كيري يعلن بعد 20 ساعة مفاوضات إحراز تقدم بين الفلسطينيين والإسرائيليين

وزير الخارجية الأميركي يتوجه إلى السعودية اليوم

وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع صائب عريقات في رام الله أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع صائب عريقات في رام الله أمس (أ.ب)
TT

كيري يعلن بعد 20 ساعة مفاوضات إحراز تقدم بين الفلسطينيين والإسرائيليين

وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع صائب عريقات في رام الله أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع صائب عريقات في رام الله أمس (أ.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري للصحافيين أمس، إنه جرى إحراز تقدم نحو التوصل إلى اتفاق إطاري للسلام، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، إلا أنهما لم يتوصلا إليه بعد.
وكان كيري يتحدث بعد محادثات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس استمرت نحو ثلاث ساعات في رام الله بالضفة الغربية في عاشر زيارة يقوم بها إلى المنطقة في محاولة لدفع السلام. وأضاف كيري: «أعتقد أن لدينا فرصة لإيجاد اتفاق في إطار يضع حدا لإنهاء النزاع ويكون دليلا لذلك».
وأضاف: «لقد لمسنا الرغبة من الطرفين لتحقيق السلام، لكن لا يزال هنالك المزيد للقيام به»، مؤكدا أنه سيزور السعودية اليوم لبحث عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية مع الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وتكتم مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون على نتائج المباحثات الماراثونية التي أجراها كيري بين القدس ورام الله في اليومين الماضيين، أفرد فيها أكثر من 20 ساعة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني.
وعلى الرغم من أن كيري جعل أغلبية اجتماعاته مع الرئيسين، كل على انفراد، لكن مصادر متطابقة أكدت استمرار وجود خلافات حول خطة كيري لاتفاق إطار، إذ قدم الفلسطينيون والإسرائيليون تحفظات على أفكار كيري الجديدة قبل أن يطير اليوم إلى الأردن والمملكة العربية السعودية لمزيد من المشاورات حول الأمر.
والتقى كيري بنتنياهو أربع مرات وبعباس مرتين، الجمعة والسبت، وكل لقاء دام من أربع إلى خمس ساعات، في محاولة للدفع باتفاق إطار أولي. ولم يقدم كيري خطة مكتوبة لكنه واصل نقاش أفكار خاصة بالوضع السياسي والأمني.
وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، إن الحوار واللقاءات مستمرة مع الجانب الأميركي، وإن اجتماعات مكثفة عقدت واستمرت لساعات على مدى يومين، نوقش فيها كل المواقف والاقتراحات.
وأضاف أن «الرئيس أكد على الموقف الفلسطيني الثابت وهو قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس على حدود عام 1967، مؤكدا رفضه لكل الحلول الجزئية والمرحلية والتمسك بعدم شرعية الاستيطان وإطلاق سراح جميع الأسرى».
وأوضح أبو ردينة أنه جرى الاتفاق على استمرار الحوار والاتصالات مع الجانب الأميركي في المرحلة المقبلة.
وبينما أكد مسؤولون فلسطينيون أن مقترحات تتضمن يهودية الدولة وبقاء قوات إسرائيلية في الضفة مرفوضة، أكد السيناتور الجمهوري الأميركي جون ماكين، الذي يزور المنطقة، والتقى نتنياهو وعباس، أن نتنياهو قدم تحفظات كبيرة حيال مقترحات كيري.
وتشكل منطقة الأغوار الحدودية مع الأردن نقطة الخلاف الجوهرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى جانب ملفات أخرى، من بينها يهودية الدولة واللاجئون والقدس. ولذلك يواصل كيري محادثاته اليوم في الأردن والسعودية.
وتحظى الدولتان بثقل كبير وبقدرة في التأثير على مواقف الفلسطينيين، ويبدو أن كيري ينوي الاستعانة بهما.
وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة تعديلات على خطة كيري القديمة، لكن الاتفاق الذي يقترحه يتضمن يهودية الدولة وبقاء أطول للقوات الإسرائيلية مما يعتقده الفلسطينيون.
ويرفض الفلسطينيون ذلك، بينما يرفض الإسرائيليون أي تسوية لا تتضمن يهودية الدولة وبقاء طويلا نسبيا للقوات الإسرائيلية على طول حدود الأردن. ولم تحمل تصريحات كيري أي جديد، إذ كرر ذلك خلال جولاته الأخيرة في المنطقة.
