مخيم «بحركة» في أربيل يجمع كافة مكونات الموصل

أم رضوان قتل زوجها أمام عينيها فهربت مع أطفالها الخمسة مشيا على الأقدام

نازحات بمخيم بحركة بأربيل، نازحو بحركة يصطفون لتلقي المعونات الغذائية، مشهد لمخيم («الشرق الأوسط»).
نازحات بمخيم بحركة بأربيل، نازحو بحركة يصطفون لتلقي المعونات الغذائية، مشهد لمخيم («الشرق الأوسط»).
TT

مخيم «بحركة» في أربيل يجمع كافة مكونات الموصل

نازحات بمخيم بحركة بأربيل، نازحو بحركة يصطفون لتلقي المعونات الغذائية، مشهد لمخيم («الشرق الأوسط»).
نازحات بمخيم بحركة بأربيل، نازحو بحركة يصطفون لتلقي المعونات الغذائية، مشهد لمخيم («الشرق الأوسط»).

على بعد نحو 13 كلم شمال مدينة أربيل يتمركز مخيم بحركة للنازحين، المخيم الذي أنشأ حديثا ليضم أكثر 2500 نازح من جميع مكونات سهل نينوى. مئات العوائل العربية والكردية والتركمانية والمسيحية توزعت على شكل خيام تجاور الواحدة منه الأخرى، فبعد إن كانت هاربة في الأمس من «داعش»، أصبحت اليوم في ملاذ آمن في أربيل.
صابور بايز كاظم مواطن كردي من الطائفة الكاكائية جاء مع عائلته إلى أربيل، بعد أن سيطر مسلحو «داعش» على قريته في قضاء الحمدانية قبل أسابيع، وجرى إيواؤه في مخيم بحركة. قال كاظم لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن انسحبت قوات البيشمركة من قرانا في الحمدانية في السابع من أغسطس (آب) الحالي، هربنا نحن من قرانا التي كانت قريبة من الجبهات الأمامية بين البيشمركة و(داعش)، أنا لا أملك أي وسيلة نقل، اضطررت أن أخرج ليلا مع عائلتي المكونة من سبعة أفراد بعد سماع خبر تقدم (داعش) باتجاهنا، واستمررنا بالمشي ليومين إلى أن وصلنا إلى أربيل، حيث نمنا تلك الليلة في العراء، ثم دخلنا أربيل وجرى إيواؤنا في هذا المخيم».
وتابع كاظم: «الأوضاع هنا صعبة، فرغم أن المشرفين على المخيم يوفرون لنا الطعام والماء باستمرار، فإننا نعيش حالة نفسية صعبة؛ تركنا أموالنا وبيوتنا وماشيتنا، وهناك أخبار تقول إن (داعش) نهبت بيوتنا وأخذت مواشينا، لذا نريد أن نعود إلى مناطقنا لنطرد (داعش) منها».
في الجانب الآخر من المخيم، جرى إيواء عوائل موصلية أخرى في قاعات كبيرة، حيث قسمت عن طريق أقمشة نسيجية إلى عدة غرف تسكن في كل واحدة منها عائلة من العوائل النازحة على اختلاف قومياتها وطوائفها، فعدد النازحين في الإقليم (بحسب المصادر الرسمية) وصل إلى أكثر من مليون ومائتي ألف نازح من جميع أنحاء العراق. الزائر لمخيم بحركة يشاهد عشرات من الشبان الكرد المتطوعين الذين يعملون في المخيم على مدار الساعة لخدمة النازح وتلبية متطلباتهم، لكن أعداد النازحين كبيرة جدا.
يحمل كل نازح من هؤلاء في مخيلته صورة وقصة حزينة وألما بسبب نزوحه من مدينته، لكن قصة أم رضوان النازحة الموصلية كانت مروعة وحزينة؛ أم رضوان نازحة من منطقة حي صدام وسط الموصل، وهي أم لخمسة أطفال لا يتعدى عمر كبيرهم التسع سنوات، قُتل زوجها قبل أن تهرب هي وأطفالها إلى أربيل.
وروت أم رضوان قصتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «قُتل زوجي أمام عيني في منزلنا بحي صدام في الموصل، قتلوه لأنه كان من أفراد الشرطة، وذلك في الأيام الأولى لسقوط الموصل، هربت أنا وأطفالي الخمسة إلى أربيل، وجرى إيواؤنا في مخيم خازر، لكن (داعش) هاجمت خازر خلال الأسابيع القليلة الماضية، فهربت مرة أخرى مع أطفالي إلى ناحية كلك في أربيل».
