جعجع لـ{الشرق الأوسط}: لست خائفا على الوجود المسيحي في الشرق

قال إن انسحابه من السباق الرئاسي اللبناني.. انتحار سياسي

جعجع لـ{الشرق الأوسط}: لست خائفا على الوجود المسيحي في الشرق
TT

جعجع لـ{الشرق الأوسط}: لست خائفا على الوجود المسيحي في الشرق

جعجع لـ{الشرق الأوسط}: لست خائفا على الوجود المسيحي في الشرق

حض رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع مسيحيي الشرق على التشبث بأرضهم على الرغم مما يجري حولهم «لأنهم ليسوا أجانب على الأرض، بل من صلبها»، معتبرا أن المسيحيين يواجهون ما يواجهه بقية أبناء البلاد التي يعيشون فيها، وهم ليسوا مستهدفين بالتحديد، لكنهم أقلية تتأثر أكثر من غيرها.
ورفض جعجع في حوار مع «الشرق الأوسط» نظرية «تحالف الأقليات» في المنطقة، معتبرا أن للمسيحيين خصوصية تمنعهم من التحالف مع أنظمة مماثلة للنظام السوري، الذي كان أكثر من آذى المسيحيين في لبنان وسوريا وتسبب في هجرة الكثير منهم.
وأكد جعجع أنه لم يقلل لحظة من «وحشية وإجرام تنظيم (داعش)، بل على العكس»، لكنه أكد أنه ليس «خائفا منهم بدليل أنه عندما وجدوا مَن يقاتلهم تراجعوا»، معتبرا أنهم «بطبيعتهم يحملون بطياتهم بذور فنائهم»، مشددا على ضرورة «مواجهتهم بشكل كامل ودون هوادة، لأن جماعات مثل (داعش) لا يمكن أن تتعامل معهم بغير المواجهة الكاملة وحتى النهاية». وقال: «يجب القضاء عليهم لأنهم بذور فساد في البشرية ككل، وهم أكثر من ألحق ضررا بالإسلام»، مشيدا بموقف المملكة العربية السعودية «التي أخذت موقفا حازما وواضحا بهذا الخصوص، لأن وجود هذا التنظيم هو أكبر تحدٍ للإنسانية بحد ذاتها».
وفي ما يلي نص الحوار:

* هل أنت خائف على وضع المسيحيين في الشرق والمنطقة؟
- ما يحصل للمسيحيين في الشرق كبير ومؤلم وخطير، لكن يجب أن نضعه في إطاره الصحيح الطبيعي، لأن البعض يحاول أن يتاجر بهذه القضية بالذات. نعم هو خطير ومؤلم وكبير، لكنه أتى في إطار صراع هائل في الشرق الأوسط يطال كل شرائح مجتمعاته سواء الإسلامية أم غيرها. طالت كل الطوائف والمذاهب، ومن جملتها تطال المسيحيين، وهذا التصويب مهم، لكي لا يصورها أحد على أنها حرب على المسيحيين بالتحديد. هذا إطار الأحداث في الشرق الأوسط.
ما يحدث للمسيحيين مؤلم جداً، علينا أن لا نبكي على الأطلال، بل أن نستنفر جميعنا ونقف إلى جانبهم. مثلاً مسيحيو سهل نينوى كلهم تهجروا وأصبحوا في كردستان، وقد أتت خطوة البطاركة الشرقيين بزيارتهم العراق في المكان الصحيح وكانت جيدة، وأهم شيء أن تعتبر كل الحكومات العربية نفسها معنية، والحكومات الغربية أيضا يجب أن تعتبر نفسها معنية معنوياً ومادياً لكي نساندهم ونرجعهم إلى أرضهم.
