رجال دين وسياسيون مغاربة: دور علماء الإسلام أساسي في محاربة الإرهاب

رحبوا بمبادرة خادم الحرمين.. ودعوا العلماء لأن يجعلوا من محاربة التطرف أولوية

حسن الكتاني، عبد السلام بلاجي  و عبد الباري الزمزمي
حسن الكتاني، عبد السلام بلاجي و عبد الباري الزمزمي
TT

رجال دين وسياسيون مغاربة: دور علماء الإسلام أساسي في محاربة الإرهاب

حسن الكتاني، عبد السلام بلاجي  و عبد الباري الزمزمي
حسن الكتاني، عبد السلام بلاجي و عبد الباري الزمزمي

أكد رجال دين وسياسيون مغاربة على ضرورة تصدي علماء الإسلام للفكر الإرهابي، ونوهوا بالدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في التصدي للإرهاب بالنظر إلى مكانتها الدينية، والإمكانيات التي تتوفر عليها من أجل محاربة الفكر المتشدد الذي يسيء إلى الإسلام والمسلمين، مشيرين إلى أن الدعوة التي وجهها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى علماء الأمة لأداء واجبهم والوقوف في وجه «من يحاولون اختطاف الإسلام وتقديمه للعالم بأنه دين التطرف والكراهية والإرهاب»، تدخل في هذا الإطار، مؤكدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن دور العلماء في محاربة الإرهاب أساسي، وينبغي أن يصبح من أولويات اهتماماتهم ويقدمونه على أي قضايا أخرى.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد البوكيلي، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، وأستاذ الفكر الإسلامي بجامعة محمد الخامس في الرباط، إنه لا يمكن لأي باحث في مجال الحركات الإسلامية والفكر الإسلامي إلا أن يحبذ مثل هذه الدعوة لمحاربة الفكر المتطرف لأن هذا الفكر، برأيه، لا يشكل خطرا على الأمة الإسلامية وأبنائها فحسب، وإنما يشوه بالدرجة الأولى حقيقة الإسلام على مستوى الصورة التي يقدمها للعالم.
وعد البوكيلي مبادرة خادم الحرمين الشريفين أنها إيجابية تؤيد ما نادى به الكثيرون ومنذ سنوات، ألا وهو ضرورة مواجهة الفكر المتطرف من خلال تعميم الفكر المتنور. وأوضح البوكيلي أنه من بين أبرز الأسباب التي أدت إلى ظهور الفكر المتطرف هو غياب تفعيل دور العلماء والمفكرين، والاقتصار على سياسات تنسيق دولية رغم أهميتها، مشيرا إلى أنه يستحيل اليوم القضاء على هذا الفكر من دون تفعيل موقع مؤسسة العلماء من أجل تربية الناس على الفكر المعتدل الوسطي. وأضاف أن «أخطر شيء في الفكر الإرهابي أنه يضعنا أمام معادلة صعبة، إما أن نربي الناس تربية إسلامية متحضرة وإما أن يجري اختراق المجال الديني بفهم آيديولوجي للإسلام غايته هو القتل والعنف».
وقال الباحث المغربي إنه ينبغي تشجيع دعوة خادم الحرمين الشريفين، وتحويلها إلى استراتيجية عملية للقضاء على هذا الفكر، والأسباب التي تؤدي إلى تأجيجه ومنحه المشروعية لإراقة المزيد من دماء المسلمين. وأضاف البوكيلي أن السعودية لديها من الإمكانيات ومن القوة لتشكل نموذجا للصورة المشرقة للإسلام غير المرتبط بقراءات معينة، بل بالانفتاح على العلماء وعلى كل من يخدم الإسلام بطريقة متحضرة ومنفتحة.
ونوه بدور المملكة العربية السعودية في الحوار بين أتباع المذاهب والأديان على قاعدة الحكمة والأخلاق، والإيمان بأن الأصل في الدين هو التسامح والمحبة وليس نشر الكراهية واستخدام الدين لأغراض آيديولوجية وسياسية وطائفية.
وأوضح البوكيلي أن من يتحمل المسؤولية في ظهور هذه الجماعات الإرهابية، وإن كان لا يمكن تبرير العنف بأي شكل من الأشكال، هو فراغ الساحة «إذ لو تمكنا من صناعة علماء كبار في مجال التربية لما كان لمثل هذه الأصوات أن تسطو على الإسلام، وأن تقدمه بهذه الصورة البشعة». وأردف قائلا إن هذه الحركات استطاعت تشويه صورة الإسلام بسبب غياب دور المفكرين والعلماء الصادقين الذين يعملون على نشر صورة الإسلام الحقيقية. واتهم البوكيلي من سماهم «أيادي شيطانية» تقف وراء هذه الحركات الإرهابية. وقال إن هدفهم هو ضرب الأمة الإسلامية من خلال تشويه دينها.
من جهته، قال الشيخ حسن الكتاني، رئيس جمعية البصيرة للدعوة والتربية، إنه إذا كان المقصود بالجماعات الإرهابية هي تنظيم «داعش»، فإن عددا من العلماء تصدوا منذ البداية لإجرام هذه الجماعة، وتحدثوا وكتبوا وبينوا حقيقتها، منوها بدور علماء السعودية بشكل خاص.
ويعتقد الكتاني أن عودة الفكر المتطرف إلى الظهور يعود لأسباب سياسية ودولية، وإلى خطأ في وسائل محاربته أدت إلى عكس ما كان مطلوبا، مشيرا إلى أن التصدي لهذا الفكر ينبغي أن يجري على أسس علمية من خلال فتح الباب أمام العلماء ليتحدثوا ضده.
