مستشار الجيش الليبي: نستعد لمعركة طويلة مع المتطرفين وندعو العالم لدعمنا

قال لـ {الشرق الأوسط} إن «الإخوان» قسموا البلاد لبرلمانين وحكومتين.. ومصراتة تسعى لتكون عاصمة لإقليم الغرب

أحد المسلحين يرفع شارة النصر بعد السيطرة على مطار طرابلس الدولي أمس (أ.ف.ب) وفي الاطار مستشار الجيش الوطني الليبي محمد بويصير
أحد المسلحين يرفع شارة النصر بعد السيطرة على مطار طرابلس الدولي أمس (أ.ف.ب) وفي الاطار مستشار الجيش الوطني الليبي محمد بويصير
TT

مستشار الجيش الليبي: نستعد لمعركة طويلة مع المتطرفين وندعو العالم لدعمنا

أحد المسلحين يرفع شارة النصر بعد السيطرة على مطار طرابلس الدولي أمس (أ.ف.ب) وفي الاطار مستشار الجيش الوطني الليبي محمد بويصير
أحد المسلحين يرفع شارة النصر بعد السيطرة على مطار طرابلس الدولي أمس (أ.ف.ب) وفي الاطار مستشار الجيش الوطني الليبي محمد بويصير

قال مستشار الجيش الوطني الليبي، محمد بويصير، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجيش الذي أخذ الشرعية من البرلمان المنتخب الجديد، يستعد لمعركة طويلة مع المتطرفين، خاصة بعد سيطرة ميليشيات مصراتة على مطار طرابلس وحرقه أمس، وأكد على أن الجيش الوطني يدعو العالم للوقوف مع ليبيا في هذه المرحلة الخطرة التي يحاول فيها المتطرفون السيطرة على مقادير البلاد باستخدام القوة على الأرض، مشيرا إلى أن عدد الدبابات التي تملكها ميليشيات مصراتة يفوق عدد الدبابات التي تمتلكها دولة مثل تونس. واتهمت مصادر سياسية ليبية، وصلت أخيرا للتباحث مع الجانب المصري بشأن التطورات في الداخل الليبي، جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا التي ينتمي الكثير من قادتها لمدينة مصراتة الواقعة إلى الشرق من العاصمة طرابلس، بالتسبب في تقسيم البلاد لبرلمانين، أحدهما في الشرق والآخر، المنتهية ولايته، في الغرب، قائلة إن مصراتة تسعى لتكون عاصمة لإقليم الغرب، بينما أوضح بويصير في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن الواقع على الأرض يقول إن الأمور «متجهة إلى مجلسين تشريعيين وحكومتين، وهناك أسماء مرشحة لرئاسة الحكومة في الغرب، من بينها عمرو سليمان الحاسي، حيث إن هذا الاسم بدأ يطرح هناك بالفعل».
وينتمي عمرو سليمان الحاسي إلى الجماعة الليبية المقاتلة التي تأسست في أواخر ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان، ودخلت في مواجهات مع نظام العقيد الراحل معمر القذافي في منتصف التسعينات، ومن أبرز قادتها عبد الحكيم بلحاج الذي يصفه البعض بأنه أصبح بمثابة قائد جهاز مخابرات جماعة الإخوان وحلفائها من المتطرفين في ليبيا، رغم نفي بلحاج هذه المزاعم.
ومن جانبه أضاف مستشار الجيش الوطني الليبي أنه «للأسف ليبيا تستعد لمرحلة صعبة سيكون فيها برلمانان وحكومتان»، مشيرا إلى أن عملية حرق مطار طرابلس أمس وإشعال النيران في مبنى الركاب بالكامل، تعد عملية تخريبية، حيث إن هناك حديثا عن أن ميليشيات مصراتة ومن معها تريد تغيير قواعد الجغرافيا، و«يريدون طرابلس أن تكون تابعة لمصراتة أو شيئا من هذا القبيل، وبالتدريج يمكن أن يصلوا إلى تكوين دولة في المنطقة الغربية عاصمتها مصراتة، لأن معظم عناصرهم هم أساسا من مصراتة، واستغلوا ما يسمونه إنجازا بدخول مطار طرابلس، للعودة إلى السلطة، (من خلال إحياء عمل المؤتمر الوطني المنتهية ولايته)، رغم أن ما يعد إنجازا بدخول المطار ما هو إلا إنجاز تكتيكي، كما أراه، لأن المطار أصلا يعد منطقة سقطت سلفا.. هم أرادوا استغلال عملية المطار في الإعلان عن العودة للسلطة». وقال بويصير إن المجموعة التي تريد السيطرة على البلاد بالقوة «هم من رفضوا العملية الديمقراطية»، مشيرا إلى مشاورات جرت في السابق مع أطراف معنية بالشأن الليبي من الداخل والخارج، ومن بينهم السفيرة الأميركية في ليبيا، وأن الصورة التي جرى التحدث بشأنها تتلخص في أن التوجه المدني هو الذي ينبغي أن ينتصر من أجل إقامة دولة القانون وحماية المواطنين، والابتعاد عن حكم المجموعات المتشددة التي أدخلت البلاد في معارك دينية وجهوية يدفع الشعب الليبي ثمنها من استقراره وأمواله ومستقبله، مشيرا إلى أن الليبيين قاموا بالثورة من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وبناء الدولة.