الهجوم المضاد الذي تقوم به القوات الكردية بالتنسيق مع القوات العراقية والقوات الجوية الأميركية هو عمل جيد ومهم، ونتمنى أن تنتهي في وقت قريب ويسترجع سهل نينوى وأن يرجعوا جميعهم من إقليم كردستان إلى قراهم في سهل نينوى. وهذا يتطلب مساعدة كل الدول العربية في أسرع وقت ممكن لإعادة بناء ما تهدم، ومساعدتهم في أن يستقروا في أرضهم وعدم التفكير في الهجرة إلى خارج الشرق الأوسط.
* المسيحيون كانوا الحلقة الأضعف في المواجهات التي تحدث في المنطقة، فهم تأثروا في العراق على موجتين.
- الحقيقة أنها ثلاث موجات، لأن هناك موجة لم يتكلم عنها أحد، وهي حدثت في التسعينات عندما بدأت العقوبات الغربية بعد الهجوم الغربي على صدام حسين وبدء المواجهة بين صدام حسين والغرب. حينها حصلت موجة، نادراً ما يحكى عنها والتي جعلت عدد المسيحيين (في العراق) يصبح مليوناً بعد أن كان مليوناً ونصف المليون. الموجة الأولى عندما قام صدام حسين بردة فعله على الغرب وغيّر علم العراق ووضع عليه عبارة «الله أكبر»، وتحول صدام إلى نوع إسلامي إلى حد ما. على سبيل المثال لا الحصر، منع بيع الكحول في كل العراق وأكثرية المسيحيين كانوا يعتاشون من تجارة الكحول في العراق، ومن جهة ثانية وبقرار واضح، لم يفتح لهم المجال لأن يكونوا في أي وظيفة لها أي أثر من وظائف الدولة. في تلك المرحلة هاجر نحو 300 إلى 400 ألف مسيحي عراقي بسبب هذا التضييق عليهم وقلة خياراتهم في فرص العمل.
ثاني مرحلة، من بعد سنة 2003 والفوضى التي لحقت بها، حيث هُجر نحو 200 إلى 300 ألف أيضاً، لكن أول موجة كانت أكبر. أما ثالث مرحلة هي المرحلة التي نراها اليوم والتي آمل أن يحد منها نجاح الهجوم المضاد وأن تكمل الدول العربية، وكل الفرقاء اهتمامهم بالمسيحيين الذين تهجروا من سهل نينوى كما يجب.
* هل المشكلة يمكن أن نلخصها بأنها في العراق فقط، أم أنها مسار موجه ضد المسيحيين؟
- من 100 سنة إلى اليوم الظروف لم تكن مواتية، أن يبقى المسيحي في أرضه. وأنا هنا أتكلم عن المسيحيين باستثناء مسيحيي لبنان، لأنهم بحث آخر مختلف تماماً. فمثلاً في سوريا يتحدثون الآن عما يحصل للمسيحيين، لكن في الحقيقة الهجرة الأولى للمسيحيين من سوريا حصلت من بعد التأميم، أي من بعد عام 1967. وقتها كانت هجرة كبيرة، بعد أن جاء حزب البعث إلى الحكم. المسيحيون كانوا متعايشين كثيراً في سوريا، في الخمسينات، قبل أن يصل حزب البعث كانوا متعايشين إلى حد كبير، ونحن نتذكر عندما أتى فارس الخوري رئيساً للبرلمان، كما أتى رئيساً للحكومة لفترة قصيرة. أما كرجال أعمال وتجار وصناعيين، فقد كان وضعهم منتعشا جداً. لكن عندما تسلم حزب البعث ضربت وضعيتهم بسبب عمليات «التأميم» التي حصلت، وأكبر دليل أن كثيرا من العائلات المسيحية الناجحة في لبنان في الوقت الحاضر في الصناعة والتجارة والأعمال منهم من جاء وقتها من حلب وجوارها. وكانت هذه أول هجرة فعلية حصلت.