بدوره، قال الدكتور عبد السلام بلاجي، النائب عن حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، متزعم الائتلاف الحكومي، إن دور العلماء في محاربة كل ظواهر الانحراف هو دور أساسي وحاسم لأن المجتمع الإسلامي يثق فيهم ويستمع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم، ومعالجتهم لمختلف القضايا، مضيفا أن الإرهاب «يبدأ بالتشدد والغلو، وهما ظاهرتان حاربهما الإسلام والقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم. وكانت هناك دائما دعوة إلى الوسطية في العقيدة والعبادات والسلوك وفي كل شيء».
وأوضح بلاجي أن دور العلماء هو تبصير الناس بهذه الوسطية والاعتدال اللتين جاءتا في مصادر الدين الإسلامي، متمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية وفي سيرة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين، مشيرا إلى أن «الغلو والتطرف هما مقدمة للإرهاب، فالشخص يبدأ بالتشدد على نفسه، فأسرته، ثم ينتقل إلى مجتمعه، فإذا خالفه المجتمع في الرأي يعاديه في المرحلة الأولى، وفي الأخير يحاربه بحسب الأسلحة التي يمتلكها أو يسعى لامتلاكها».
وأكد النائب في البرلمان المغربي أن الوقاية من الإرهاب خير من علاجه، وفي حال قدر الله ووقع، فينبغي على العلماء أن يقوموا بدورهم في محاورة المنحرفين الذين اقتنعوا بهذا التوجه، وأن يردوهم إلى جادة الصواب بالحجة والدليل والإقناع، وعدم تركهم فريسة لمن يصطادهم، لأن كل ذلك يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين والملتزمين بالدين والعلماء والمجتمع الإسلامي ككل. وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تضم المقدسات الإسلامية وهي قبلة للمسلمين، ولذلك فإن مسؤوليتها أكبر مقارنة مع الدول الأخرى. وأضاف أن هذه المسؤولية تشريف لهذا البلد وتكليف في الوقت ذاته، من أجل العمل على تبصير الآخرين بحقيقة الإسلام.
وفي سياق ذلك، وصف الشيخ عبد الباري الزمزمي، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل، الإرهاب بأنه «فتنة العصر الذي فتن بها المسلمون». وقال إنه كان من المفروض على العلماء أن يجعلوا هذا الموضوع من أولويات اهتماماتهم ويتفرغوا له ويقدموه عن أي قضية أخرى من أجل صد هذه الظاهرة وتوعية المسلمين بخطورتها لا سيما الشباب لأنهم ينخدعون أكثر بالإرهاب، ويظنون أنهم يقدمون خدمة للإسلام. فالشباب - يضيف الزمزمي -: «تغلب عليه الغفلة، فكلما سمعوا أحدا يتحدث باسم الدين انساقوا إليه واتبعوه، وهو ما نراه حاليا مع هذه الفرقة الجاهلية (داعش) وقبلها (القاعدة) وزعيمها أسامة بن لادن». وأوضح الزمزمي أنه إذا كان دور العلماء هو الدعوة إلى نبذ التطرف عن طريق الفكر، فإن على الدول في المقابل محاربة الإرهاب من خلال القوة والقوانين، مشيرا إلى أن السعودية من بين أوائل الدول التي عانت من الإرهاب وما زالت إلى اليوم مهددة من قبل الإرهابيين، لذا فإنه ينبغي عليها مقاومة الإرهاب بالصرامة اللازمة التي ليس فيها أي مكان لحلم أو رأفة. وأضاف الزمزمي قائلا: «فهؤلاء الإرهابيون لا يرحمون ولا يرقبون في المؤمنين (إلا ولا ذمة)، كما يقول الله سبحانه وتعالى، ولا تنفع فيهم لا شفاعة ولا حيلة ولا غيرها»، على حد تعبيره.
وحول أسباب عودة الفكر المتطرف بقوة إلى الظهور، قال الزمزمي إن أوضاع المسلمين هي نفسها غرس للإرهاب، ينمو فيها بسهولة وبتلقائية، محذرا في هذا الإطار من خطورة رد الفعل على التشيع في بعض الدول الإسلامية.
وحبذ محمد خليدي، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة الإسلامي، توجيه الدعوة إلى العلماء لمواجهة ظاهرة الإرهاب لأن دورهم رئيس من أجل وضع حد لهذه الآفة التي أصبحت تنتشر بقوة، ونبه إلى خطورة الفتاوى التي تؤيد الجماعات المتطرفة، لا سيما في أوروبا، والتي تدفع العشرات من الشباب إلى الالتحاق بالمقاتلين، ظنا منهم أنهم ينتصرون للإسلام، موضحا أن التصدي للإرهاب مسؤولية تقع على المجتمع برمته لأن الظاهرة اتخذت منحى تصاعديا وخطيرا يتمثل في القتل والاغتيالات المجانية، التي تنفذها هذه الجماعات على مرأى ومسمع من العالم، الأمر الذي يؤثر، بنظره، بشكل سلبي على صورة الدين الإسلامي. مشيرا إلى أن دعوة خادم الحرمين الشريفين تدخل في هذا الاتجاه.
من جهته، قال محمد أبيض، الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري (معارضة برلمانية) إنه من المؤكد أن العالمين العربي والإسلامي يعيشان اليوم منعطفا خطيرا في مسارهما التاريخي الطويل والحافل، وأن محاولة ترسيخ هذا النوع من الارتباط العضوي بين «الإرهاب» وبين هذين العالمين بالتحديد، تنم عن حضور قوي لنزعة حاقدة ومتحاملة على هذا الجزء من العالم، وهو ما يشكل الخطر الأكبر، لا على العالم العربي وحده، ولكن على العالم بأسره.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.