المالكي يتنحى بـ {خطاب تبريري}

أعلن دعمه للعبادي وسحب شكواه ضد معصوم * رسالة خطية من السيستاني قلبت الطاولة عليه

الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم لدى لقائه مع نواب الكتلة الشيعية الكردية في البرلمان العراقي أمس (أ.ب)
الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم لدى لقائه مع نواب الكتلة الشيعية الكردية في البرلمان العراقي أمس (أ.ب)
TT

المالكي يتنحى بـ {خطاب تبريري}

الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم لدى لقائه مع نواب الكتلة الشيعية الكردية في البرلمان العراقي أمس (أ.ب)
الرئيس العراقي الجديد فؤاد معصوم لدى لقائه مع نواب الكتلة الشيعية الكردية في البرلمان العراقي أمس (أ.ب)

أعلن رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي تخليه عن المساعي للبقاء في السلطة أمس في اعلان مفاجئ مساء أمس. وبعد اجتماع بين المالكي ورئيس الوزراء المكلف حيد العبادي وكبار القيادات من التحالف الوطني الشيعي، بعد ان كانت الخلافات بالتحالف بلغت ذروتها. وقال المالكي في كلمة والى جانبه العبادي: «مسؤوليتي ان ادافع عن هذا البلد والشعب ومقدساته»، مضيفا انه عندما تولى الحكم كان «القتال يدور في وسط العاصمة.. وتسلمنا الحكومة وسط احتلال قاس»، شارحا انه عمل لـ»الاعمار والبناء» معددا عددا من المبادرات التي «حققت قفزة نوعية». وتحدث المالكي مطولا عن «الارهاب التي شاركت بها أجهزة امنية دولية وبعض المجموعات المحلية التي كانت توفر الغطاء لها». ومن اللافت ان المالكي تحدث عن سوريا بقدر ما هو تحدث عن الارهاب في العراق، قائلا ان «الهدف لم يكن لاسقاط النظام في سوريا فقط بل رسم خارطة جديدة في المنطقة ومن بينها العراق». وانهى خطابه بـاعلان دعمه للعبادي الذي سماه «الأخ»، قائلا: «سأبقى جنديا وفيا للعراق». وأفاد التلفزيون العراقي الرسمي الذي كان يسيطر عليه المالكي بأنه بات يؤيد حيدر العبادي كي يخلفه للمنصب.
وواجه المالكي ضغطا هائلا كي يتنحى بعد ثمانية سنوات في السلطة.وقال علي الموسوي المستشار الاعلامي للمالكي لوكالة الصحافة الفرنسية ان «رئيس الوزراء نوري المالكي سيدعم رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي وسيسحب الدعوى التي قدمها ضد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم». واضاف ان «المالكي يحث العراقيين على التوحد لمواجهة الارهاب والتحديات ويتعهد بالاستمرار في الدفاع عن العراق والمشروع الوطني». وكان التحالف الوطني الشيعي قام بتكليف العبادي الذي ينتمي الى ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي، الامر الذي عارضه المالكي في بداية الامر واعتبره مؤامرة.
وقدم رئيس الوزراء المنتهية ولايته دعوى في المحكمة الاتحادية ضد الرئيس العراقي فؤاد معصوم الذي رفض اعتبار ائتلاف دولة القانون الكتلة الاكبر في البرلمان.
وفقد المالكي اثر تمسكه بالسلطة، اقرب الحلفاء وينتمي بعضهم الى ائتلافه الحاكم، اثر الضغوطات الداخلية والخارجية الرافضة التجديد له لولاية ثالثة.
وكُشف، أمس، أن رسالتين من المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، ساهمتا في الإطاحة برئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي؛ الأولى أُرسلت بخط اليد في 9 يوليو (تموز) الماضي لقيادات حزب الدعوة، والثانية إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تشدد على أهمية تغيير رئيس الوزراء.