ثاني موجة كانت على أثر الأحداث التي حصلت في السبعينات التي لم تَطَل المسيحيين مباشرةً، لكن المسيحيين لا يستطيعون أن يعيشوا في جو قمعي مثل الذي كان موجوداً في سوريا، وبعدها الذين بقوا تأقلموا مع الوضع كما هو.
ثالث موجة وهي التي تحصل الآن مع بدء الثورة السورية. كل شيء اسمه نظام ديكتاتوري أو نظام ديني لا يمكن أن يتعايش المسيحيون معه، وخلافا لما يفكر فيه البعض، أنا أعتقد أنه إذا صار هناك ديمقراطية - وفي نهاية الأحداث الحاصلة في الشرق الأوسط ولو بعد حين سوف يصبح هناك ديمقراطية - حينها يستعيد المسيحيون انتعاشهم، وقسم منهم يرجع إلى سوريا والعراق ويبنون من جديد لأنهم لا يستطيعون أن يوجدوا إلا في مناخات كهذه.
* لماذا التعامل مع المسيحيين كأنهم جالية غريبة في هذه المنطقة، وتكون «فشة الخلق» فيهم عند كل حدث أو عند كل منعطف، كيف تفسر هذا؟
- في الحقيقة هذا التوصيف ليس دقيقاً، اليوم إذا أردت أن ترى كم شيعياً أو سنياً قتلوا في العراق على سبيل المثال، وكم من المسيحيين والإيزيديين قتل، ستجد أن النسبة الأقل - لأن الأعداد ليست متشابهة - هي عند المسيحيين. لا يمكننا أن نعتقد أنه إذا أصبح هناك أحداث كبرى ممكن أن يكون المسيحيون بمعزل عنها، لكن بعض الفرقاء يستهدفهم مباشرة وهم سيئو الذكر «داعش» والقاعدة وأخواتهما، وليس هناك شك أنهم مرفوضون من قاموسنا جملة وتفصيلاً وهذا تحصيل حاصل. لكن لا يمكننا أن نسبغ هذه الصفة على الأحداث الحاصلة ككل. هذه الأحداث التي تحصل تمر على كل الناس ومن جملتها المسيحيون. هم من أبناء المجتمعات الأصليين، لذلك يلحقهم ما يلحق بهذه المجتمعات الأخرى، وأنا أنظر لها من هذا المنظار، ويجب أن نساعدهم لأنهم أقل من غيرهم، غيرهم يتحمل كما قال لي أحد مطارنة العراق من أن الفارق هو أن الشيعة في العراق تقريباً 15 مليوناً، فيما أن خسارة 2000 من المسيحيين هو عدد كبير، لذلك علينا أن نقدم لهم عناية خاصة لمسيحيي العراق وسوريا.
* إلى متى يستطيع مسيحيو الشرق أن يبقوا صامدين بسبب هذه الموجات؟
- يجب أن يبقوا صامدين، لأنهم ليسوا أجانب على الأرض، بل من صلبها وخصوصاً مسيحيو سهل نينوى. هم في أساس الثقافة الموجودة هناك، إن كانت آشورية أو كلدانية أو سومرية أو سريانية، هم ليسوا مستوردين أو جاءوا بالأمس إلى هذه الأرض. لذلك عليهم أن يتوحدوا ويتمسكوا بأرضهم. لا شك أن الأمر صعب وعلينا أن نقوم بمساعدتهم ليتمسكوا لكن في البداية هم من يجب أن يتمسك لأن أرضهم لها حق عليهم.