وتضيف هذه النازحة: «توجهنا مشيا على الأقدام من خازر إلى كلك هربا من المواجهات العسكرية التي دارت بين (داعش) والبيشمركة»، مستدركة بالقول: «نزفت أقدام الأطفال دما نتيجة المشي وشدة حرارة الجو، لأن أحذيتنا تقطعت، ومشينا مسافة طويلة حفاة».
ودعت أم رضوان التي أصبحت المعيلة الوحيدة لعائلتها بعد أن فقدت زوجها، العالم إلى تسهيل سفرها إلى الخارج، لأنها تخشى العودة إلى الموصل حتى وإن عاد المواطنون إليها، لفقدانها الثقة في المجاميع المسلحة والحكومة العراقية، وتخشى أن يقتلوا أولادها أيضا.
المواطن محمد حسن نازح تركماني من الموصل كان يحمل بيده وجبة غذاء الظهيرة التي تسلمها من المطعم الذي أنشأته مؤسسة بارزاني الخيرية بالتعاون مع منظمة الغذاء العالمي في المخيم، قال محمد لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع الحالي أفضل من السابق، نتسلم يوميا وجبتي الغذاء والعشاء، ويطبخون لنا اللحم مرتين في الأسبوع»، لكنه شكا من الأجواء الحارة وإصابة الأطفال بالجفاف نتيجة الحر رغم تزويدهم بالكهرباء وتسلمهم مبردات هواء.
وقررت حكومة الإقليم نقل مخيم خازر إلى ناحية بحركة بعد أن شهد خازر عمليات عسكرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، فاختارت ناحية بحركة لإنشاء مخيم واسع يؤوي جميع النازحين الذي نزحوا من محافظة نينوى إلى أربيل، حيث يتواصل العمل في توسيع المخيم ليسع أعدادا أكبر من النازحين الذي يأتون باستمرار إلى إقليم كردستان من المحافظات العراقية الأخرى.
مؤسسة بارزاني الخيرية هي المؤسسة الوحيدة التي فتحت لها فرعا داخل مخيم بحركة، لتشرف باستمرار على أوضاع النازحين، حيث توفر المؤسسة، وبالاشتراك مع منظمة الغذاء العالمي، وجبات الطعام اليومية للنازحين، إضافة إلى الدواء والماء والملاءات والمبردات، والاحتياجات اليومية الأخرى.
وقال محمد بهاء الدين محمد مسؤول فرع مؤسسة بارزاني الخيرية في مخيم بحركة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نستقبل يوميا أعدادا كبيرة من النازحين العراقيين من جميع القوميات والأديان، ونوفر لهم جميع المستلزمات اليومية، إضافة إلى توفير وجبتين من الطعام بالتعاون مع منظمة الغذاء العالمي، وهما وجبة الغذاء والعشاء».
وتابع محمد: «المؤسسة توفر أغلبية هذه المواد للنازحين مع تعاون من قبل الخيرين من أربيل والمنظمات الدولية. حاليا، نوفر الغذاء لأكثر من 450 عائلة نازحة، أي أكثر من 2500 شخص. مؤسستنا توفر الغذاء والدواء وجميع المستلزمات لأكثر من مليون ومائتي ألف نازح في جميع أنحاء الإقليم، لكن الأعداد تتزايد، وهي أكبر من طاقة الإقليم، لذا نحتاج إلى مساعدات دولية كبيرة لاحتواء هذه الأزمة».
وحول أسباب إخلاء الإقليم لمخيم خازر ونقله إلى بحركة، قال محمد: «مخيم خازر كان يستوعب ألف عائلة، لكن بسبب المعارك الأخيرة بين قوات البيشمركة ومسلحي (داعش) بالقرب من جسر خازر، جرى نقل النازحين إلى مخيم بحركة، الأعداد تتضاعف هنا، فاتفقنا مع منظمة كوردس والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين على توسيع هذا المخيم، وسيجري في المرحلة الأولى نصب 500 خيمة في المنطقة، ثم نجمع جميع العوائل النازحة الموجودة في أربيل، وننقلهم إلى هذا المخيم».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.