وبينما يفقد المالكي الحلفاء من حوله، تُعد هذه الخطوة من السيستاني الضربة الحاسمة، التي أنهت طموح المالكي بولاية ثالثة في الحكم.
وفي وقت كشف فيه مصدر سياسي مقرب من حزب الدعوة الإسلامية عن فشل تسوية بين المالكي والمكلف حيدر العبادي تقضي بانسحابهما معا، وترشيح بديل عنهما من حزب الدعوة، أعلنت المحكمة الاتحادية العليا أن قرارها الخاص بالشكوى التي رفعها المالكي ضد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم سيتأخر.
وقال المصدر السياسي العراقي الذي طلب من «الشرق الأوسط» عدم الكشف عن هويته إن «الأوضاع بدأت تميل بشكل يكاد يكون نهائي لصالح حيدر العبادي، وذلك على أثر التأييد الداخلي والإقليمي والدولي، الأمر الذي وضع المالكي في زاوية حرجة، بحيث بدأ يتحدث فقط عن أحقية من انتخبه، بينما الشرط الرئيس لنجاح أي رئيس حكومة يتمثل في مدى الدعم الذي يحظى به داخليا وخارجيا».
وأضاف أنه «بعد التعنت الذي أبداه المالكي أول الأمر، فقد بدأت وساطات من عدد من القيادات، من أبرزها عدد من قيادات حزب الدعوة، فضلا عن أطراف أخرى، بمن فيها المرجعية الدينية»، مبينا أن «الوساطات اتخذت صيغتين؛ الأولى، وقد فشلت بعد تراجع حظوظ المالكي بإمكانية الاحتفاظ بمنصبه، وتتمثل في أن يعلن كل من المالكي والعبادي انسحابهما معا من سباق الترشح لمنصب رئيس الوزراء، على أن يحل محلهما القيادي في الدعوة خلف عبد الصمد، وهي تسوية لم تصمد طويلا، بينما الصيغة الثانية هي ممارسة المزيد من الضغوط على المالكي لكي يتنازل».
وأضاف أن «من أبرز الضغوط التي أحرجت المالكي كثيرا هي الرسالة التي كان أرسلها إلى قيادات الدعوة المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني، التي يشير فيها صراحة إلى اختيار رئيس جديد للوزراء».
وأوضح المصدر المطلع أن «حزب الدعوة انحاز لصالح العبادي، ليس بالضد من المالكي، بل لأنه بات يرى أن تشبث المالكي بالمنصب سيفقد الفرصة من حزب الدعوة، الذي يمسك بالسلطة منذ ثمانية أعوام، وبالتالي فإنه في الوقت الذي سوف يستمر فيه المالكي بانتظار قرار المحكمة الاتحادية، فإنه بات يشعر أن الوقت لا يعمل لصالحه، لأنه حتى لو صدر قرار المحكمة الاتحادية لصالح دولة القانون، فإن العبادي بات الآن مرشح دولة القانون والمرجعية معا».
ويأتي الإعلان عن ترشيح عبد الصمد بدلا من المرشح الساخن طوال الشهور الماضية، وهو طارق نجم، بديلا للمالكي ليعكس استمرار الأزمة داخل «الدعوة»، لا سيما أن عبد الصمد لم يكن من قيادات الخط الأول، فالأخير برز في غضون السنوات الأخيرة عبر رئاسته مؤسسة الشهداء، ومن ثم انتخابه محافظا للبصرة، ومن ثم رئيسا لمجلس محافظتها، قبل أن يرشح للانتخابات البرلمانية الأخيرة، ويفوز بعضوية البرلمان العراقي للدورة الحالية.
إلى ذلك، أكد عضو البرلمان العراقي عن المجلس الأعلى الإسلامي ووزير النفط الأسبق إبراهيم بحر العلوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التغيير الذي حصل في العراق، اليوم، بتكليف شخصية أخرى لرئاسة الحكومة إنما يعود الفضل فيه إلى المرجعية الدينية العليا التي أصرت على هذا التغيير وقادته بكل مفاصله، ونجحت في ذلك». وأضاف أن «المفارقة اللافتة أنه في الوقت الذي تقود فيه المرجعية التغيير والتقدم بالبلد نحو شاطئ الأمان والاستقرار، فإن القيادات السياسية تقود فريق التأخير من أجل التشبث بالمناصب والمواقع التي لم تقدم خدمة للناس ولم تحفظ البلد أمنيا». وأوضح بحر العلوم أن «الأهم بالنسبة لنا في المرحلة القادمة تحديد خريطة طريق من أجل تشكيل الحكومة بأسرع وقت وببرنامج عمل واضح المعالم، مع التركيز على المواطنة كهوية جامعة ونبذ المحاصصة العرقية والطائفية».