* ما رأيك في نظرية تحالف الأقليات في المنطقة التي يروج لها.. البعض يقول إن هناك وحشا كبيرا يأتي إلى المنطقة وعلى الأقليات أن تتوحد مع بعضها لكي تستطيع أن تدافع عن نفسها؟
- أنا لست مع هذه النظرية بكل صراحة، فمن هم الأقليات؟ مثلاً، النظام في سوريا يعتبر أقليات فهل يمكن لأي مسيحي عاقل يحفظ الحد الأدنى من الإنجيل ومن القيم التي من المفترض أن يتحلى بها الإنسان، أن يمشي مع هذا النظام؟ طبعاً لا. ثانياً إذا فكرت عملياً على سبيل المثال لا الحصر، من ألحق أكبر ضرر بمسيحيي سوريا ومسيحيي لبنان؟ النظام (السوري) نفسه، مسيحيو سوريا من خلال الممارسات السابقة التي حصلت، فإذا هاجروا مع استلام البعث وفيما بعد نظام الأسد رويداً رويداً، فهذا لا يعني أنهم لم يهاجروا. نعم هاجروا. وهذا لا يعني أن نظام الأسد إذا قال إنه دخل إلى لبنان لكي يساعد المسيحيين، وهو عملياً الوحيد الذي كسر ظهرهم، ولنتذكر بالأحداث المباشرة سنة 1990 كان هناك حزبان كبيران عند المسيحيين، حزب القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر، من الذي ضربهما؟ نظام حافظ الأسد وفيما بعد نظام بشار الأسد. أخاف أحدهما إلى حد أنه هرب إلى فرنسا، والثاني لم يستطع أن يخيفه، فحاول اغتياله، ولما فشل، وضعه في السجن. إذن كيف هو تحالف الأقليات.
ومن جهة ثانية نحن بصفتنا مسيحيين لدينا سلم قيم معينة، وطرح معين بما يتعلق بكل شيء في الشرق الأوسط. نتحالف مع الذي ينسجم مع هذه الطروحات وتكون طروحاته شبيهة بطروحاتنا أيا كان، ونتخاصم مع الذي عنده طروحات مضادة وهذه تكون المقياس.
* يأخذ البعض عليك أنك قللت من أهمية «داعش» ومثيلاتها، ألا تخاف من هذه الظاهرة؟
- أنا لم أقلل للحظة من وحشية إجرام «داعش»، بل على العكس، أنا أراهم جماعة من المجرمين، وأعتبرهم منحرفين حتى إشعار آخر. لأنني لا أتصور أن هناك بشرياً، مهما كانت عقيدته يستطيع أن يقتل إنسانا أمام الكاميرا بدم بارد وهو أسير عنده. هذه حصلت في القرون الوسطى وما قبل، ولم تحصل من بعدها، النازيون فقط قاموا بها والآن «الداعشيون» يقومون بها. وانطلاقاً من تصرفاتهم وعقيدتهم الفعلية وليست الظاهرية، فلا أرى أن لديهم مقومات استمرار أو مقومات بناء شيء جدي. هم موجودون لأن هناك حالة فوضى عارمة في سوريا والعراق، لكن في أي وضع من الأوضاع يكون فيه حد أدنى من النظام، فهم لا يمكن أن يكون لهم وجود، وأنا لا أخاف منهم من هذا المعنى والمنطلق، وليس لأنني لا أرى إجرامهم ووحشيتهم ونزعتهم التدميرية، لكني لست خائفاً منهم، بدليل أنهم عندما وجدوا من يقاتلهم تراجعوا. هم احتلوا سد الموصل، ثم خرجوا منه خلال يومين عندما لاقوا مواجهة، فعلينا أن لا نأخذ فكرة أن بروزهم من مناطق كثيرة وكأنهم جيش جرار، لا يمكن توقيفهم إلا بجيش الحلف الأطلسي وهذا ما أعنيه. على الرغم من تأكيدي على دمويتهم فهم من قرون ما قبل الجاهلية وهذا ما يجعلك لا تخاف منهم. أولاً لأنه لا شيء أخافنا منذ آلاف السنين إلى الآن في الشرق الأوسط، ثانياً لأنهم بطبيعتهم يحملون بطياتهم بذور فنائهم وهذا ما يجعلني لا أتخوف منهم.