وتابع قائلا إنه ينبغي عدم تجاهل أمر مهم، وهو أن القيادات التي برزت على السطح عقب «ثورة 17 فبراير (شباط)» لم ينتخبهم أحد، وإنما جرى جمع السلطة وإعطاؤها لهم، ولا يريدون الإقرار بالتحولات التي يرغب فيها الليبيون خاصة بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وأضاف: «على سبيل المثال.. المفتي (مفتي البلاد) وخالد الشريف (في وزارة الدفاع) وبلحاج لم ينتخبهم أحد، ولكن جمعت السلطة وأعطيت لهم، وهؤلاء وغيرهم وضعوا الدولة تحت سيطرتهم، ولا يريدون ترك السلطة». وقال إنه، في السنوات الثلاث الأخيرة، تكونت طبقة اجتماعية جديدة تعيش في الفيلات التي كانت تخص النظام السابق، وينعمون بالسلطة ومقدرات الدولة، ولا يريدون التخلي عن هذه المميزات.. البعض يحصل على تعويضات تقدر بـ300 ألف دينار ليبي في السنة (الدولار يساوي نحو 1.3 دينار)، وأعرف منهم أشخاصا كانوا يعيشون على المساعدات الاجتماعية والآن يعيشون في فلل من ثلاثة طوابق، كما أن المال الليبي العام جرى الإنفاق منه على حروب المتشددين في العراق وسوريا.
وتابع قائلا إن هناك نحو 170 مليار دينار ضاعت خلال فترة الحكم الأخيرة.. «ومبالغ كبيرة لا أحد يعرف عنها شيئا إلا هم. فكيف تتوقع أنهم يتركون هذه السلطة؟! هم الآن أقوى».
وعن إمكانات الجيش الوطني الذي يقوده اللواء خليفة حفتر، قال إنه يتحسن، وإن هذا الجيش يمكن الاعتماد عليه لاستعادة الدولة الليبية كما يريدها الليبيون لتحقيق العدالة والأمن والاستقرار، وتوفير الخدمات للجميع.. وقال إنه «يوم انطلاق حفتر لم يكن معه أكثر من 35 شخصا، وإن حفتر أعلن عملية الكرامة موقفا لتنبيه الجميع إلى المنزلق الذي تسير فيه البلاد بسبب المتطرفين، وهاجم المعسكرات الخاصة بهم.. الآن أوضاعه أفضل، وما زال يحتاج إلى وقت».
وفيما يتعلق بمطار بنينة، وهو المطار الرئيس في بنغازي، قال إنه «الآن مهدد. نحن أمامنا معركة طويلة وعلى العالم أن يقف معنا». وأضاف أنه يجري حاليا توجيه رسالة لسفراء العالم لمساعدة الجيش الوطني الليبي، «لأن الجيش الوطني أصبح منذ أمس، ووفقا للبيان الذي أصدره البرلمان، هو الجيش الرسمي للدولة. ولا يصح الصمت على ما تقوم به أطراف إقليمية معروفة في تخريب ليبيا».
وعن الموقف في بنغازي.. قال إنه «من ناحية الجيش أخذ مواقع من المتطرفين، وهم يحاولون السيطرة على مطار بنينة، وهم يقصفون بنينة من مناطق سيدي منصور ومن بوعطني.. القصة متداخلة والجماعة في المرج (مقر قيادة حفتر) قالوا لي إنه لا يوجد قلق، ويسيطرون على الوضع».
وعن معركة طرابلس الأخيرة التي دخلت فيها قوات مصراتة إلى المطار، قال إن «ما حدث في طرابلس هو نصر تكتيكي.. قوات الجيش الوطني فيها عناصر من كل مناطق الغرب، وهم (ميليشيات مصراتة) قصفوا المطار بكل أنواع الأسلحة حتى صواريخ سكود التي جرى استخدامها من خلال حاملتين.. وكذا الهاون والصواريخ من نوع جو جو، حيث استخدموها صواريخ أرض أرض.. الآن نسعى إلى تحقيق التوازن معهم، ولا تنسى أنهم أمضوا السنوات الثلاث والنصف الماضية وهم يجهزون أنفسهم، ولديهم دبابات أكثر من دبابات دولة تونس».
وأضاف: «رجالنا انسحبوا للخلف ناحية ورشفانة والمعركة لم تنته». وقال إن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا) حين انتفض مرة واحدة في العراق هرب الجيش. ونحن نواجه ظاهرة مماثلة وشبيهة بداعش مع الفارق، وغرروا بالشباب، بينما كثير من القبائل الأخرى لم تدفع بأبنائها في المعركة بعد. وأفضل ما قام به حفتر هو توحيد القوات الليبية.
وعن العلاقة بمصر قال إن «القاهرة لم تنم كما لم ننم بعد دخول (قوات مصراتة) لمطار طرابلس.. نحن بيننا وبين مصر رباط، حيث تنتشر العشائر الليبية في مصر، وأمن ليبيا من أمن مصر، والعكس صحيح».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.