على صعيد متصل، فإنه بينما أعلن الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى عبد الستار البيرقدار أن المحكمة الاتحادية تحتاج إلى وقت للبت في قرارها الخاص بالطعن الذي قدمه المالكي ضد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، وذلك في تصريحات له نشرت أمس (الخميس) في بغداد، فإن مصدرا مقربا من الرئاسة العراقية أبلغ «الشرق الأوسط» (طالب عدم الإشارة إلى اسمه) أن «المحكمة الاتحادية أرسلت إلى رئاسة الجمهورية كتابا تطالبها فيه بتحديد دفوعاتها بهذا الشأن»، مبينا أن «المحكمة الاتحادية سوف تبدأ إجراءاتها بالنظر في القضية بعد أسبوعين من الآن»، مبينا أن «الرئاسة سوف تهيئ دفوعاتها بهذا الاتجاه».
وفي ضوء هذا الإعلان، فإن المراقبين السياسيين في العاصمة العراقية بغداد يخشون أن يؤثر هذا التأخير على عملية تسليم السلطة من قبل المالكي، في نهاية المهلة الدستورية المحددة لرئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي، وأمدها شهر من تاريخ التكليف.
إلى ذلك، لا يزال تبادل البيانات والاتهامات قائما بين أطراف حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه المالكي؛ ففي الوقت الذي أعلن فيه الحزب في بيان له، أمس، أنه اختار العبادي لوجود عقبات كبيرة أمام المالكي، فإن مقربا من المالكي نفى أن يكون قد صدر مثل هذا البيان.
وقال حزب الدعوة في بيانه: «نؤكد أهمية تكاتف القوى والكتل السياسية ونبذ الخلافات لمواجهة التحديات الخطيرة والحفاظ على وحدة العراق وحماية المواطنين»، داعيا الكتل السياسية إلى «التعاون مع رئيس الوزراء المكلف دستوريا السيد العبادي».
ومن جهة أخرى، أفادت مصادر سياسية مطلعة في طهران بأن السيستاني بعث رسالة إلى مرشد الجمهورية الإسلامية، مما أدى إلى تغيير سياسة طهران في حماية المالكي. وقام السيستاني ببعث الرسالة بشكل «سري»، بعد مرور ساعات على الاجتماع غير المثمر الذي جمع قيادات حزب الدعوة بشأن مناقشة ترشيح المالكي لتولي منصب رئاسة الوزراء للمرة الثالثة. ولم يعلن عن تفاصيل هذه الرسالة. ويبدو أن آية الله السيستاني قام بانتقاد المالكي قبل أن يبعث الرسالة لمرشد الجمهورية الإسلامية، وقال إن الاستیلاء على السلطة والمنصب خطأ عظيم، وبعث السيستاني الرسالة إلى المرشد مباشرة بعد إدلائه بهذه التصريحات.
وقال مصدر إيراني مطلع لـ«الشرق الأوسط»: «جاء قرار السيستاني بإرسال الرسالة للمرشد بعد تلقيه اتصالات هاتفية من قيادات الائتلاف الوطني (ومناشدتهم إياه بالمساعدة في عزل المالكي)». وحول الرسالة التي وجهها السيستاني إلى خامنئي، أضاف المصدر: «يدرك أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني خلال لقاء سري مع آية الله السيستاني في منتصف يوليو (تموز) رغبة آية الله السيستاني في تنحي المالكي. ويبلغ شمخاني الأمر لخامنئي».
وقال الدكتور صباح زنكنة الخبير والمحلل السياسي في شؤون الشرق الأوسط في طهران لـ«الشرق الأوسط»، أمس، حول اختيار العبادي: «كانت تدل الظروف السائدة في العراق والمشاكل التي يواجهها البلاد بسبب (داعش) على أن المالكي غير قادر على إعادة اللحمة إلى العراق».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.