* وكيف ذلك؟
- عقيدتهم وقناعتهم وتصرفاتهم، بدليل أنه أول مرة منذ زمن كتلوا كل العالم ضدهم.. الأكراد والسنة المعتدلون والعشائر والشيعة يتكتلون ضدهم فتصور ذكاء تنظيم «داعش»، آخر فترة نرى كم كانوا جميعهم متباعدين، لكنهم جمعوهم ووحدوهم ضد تنظيمهم. حتى الرئيس الأميركي باراك أوباما قام على الفور وبدأ بالضربات الجوية من بعد أن كانت عقيدة عنده وليست سياسة بعدم التدخل الأميركي في الخارج. هذه الجماعات متوحشة جداً، لكن في أي عمل يقومون به سيفشلون، لذلك هم يحملون بطياتهم بذور فنائهم.
* كيف هو السيل للتعاطي معهم في هذه المرحلة؟
- تجب مواجهتهم بشكل كامل ودون هوادة، لأن جماعات مثل «داعش» لا يمكن أن تتعامل معهم بغير المواجهة الكاملة وحتى النهاية. يجب القضاء عليهم لأنهم بذور فساد في البشرية ككل، وهم أكثر من ألحق ضررا بالإسلام، ولذلك اتخذت المملكة العربية السعودية موقفاً حازماً وواضحاً بهذا الخصوص، لأن وجود هذا التنظيم هو أكبر تحدٍ للإنسانية بحد ذاتها. وبغض النظر عن حجم خطرهم لكن معنوياً أن يوجد في القرن الـ21 نوعية بشر كتلك غير ممكن. كأن البشرية عاشت 21 قرناً من دون أن تفعل شيئاً وكأنه لم يحصل حضارات ولا ثقافات ولا تقدم بالمفاهيم، فـ«داعش» هم عكس الإنسانية وعكس الإسلام والمسيحية، وبالتالي هم سرطان يجب استئصاله في أسرع وقت ممكن.
* هل تخاف منهم في لبنان؟
- كلا
* حتى بعد أحداث بعد عرسال؟
- أيضا لا أخاف منهم.. على الرغم مما انتهت إليه أزمة عرسال، على الرغم من أنه كانت نواطير مصر قد نامت عن ثعالبها.
* لماذا كانوا نائمين؟
- عندما تكون هناك سلطة سياسية غائبة عن الوعي، فهي غائبة عن الوعي في كل شيء. عندما يقوم ما يسمى بأمير «داعش»، قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من أحداث عرسال أو شهر، ليقول بما معناه: «سنهدم أسوار سجن رومية». كما أن أجهزة المخابرات شعرت أن هناك شيئا ما غير اعتيادي يحصل. ومع هذا كان هناك استرخاء أمني وعسكري، فليس هناك جدية في التعاطي مع الأمور.
كلنا نعرف أن «داعش» إذا أرادت أن تأتي إلى لبنان فسوف تأتي من الحدود الشرقية، فلماذا لا نغلق الحدود الشرقية؟ يقولون إن عدد الجيش لا يكفي. نعم هذا صحيح لكن هناك 50 دولة طرحت علينا أن تساعد الجيش اللبناني لضبط الحدود اللبنانية السورية، لماذا لا نأخذ العروض هذه؟ وبوسائل تقنية متطورة تكلف 5 عسكريين كل 10 كلم، وبالتالي فالجيش قادر على فعلها بسهولة، لكن هذا لم يحصل لماذا؟ لأن الشباب في حزب الله لا يريدون ضبط الحدود اللبنانية السورية لكي يقوموا بهواياتهم المفضلة عند الحدود (اللبنانية - السورية) بالتسلق والهرولة والسباحة!
* في مناطق البقاع الشمالي، صدرت تقارير أن المسيحيين في تلك المنطقة بدأوا بإقامة الأمن الذاتي، وهناك كلام أن القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر يشاركان بها.
