على الإنترنت أطلقه قريبه، سهيل الغرياني، من بناية سكنية متداعية في مدينة اكستر.
وتمثل إقامة الغرياني في بريطانيا مصدر إحراج شديد للحكومة البريطانية، التي حذر رئيسها ديفيد كاميرون من أن تهديد المتطرفين الإسلاميين لأمن بريطانيا «أكبر وأعمق منه في أي وقت مضى». ونقلت الصحيفة البريطانية عن وزير الهجرة في حكومة الظل العمالية المعارضة ديفيد هانسون أن «أسئلة خطيرة مطروحة على وزيرة الداخلية البريطانية المطلوب أن تجيب عنها بشأن إقامة شخص متهم بانتهاك قرار الأمم المتحدة حول جرائم الحرب في البلد، وكيف قررت وزارة الداخلية أن يكون في وجوده هنا منفعة لبريطانيا». وطالب هانسون وزيرة الداخلية تيريزا ماي بتقديم شرح لكيفية تمكن الغرياني من السفر إلى بريطانيا والاستمرار في التحريض من أراضيها على ما حدث في طرابلس.
إلى ذلك، انتقد الناطق باسم البرلمان الليبي تصريحات الرئيس التركي طيب رجب إردوغان أخيرا، حول رفضه إصرار البرلمان على الانعقاد في مقره المؤقت بمدينة طبرق وليس في العاصمة الليبية طرابلس.
وقال بوهاشم: «نأمل أن لا تتكرر التدخلات التركية، وهذه التصريحات العبثية، إذا تكررت فسيكون لنا موقفا تجاه تركيا التي يجب أن تفهم جيدا خطورة التدخل في شؤوننا». وكان إردوغان قد وصف في مقابلة بثتها قناة «الجزيرة» القطرية انعقاد البرلمان الليبي في مدينة طبرق بأنه «خطأ»، وقال: «من يريد أن يدير البلاد، فعليه أن يديرها من طرابلس وليس من أي مدينة أخرى».
وفى تفسيره لهذا الموقف العدائي التركي المفاجئ، كشف المهندس فتح الله السعيطي عضو البرلمان الليبي النقاب عبر صحفته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عن أن رفض صالح عقيلة رئيس البرلمان تلبية دعوة إردوغان له بحضور حفل تنصيبه أخيرا تقف وراء هذا الموقف التركي. وأضاف: «جرى اتصال قبل أيام برئيس مجلس النواب، وقدم التهنئة بعقد جلسات المجلس في طبرق، وأرسل دعوة إلى السيد الرئيس لحضور تنصيبه على تركيا العلمانية، ولكن جرى رفض الدعوة، وأمس، خرج على (الجزيرة) القطرية، لكي يقول لنا: أين نجتمع».
وتابع: «لقد ولى زمن الإملاءات مع المؤتمر الوطني (البرلمان) السابق، ونحن أحرار نجتمع في أي مكان تحت السماء وفوق الأرض الليبية».
إلى ذلك، قصفت طائرة حربية مقر شركة محلية بالمدخل الغربي لمدينة درنة التي تُعدّ المعقل الرئيس للجماعات المتطرفة في شرق البلاد. ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن شهود عيان أن طائرة حربية أطلقت 3 صواريخ، أصابت أحد المستودعات، مما أدى لاشتعال النيران فيه، من دون أي إصابات بشرية.
من جهة أخرى، اجتمع وفد مشترك من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبعثة الاتحاد الأوروبي مع مسؤولين بمدينة مصراته، بينما قالت قوات «درع الوسطى»، عبر الناطق الرسمي باسمها أحمد هدية، إنها على استعداد للتحاور مع المبعوث الأممي إلى ليبيا برناردينو ليون، تحت ضمان المجتمع الدولي. كما لفتت إلى أن الاجتماع استعراض جملة من الحلول التي من شأنها خلق بيئة للحوار الوطني الشامل، الذي يضمن بناء الدولة، ودور مدينة مصراته في إرساء دعائم السلم والأمن والاستقرار في ليبيا، والحوار والمصالحة الوطنية.
من جهته، أعلن الناطق الرسمي باسم قوات درع ليبيا الوسطى أنها على استعداد للتحاور مع المبعوث الأممي إلى ليبيا، مشيرا في مؤتمر صحافي عقده مساء أول من أمس إلى أن ثوار فبراير الشرفاء يؤكدون رفضهم للتدخل الأجنبي في ليبيا تحت أي ذريعة، متعهدين بملاحقة كل من يتورط بهذا الصدد.
وفيما بدا أنه بمثابة تأكيد للمعلومات التي انفردت بنشرها «الشرق الأوسط»، أخيرا، بشأن حدوث خلافات سرية في آخر اجتماع عقده قادة ما يُسمى بـ«عملية فجر ليبيا»، بعد سيطرتها على العاصمة الليبية طرابلس ومطارها الدولي، أعلن هدية عن تشكيل هيئة لتصحيح مسار الثورة تضم جميع المقاتلين الذين شاركوا في العملية.
ولفت إلى أن أهداف الهيئة تتمثل في استكمال أهداف ثورة الـ17 من فبراير، والالتزام بالمنهج الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة وفق خارطة طريق واضحة تضمن مشاركة عادلة لكل الليبيين، بالإضافة إلى تمكين الثوار من المشاركة في قيادة المرحلة الانتقالية.
في غضون ذلك، حشد التيار الإسلامي المتشدد أنصاره، أول من أمس، في العاصمة طرابلس وعدة مدن أخرى، في مظاهرات مؤيدة لعملية فجر ليبيا العسكرية التي تشنها منذ بضعة أسابيع ميليشيات مصراته وحلفائها من الجماعات المتطرفة ضد بقايا الجيش الليبي (كتائب الزنتان وجيش القبائل الليبية المتحالف معها) في طرابلس.
ودعا المتظاهرون إلى بناء دولة المؤسسات والقانون التي يشارك فيها الثوار، وباستبعاد أتباع النظام السابق ورفض التدخل الأجنبي والدعوة إلى إسقاط مجلس النواب ومحاسبة دولتي مصر والإمارات، بسبب مزاعم لم تثبت نهائيا عن تورطهما في القصف الجوي، الذي استهدف العاصمة عدة مواقع لميليشيات الزنتان في محيط مطار طرابلس الدولي، الأسبوع الماضي.
ووجه المتظاهرون رسالة إلى مجلس الأمن الدولي جددوا فيها رفضهم للقرارات الصادرة عن مجلس النواب، لتجاوزه الإعلان الدستوري، ولانعقاده خارج المكان الذي حدده هذا الإعلان، طبقا لما بثته وكالة الأنباء الرسمية.
كما شهدت مدينة بنغازي، مساء أول من أمس، مظاهرتين؛ الأولى مؤيدة لمجلس النواب وقراراته، والثانية معارضة له، حيث تجمع المئات من جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم في ساحة التحرير، معلنين عدم اعترافهم بانعقاد مجلس النواب بمدينة طبرق، ولكل القرارات التي صدرت عنه، ورفضهم لعملية الكرامة التي يشنها الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء متقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين في المدينة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.