وكان كيري تحدث أمام مجموعة من الطلبة اليهود الأميركيين الذين يزورون إسرائيل، حول صعوبة الاتفاق، وقال إن عباس ونتنياهو يدركان حقيقة المخاطر التي يترتب عليها فشل المفاوضات على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، مضيفا: «إنهما يحاولان ويعطيان اهتماما أكبر بالمسألة، نحن نؤمن بإمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات وصولا إلى اتفاق لكنه سيكون صعبا جدا جدا على الطرفين».
وفي هذه الأثناء واصلت إسرائيل الهجوم على شخص الرئيس الفلسطيني. وشكك يوفال شتاينتز، وزير الشؤون الاستراتيجية، بنيات عباس حول السلام. وقال: «هناك شكوك كبيرة حول حقيقة أن أبو مازن شريك في عملية السلام».
وأضاف: «رقصة التانغو تحتاج لشريكين ونحن لدينا شكوك كبيرة حول نية واستعداد أبو مازن لعقد اتفاق سلام». متابعا: «نشاهد تحريضا قاسيا ولا ساميا واضحا في خطاب السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن وسأعرض أمام الحكومة معطيات جديدة على التحريض الفلسطيني غدا (اليوم)».
وجاء هجوم الوزير الإسرائيلي على عباس، بعدما شن نتنياهو شخصيا أمام كيري هجوما على الرئيس الفلسطيني قائلا للوزير الأميركي الضيف: «قبل يومين في رام الله احتضن الرئيس عباس إرهابيين وسماهم أبطالا. إن مدح قتلة قتلوا نساء وأطفالا أبرياء ومعاملتهم كأبطال ليس إلا فضيحة شنعاء. كيف يستطيع الرئيس عباس أن يقول إنه يقف ضد الإرهاب وهو يعانق الإرهابيين ويشيد بهم كأبطال؟ إنه لا يستطيع أن يقف ضد الإرهابيين وفي الوقت نفسه يقف معهم. الرئيس عباس لم يدن هجمات ضدنا، وأشدد على أن هذا حدث على الأقل مرة واحدة، شارك في هذه الهجمات عناصر في قوات الأمن الفلسطينية».
وأضاف: «يجب على الرئيس عباس أن يقود شعبه ليبتعد عن الإرهاب والتحريض وليمضي نحو المصالحة والسلام. الشعب الإسرائيلي وأنا شخصيا مستعدون لصنع سلام تاريخي ولكننا نحتاج لشريك فلسطيني يلتزم أيضا بصنع السلام، ومن أجل إنجاح جهودنا المشتركة، يجب على الرئيس عباس أن يرفض الإرهاب ويحتضن السلام. آمل أنه لن يضيع مرة أخرى الفرصة لمنح الإسرائيليين والفلسطينيين مستقبلا أفضل».
كما يلتقي العاهل الأردني اﻟﻤﻠك ﻋﺒد اﷲ الثاني اليوم (الأحد) وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وفقا لما أفاد به مصدر في الديوان الملكي الأردني، ﻓﻲ زيارة ﻻ تتجاوز الساعتين، يلتقي خلالها اﻟﻤﻠك عبد الله الثاني وكبار المسؤولين، لإطلاعهم ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﺠدات اﻟﺘﻲ سارت ﻓﻲ العملية التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني واﻹسرائيلي.
من جانبه، طالب النائب خميس عطية من الحكومة الأردنية بإبلاغ وزير الخارجية الأميركي رفض الأردن لأي ضغوط على الرئيس الفلسطيني.
وقال عطية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه «يجب أن يسمع وزير الخارجية الأميركي من الأردن موقفا داعما للثوابت الفلسطينية وهي الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود ما قبل الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفق القرار الدولي 194». وأضاف: «يجب أن يسمع كيري هذا الموقف لأنه اليوم لم يعد يجدي نفعا الديباجة المعهودة وهي أننا ندعم التسوية السياسية».
وفي المقابل، أثار نواب آخرون زوبعة سياسية كبيرة بإصدارهم أمس بيانا مشتركا جاء فيه: «يثير الوزير الأميركي جون كيري فينا كل هواجس القلق والارتياب وهو يصر على زيارة المنطقة للمرة العاشرة مسجلا المقابلة رقم 21 مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس». وتساءلوا عن «مدى قدرة الحكومة وجديتها بالتعامل مع الخطر المرتقب المتمثل في الحقوق الوطنية الأردنية بقضايا اللاجئين والقدس والحدود». ولفتوا إلى أن «الترتيبات ستنتهي بكل الأحوال بكيان فلسطيني مشوه وغير مستقل ومنقوص السيادة لا يرقى بأفضل أحواله لأكثر من تجربة (روابط القرى) المرتبطة بمرحلة سوداء من تاريخنا الأردني - الفلسطيني المعاصر».
وشددوا على «أننا لا نقبل بأي بحث لمستقبل العلاقات الأردنية - الفلسطينية قبل تمكين الفلسطينيين من كل حقوقهم ودولتهم على ترابهم الوطني». وقالوا: «اتفاقية الإطار التي وقعها بالأحرف الأولى بعض المتفاوضين هي ليست أكثر من اتفاقية لصالح العدو الصهيوني وتمنطقت على أساس توفير الحماية الأمنية التاريخية له». وعدوا «اتفاقية الإطار في جوهرها ومنتهاها ليست أكثر من مشروع (كونفدرالية منقبة) ومريبة ومستترة يسعى أعداء الأمة والأردن لفرضها سرا ومن وراء ستار على الشعبين».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.