- ليس صحيحاً أن مناصرينا شاركوا، والوضع في تلك المنطقة كما هو لا يحتاج إلى حراسة. ماذا تفعل له الآن طالما الجيش والقوى الأمنية أمامهم بكيلومترات كثيرة تصل إلى 40 كيلومترا، لكن ما يحصل، أن البعض، وللأسف بتشجيع من بعض الأجهزة الأمنية في الدولة ولأسباب سياسية بحتة، وليس لأسباب فعلية لحماية القرى، يقومون بتحرك ما. ومن دون شك أن هناك بعض أصحاب الوجدان الحي الذين يفكرون أن هذه القرى يجب حمايتها لكنهم أقلية. وعملياً المجموعات التي تراها تتسلح في تلك المنطقة هي مجموعة أحزاب 8 آذار، ولو أن 8 آذار فعلياً يريدون حماية تلك القرى المسيحية لكانوا طالبوا معنا بضبط الحدود اللبنانية السورية، وهذا الذي يحمي الحدود اللبنانية السورية بالفعل. فلو - لا سمح الله - تمكنت هذه المجموعات المسلحة من أن تخترق الجيش في عرسال، فماذا يستطيع هؤلاء القلة من الشباب المسلح في القرى أن يفعلوا أمامهم؟ هل يستطيعون منعها وتوقيفها؟ بالتالي حماية القرى المسيحية في منطقة البقاع الشمالي تكون بضبط الحدود اللبنانية السورية وهذا ما ترفضه قوى 8 آذار لأسباب معروفة.
* ألا يعيش مسيحيو لبنان برأيك حالة خوف من هذا المد الذي يأتي صوبهم؟
- ليس هناك مد يحصل، أقله في الوقت الحاضر. لكن من دون أدنى شك هي تخلق نوعاً من القلق، لكن بكل صراحة نحن في القوات اللبنانية في الأسابيع الأخيرة نسعى بكل جهدنا لطمأنة الناس، وأن هذا الذي يحصل هو يحصل في سوريا وفي العراق ولا يمكن أن يحصل في لبنان لأسباب كثيرة، ونحن نلاقي أذاناً صاغية.
* لكن هناك قوى أساسية، كالتيار الوطني الحر تطلق صرخات الإنذار من هذا الخطر.
- هناك بعض الأحزاب السياسية كل ما تقوم به هو تخويف المسيحيين، وما نقوم به نحن هو العكس تماماً. ولو كان في العراق «داعش»، من قال لكم إنهم سيأتون إلى لبنان ويفعلون كذلك، أو هم قادرون أصلا على الوصول إلى لبنان، وإن وصلوا ستكون مقبرتهم هنا.. ليس أقل من ذلك.
* يقال إن مزاج الشارع المسيحي هو مزاج الخائف وبالتالي هو مع الفكر الذي يطرحه التيار الوطني الحر تحديداً بما يتعلق بالشارع، إذا أجريت الانتخابات الآن، هل تخافون من الشارع المسيحي أم لا؟
- كلا، والدليل أنه على الرغم من أن كثيرا من حلفائنا مع التمديد (لولاية البرلمان الحالي)، لكن نحن لسنا معه وانطباعاتنا بالعكس، الرأي العام المسيحي قسم منه غش سنة أو اثنتين، لكن في النهاية الأمور أصبحت واضحة عنده وبالأخص من خلال طريقة التعاطي بموضوع رئاسة الجمهورية. أنا لا أرى الوضع هكذا على الإطلاق، لكن من دون شك أن هناك قلقاً يحصل هنا أو هناك ونحن نسعى ليلاً ونهاراً لكي نغيّر هذا القلق، لكن للأسف يأتي فرقاء آخرون يعززون هذا القلق. أنا أتمنى أن تجرى الانتخابات غداً لنرى بالضبط أين أصبح الرأي العام المسيحي.
* هل سيكون هناك انتخابات؟
- رأينا أن يكون هناك انتخابات، لكن هل سيكون انتخابات أم لا، علينا أن نرى أكثرية الكتل في المجلس النيابي ماذا تريد أن تفعل.
* يبدو أن هناك مسارا يتجه نحو التمديد.
- المواقف لم تتضح الآن، لكن موقفنا ليس مع التمديد، بل مع إجراء انتخابات على الرغم من غياب رئيس الجمهورية، لأن هذه معضلة دستورية كبيرة جداً، لا أنكر هذا، معضلة دستورية في أن تجري انتخابات نيابية في غياب رئيس الجمهورية وماذا يحصل في الحكومة، كيف ستتشكل ومن سيكلف، فهناك مجموعة معضلات دستورية سترافق حصول انتخابات نيابية. وبالتالي الأفضل أن تذهب إلى ما هو طبيعي وهو حصول انتخابات.
* في حال جرى الاتفاق على التمديد، ماذا سيكون موقفكم؟
- موقفنا سيبقى نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا علينا أن نفعل.
* اليوم نحن أصبحنا 100 يوم من دون رئيس، إلى متى سنبقى كذلك؟
- صراحة، لا أرى نهاية سريعة للمأزق الرئاسي، طالما أن العماد عون مصر على رأيه الذي يقتضي أن يكون هو رئيس الجمهورية أو أن لا يكون هناك رئيس للجمهورية. ومن جهة أخرى هذا الموقف يناسب حزب الله كثيراً، الذي يختبئ خلفه، لأن بالنسبة لحزب الله، الأفضل أن لا يكون هناك رئيس في الأصل، وبالأخص بعد تجربته في السنة الأخيرة مع الرئيس ميشال سليمان، لذلك لست متفائلا بحل سريع لأزمة رئاسة الجمهورية، لكن نحن لن نستسلم وسنكمل ضغوطنا إلى حد أن نتمكن في أن تحصل انتخابات رئاسة الجمهورية.
* هل أنت مستمر في ترشحك؟
- طبعاً.
* ليس هناك استعداد للمقايضة بهذا الموضوع؟
- طبعاً لدي استعداد كبير جداً في أن أبحث بأي حل ممكن للخروج من مأزق انتخابات رئاسة الجمهورية، لكن على أساس الخروج بحل. لكن ليست الفكرة أن لا أستمر في ترشيحي وليس هناك حل، فأنا مستمر في ترشيحي رغم عدم تمسكي به إلى أن نرى حلاً بديلاً والوصول إلى مخرج للانتخابات الرئاسية، أو إلى حين الوصول إلى رئيس جمهورية جديد.
* هناك بعض الأطراف داخل مسيحيي 14 آذار توحي أنها قادرة على تأمين نوع من الأصوات من الطرف الثاني.
- أنا فوراً أسير بالموضوع عندما يتأكد هذا الشيء، وليس لدي أي مشكلة. لست أبداً مرشح «أنا أو لا أحد» على الإطلاق، لكن نريد حلا بديلا، لأنه بغياب الحل البديل يكون مجرد انتحار الانسحاب على طريقة «الفن للفن». وإذا كان هناك أي فريق أو شخص من 14 آذار يعتبر أنه قادر على أن يحصل على تأييد الآخر، فأنا لا أتمسك، لكن ليس هذا الواقع الآن، لا يوجد أحد يستطع أن ينال تأييد الفريق الآخر.
* ليس هناك بحث جدي في موضوع الانتخابات الرئاسية.. لماذا؟
- بتمترس العماد عون في موقفه، فبماذا تستطيع أن تبحث؟ هذا يعني أن الفريق الآخر غير قادر على أن يبحث معك عن حال آخر، لديك حل واحد متوفر وهو أن تذهب إلى انتخابات وليفز من يستطيع أن يؤمن الأصوات المطلوبة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.